توظيف العلامة التراثية في قصيدة “أحلام تائهة”(1 من 2)

بقلم: د. مصطفى الضبع*

علي المنكوتة الزهراني، شاعر سعودي موهوب، تطالعك قصائده عبر وسائل التواصل، وعبر اليوتيوب، فتتفاعل معه بصريا وصوتيا عبر الوسائط المتاحة بوصفها قنوات الالتقاء بالنص الشعري، مما يمكن متلقيه من الوقوف على عدد من التقنيات الشعرية التي يستحسنها الشاعر، ليس لإدارة النص على مستوى الكتابة ولكن لإدارة النص على مستوى التلقي، وهو ما يجعل من تجربته الشعرية تجربة جديرة بالتلقي وبالوقوف على تقنياته الفنية وحالاته الشعرية.  

في “أحلام تائهة” يدشن الشاعر قصيدته بوصفها حالة شعرية ترصد حالة الشاعر في أحلامه أو حالة الحلم حين يجري على لسان شاعر العصر العربي الحديث، وكيف ترتبط أحلام الذات العصرية بأحلام الذات العربية القديمة، فالشاعر يوظف العلامة التراثية العربية بوصفها نظاما دالا على حلم ينتقي الشاعر منه أبرز رموزه للتعبير عن حالة إنسانية قديمة حديثة في الآن نفسه، ساردا وضعه الإنساني بوصفه نموذجا لإنسان الألفية الثالثة في معاناته الحلم، ومجابهته كل معوقات نمو هذا الحلم.

يستثمر الشاعر طاقة العلامة التراثية رابطا بين وجودين لها: وجودها التراثي وقد تحققت في زمن المنشأ (يمكن الاصطلاح عليه بزمن المنشأ التاريخي)، ووجودها الحاضر المتحقق في زمن المنشأ الدلالي، في السابق يكون للعلامة وظيفتها الإنسانية (وخاصة لو كانت شخصية إنسانية)، وفي اللاحق (الحاضر) تتحقق لها وظيفتها الدلالية (فوق التاريخية).

يستثمر الشاعر علامتين تراثيتين: يعقوب ومجاله الحيوي بداية، وبلقيس ومجالها الحيوي في نهاية القصيدة، ولا تتشكل للنص دلالته مالم يتحقق الربط بين العلامتين، وقد عمد الشاعر للربط بينهما عبر مجموعة من العلامات الصغرى (الفرعية عن صح التعبير)، والصور المنتجة شبكة العلاقات النصية.    

يعتمد الشاعر بداية على فعل القص، بوصفه قادرا على الربط بين الأحداث والأشياء والأشخاص بداية، وبوصفه أمرا (قصّي) للإخبار عما لا نعلم أو عما يستهدف الآمر التوصل إليه “قصي رؤاك“، وقبل استهداف القص في حد ذاته فإنه يستهدف المعنى الأعمق في القص، المعنى غير المباشر وهو التتبع “فالقص يعني تتبع الأثر” والأثر هو الحلم بوصفه تعبيرا عن التطلع إلى كل ما هو أفضل فنحن لا نحلم بالأسوأ والإنسان لا يسعى إلى صناعة الكوابيس، وإنما يتطلع دوما إلى إنتاج الأحلام وصناعتها بدوافع داخلية محركة لصناعة المستقبل.

الجملة في طرحها استحضار للمخاطبة، ومن تكون (الذات بوصفها الأقرب له أم الأنثى بوصفها ذاتا منفصلة)، كما أن المخاطبة تتحرك دلالتها في عدة دوائر متسعة من دائرة ذات الشاعر إلى ذات الإنسان بمعناها الأوسع ، مرورا بما يمكن تسميته بالذوات محددة الحضور تاريخيا، فقد تتسع الدلالة لتشمل دائرة تضم العلامة السردية الأنثوية أو أيقونة السرد الإنساني (شهرزاد ) بوصفها أنثى السرد أو أشهر أنثى ساردة ، وهو ما يفتح دلالة النص على مجاله الثري ، وعلى نتاجه الأغنى من الدلالة وقدرته على فتح أفق التلقي عبر استقطاب القدر الأكبر من العلامات النصية أو القدر الأكبر من الدلالات.

تبدو الدلالة في البيت الأول أو في الجملة الأولى (فعل الأمر بوصفه فعلا محوريا في بناء الجملة الاستهلالية) تبدو منفتحة خاضعة لاحتمالات دلالية

قُصِّي رُؤَاكِ” حتى يظهر “يعقوب” بوصفه مقصوصا عليه، متلقيا لما يجب أن يُقص، عندها يتخذ المشهد منحى آخر وفق واحد من احتمالين:

  • كون يعقوب المقصود هو النبي يعقوب والد يوسف عليهما السلام.
  • كون يعقوب رمزا لذات عصرية يعيد الشاعر إنتاجها مستهدفا تحقيق غاياته النصية عبرها.

يكاد النص يتشكل من جملتين شعريتين متماسكتين يجمع بينهما عدد من الروابط النصية، تستهل القصيدة بالجملة الأولى:

“قُصِّي رُؤَاكِ على يَعْقُوبَ وَاحْتَفِلِي

ما عدتُ أَمْلِكُ لَا ثَوْبًا وَلَا بَصَرَا

فكيفَ أُقْسِمُ والأبْوابُ مُشْرَعَةٌ

ولي بقَايا لِطَيْفٍ لم يزلْ بَشَرَا

فما شَكَوتُ سِوى حُلْمَاً يُرَاوِدُني

لكنَّهُ لم يَكنْ شَمْسَاً ولا قَمَرا

وَصَاحِبُ السِّجْنِ لَا يَطْوِي عِمَامَتَهُ

لِلطَّيرِ حِينَ ارْتقَتْ في رُوحِهِ زُمَرَا ”

والجملة تترابط داخليا بروابط نحوية في معظمها، فما بين جملة وتاليتها رابط من الوظائف النحوية تمهد لرابط من المعنى والعكس صحيح، ما بين الجملة الأولى:” قُصِّي رُؤَاكِ على يَعْقُوبَ وَاحْتَفِلِي” والجملة التالية: “ما عدتُ أَمْلِكُ لَا ثَوْبًا وَلَا بَصَرَا” علاقة سببية تخفي الرابط النحوي على حساب ظهور المعنى، معنى السبب والنتيجة، افعلي كذا لأني ماعد أملك كذا، وتتوالى بعدها الروابط في قدرتها على سبك النص في سبيكة شعرية تجعل منه لوحة شعرية متعددة الألوان، متعددة الدلالات.

وتأتي الجملة الثانية عصرية الطابع، فإذا كانت الجملة الأولى قد اعتمدت على فعل القص، وعلى العلامة التراثية الأبرز في القصيدة “يعقوب”، فإن الجملة الثانية تعتمد على فعل يقترب من الذات عبر حضور ضمير المتكلم المتضمن في الفعل المضارع في دلالته على الزمن الحاضر (الحضور متجدد بتجدد الفعل أولا وبتجدد القراءة ثانيا، فكل قراءة جديدة إحياء لدلالة الفعل وكل صوت يقرأ النص فإنه ناطق باسم الشاعر:

أُسَاوِرُ الشَّكَّ أَم لِلشَّكِّ فِي كُتُبِي

 مَا يُشْبِهُ القَيْدَ أَوْ مَا يُشْبِهُ القدرا

تميدُ بي لُغَتَي في كُلِّ نَاحِيَةٍ

 لَكنَّهَا لَمْ تَدَعني أَنْقُلُ الخَبَرا

 أُعَانِدُ الوَقْتَ وَالأَيَّامُ تَحْمِلُنِي

مَا بَيْنَ جَفْنَيْكِ حتَّى مَلّتِ السَّفَرا

لَا تَعْذلِيهِ على أَحْزَانِ سيرتهِ

فلوعةُ الحُبِّ تُوفِي الدَّينَ والقَدَرَا

فَكَيْفَ بالنِّسوةِ اللَّائِي كَتَبْنَ على

ثَوْبِ الطَّهَارَةِ حُلْماً تَاهَ وَانْدَثَرَا

لِهُنَّ سِرْبٌ مِنْ الضَّحِكَاتِ يَفْضَحهُ

صَمْتُ الشَّبَابيكِ والقِنْدِيلِ حِين سَرَى

وباتَ مُتَّكَيء يَشْكُو هَشَاشَتَهُ

وسيِّدُ القَصْرِ في أحْلامِهِ احْتَضَرَا

حتى الضِّيَاءُ إِذَا أَعطَاكَ قُبْلَتَهُ

يَقُصُّ أَحْلَامَكَ العَمَياءَ حَيثُ جَرَى

فَعُدْ كَمَا كُنْتَ لَا يَعْقُوبُ تَفْتِنُهُ

رُؤْيَاكَ فَاِرْجِعْ إِلَى بِلْقِيسَ مُعْتذِرا

في نهاية القصيدة ينتقل الشاعر إلى العلامة الثانية “بلقيس” مستحضرا الوجه الآخر للشخصية الإنسانية (يعقوب بوصفه ممثلا للذكورة، وبلقيس بوصفها (ممثلة الأنوثة)، وهما معا يمثلان قسمي الحياة ووجهيها، ومنتجا انزياحا عما تحقق في الواقع وعما طرحه التاريخ المعروف في واقعة اعتذار الهدهد لسليمان وليس  لبلقيس (اعتذر الهدهد لسليمان مبينا عذره بالإتيان بحجة تسوغ غيابه ” فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ“)، غير أن الشاعر يجعل الاعتذار لبلقيس إنتاجا لمجموعة من الدوال:

  • تأكيدا على فكرة التيه، وتؤكدها العودة الخاطئة، عودة الهدهد لبلقيس وليس إلى سليمان.
  • عودة الهدهد الصحيحة لسليمان يقابلها عودة الذات الخاطئة إلى بلقيس.
  • اختلاف المرجعية، فلأن يعقوب لم يعد مهتما لذا لم يعد باقيا سوى العودة إلى مرجعية مغايرة، وهو اختلاف دال على انتفاء الأبوة، أبوة يعقوب الذي كان مدفوعا بها لاستكشاف رؤية يوسف عليه السلام، وهو ما يؤكد التغيير الواقع على أحلام الذات.

وبين الماضي بما يطرحه من علامات يستقطبها الشاعر على الحاضر، بينهما تتشكل صورة لحركة الذات في اتجاه أحلامه، أو ما يعتقد إنه الأحلام التي يرى أحقية العمل على إنتاجها أو العمل على التفكير في تلوين حياته بها.

* أستاذ البلاغة والنقد بكلية الآداب جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *