تحوّل

 

حصة بنت خالد القحطاني*

الـغـائـبونَ ومــا أبـقـوا لـنـا جَـلَـدا
عـلى الـغيابِ ولا عَـزْماً ولا رَشَـدا

الـحاضرون على طُولِ الفِراقِ هُنا
روحـاً نراهُم، وأنفاساً سَرَتْ جَسَدا

الــتــاركـونَ لــنــا إرْثــــاً لِـحُـبِّـهُـمُ
عـمـيـقَ جُـرحٍ، ونـزفـاً دائـمـاً أبَــدا

الآخـــذونَ مِـــن الأيـــامِ بَـهـجَتها
عـهدُ السرورِ بِهِم قد غابَ وابْتعَدا

‏الـراحـلونَ بـنـا عـنّـا، ومــا شـعروا
أنّــا نُـرافِـقُهُم، لــم يَـلْحظوا أحَـدا

الـقاطنونَ وفـي الأحشا مساكِنُهم
بها أقاموا جَوَىً، واَسْتوطنوا البلَدا

الـزارعـونَ لـنـا ذِكــرىً بِـكُـلِّ ثَـرَى
عَـزيـزَ ذِكــرٍ لـهُم، لم نُـحْصِهِ عَـدَدا

الـقـاطـعونَ وِصـــالاً طــابَ أوّلُــهُ
وعـــاد آخِـــرُهُ مِــن فِـعـلِهِم نَـكَـدا

‏الـحـارقونَ ربـيـعَ الـعُـمر أخـضَـرَهُ
بـالانـتـظار لـــهُ وَهـــجٌ إذا اتَّــقَـدا

الـسـاكبون عـلى مُـرِّ الـجِراح أذَىً
مِـلْـحاً، ولم يَـشْـفِهِ يـومـاً ولا بَـرَدا

الـنـاهـبونَ قـلـوبـاً مِـــن مَـعـاقِـلِها
مــا إنْ أشـاروا لـها جـاءتهُمُ قـوَدا

الـواهـبونَ لـنـا سُـهـداً يَـطـول لـهُ
لـيـلٌ، ودمعٌ لــهُ مِــن بَـعـدِهِ مَــدَدا

‏الـنـاثـرون بــوَجْـهِ الـريـحِ أُمْـنِـيةً
ولـلـشَّـتاتِ يَــدٌ عـاثـتْ بِـهـا بَــدَدا

الـجـامعون هُـمـوماً عــزَّ صـاحِبَها
تــفـريـقُ مَـجْـمَـعِها، أوْرَثْنَهُ كَــمَـدا

الــواعــدون أحِــبَّـاهُـم بــــأنَّ وأنْ
لـهُ أقـاموا الـمُنى عُـرساً وما قَعَدا

الـنـاقِـضون لِـغَـزْلِ الـحـب تَـنـكِثَةً
مِــن بـعـدِ قُـوّتِـهِ حـتـى غَـدا لـبَدا

‏الـصّـاعدونَ بـأحـلامِ الـهوى قِـمَماً
لـــم يَـرْقـها قـبـلنا إنْــسٌ ولا وَرَدا

الـهـابطونَ بـنـا مــا ضــاقَ أسْـفلُهُ
سـحـيقَ أوديَـةٍ،لـم تَـسكُنِ الـخَلَدا

الــوافِـدونَ إذا نـــامَ الـخَـلِيُّ هَـنـاً
خَـيْلاً تُـغيرُ وطـاوي الـهمِّ ما رَقدا

الـبـاعـثون لــنـا أطـيـافهُم حَـرَسـاً
هـل خانَ عاشِقهُم أو صَبرُه نَفَدا؟

‏وا راحـلـين ولــم تـرحل مـحبّتهُم
لِـيَـهـنَكُم أنّــنـا لـــم نـبـتَغِ الـرّفَـدا

فـأَقْصِروا سُـؤلَكُم عـنّا ولا تـصِلوا
حـبـلاً تَـصرّم مِـنهُ الـمُفلِساتُ يَـدا

لا تـنكَؤوا جُـرحَ مَـن أعْـيا مُعالِجهُ
كـيف الدواء؟ وأين الداء؟ ما وجدا

خَـلُّـوهُ والـدرب؛ لا سُـدَّت مـسالِكُهُ
ولا غــشـاهُ عــتـامٌ أو جــلا رَمَــدا

‏يَـطـوي الـحياةَ وتـطويْهِ مُـجالَدَةً
ولا خـلـيلٌ لــهُ، لــم يـتَّـخِذْ سَـنَـدا

لــهُ مِــن الله كــافٍ عــن خـلـيقَتِهِ
ومُــغْـنِـهِ عـنـهُـمُ حَــقّـاً ولا فَــنَـدا

يـا راحـلونَ أرِيـحوا مِن لُجاجَتِكُم
لم يَسْلُ صاحِبُكُم سَهواً ولا قَصَدا

شاعرة من السعودية*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *