أبو العز الحفار

قصة قصيرة

للكاتب / محمود عودة* 

جلس على كرسيه الهزاز في شرفة فلته الفاخرة، التي تعلو ربوة تطل على البحر، وسط مجموعة من النباتات والزهور، ويجول ببصره على لجة البحر القرمزية، ويتأمل قرص الشمس وقد احمر إنذاراً بالغروب وأشعتها تتهادى على صفحة المياه الزرقاء لتعكس ألوان قوس قزح،في خضم تمتعه بالطبيعة وجمالها لم يشعر بنسمة البحر الشتوية القارصة وهي تلفح وجهه وجسده خجلت القشعريرة أن تسري في جسده تحية لملابسه الوثيرة،  ابتسم ساخراً من هبّات الرياح القارصة . ركز نظره على البحر والشمس وهما يرسمان لوحة سيريالية طبيعية بدون ريشة فنان وأرخى أذنيه للاستماع بسمفونية رائعة تعزفهاموجات البحر المتلاحقة، أمعن النظر طويلاً وهو يتابع غروب الشمس وهي تغرق ببطء في البحر، منذ تخرجه من الجامعة وهو يحرص على مشاهدة هذا المنظر. 
يومياً كان من الصباح حتى الغروب يجوب شوارع المدينة ويتنقل بين الدوائر الحكومية والشركات منقباً عن عمل،  تدثر جسده ملابس رثة لاتقي برد ولا تحجت أشعة حارقة وتلتقط أذنية كلمات الاعتذار وأحيانا السخرية فتخترق قلبه ورأسه فيتقبلها مضطراً بلا ضجر،  مرما يقرب من عامين وهو يدور في هذا الروتين اليومي، وكان يحرص يومياً ألا يعود لبيته في مخيم اللاجئين قبل مشاهدة منظر الغروب، مايزال يعشق المنظر ويحرص على مشاهدته يومياً، ابتسم ملء شدقيه وهو يتذكر اليوم الذي تحصل فيه على عمل شاق جداً وكم كانت سعادته رغم شقوته نظرإلى كفيه الناعمتين ومسح بهما على روبه الكشميري الناعم ثم رفعمها أمام عينيه وسخر من أول يوم عمل في حفر الأنفاق المنتشرة بكثرة في أنحاء متفرقة من الحدود إلى داخل المدن والقرى، وكل نفق له اختصاصه ( تهريب .. مقاومة .. حماية تنقلات بعض المهمين ) تذكر تشقق كفيه وأصابعه من أثر المعاول، تحمل كل الشقاء وعمل بجد ونشاط ، طالما تدر عليه دخلاً وفيراً وترك النقود تتضاعف بين يديه وقتَّر الإنفاق بأقصى استطاعته حتى لقبه أهل بيته بالبخيل بعد شهور تمكن من تملك نفق.
لم يشعر برذاذ المطر وهو يتندى على وجهه، ارتفع هدير موج البحر واختفى قرص الشمس وتحلقت الغيوم السوداء تحجب الأفق ودلقت أمطارها بغزارة ومعها حبات برد ثلجية،بركت المياه على أرض الشرفة وهو ما يزال يتحرك على كرسيه الهزاز يستعرض شريط  حياته الماضية وكيف تطور النفق ليصبح عدة أنفاق،  تذكر صديقه أبا العز الذي ساعده للعمل معه في الأنفاق.. واستهزأ من إخلاصه في العمل، حفار أنفاق لم يتطور ولم يكن طموحاً مثله كما لم يكن لبق الحديث حلو اللسان ويمقت المديح والتملق ويصف ذلك بالنفاق، تذكر كيف كان يتهرب من أبي العز كلما حضر صاحب النفق الذي عمل به أول مرة ليتقرب منه ويستدرجه في الحديث حتي أصبح مساعداً له ثم لم تمضِ شهور حتي اشترى النفق يومها غضب منه أبو العز وقاطعه واتهمه بالسرقة، تزايد انهمار الأمطار اضطره للهرب من الشرفة إلى كرسيه الهزاز الآخر في بهو الفيلا بجوار المدفأة الحجرية بوهج نيرانها، ويرنو ببصره من نافذة الشرفة الزجاجية مستمتعاً بمشاهدة حبات المطر والكرات الثلجية وهي تخترق لجة المياه الزرقاء، جذبته من متعته وجولته في واحة الذكريات مرآة تتوسط بهو الفيلا، حزن وهو يرى الشعرات البيضاء تتسلل إلى رأسه وبعض التجاعيد تحت عينيه وتذكر أنه قضى عمره يركض وراء المال والجاه والمتعة الجسدية والسفر والتنقل ولم يتزوج ولم يبنِ أسرة، رنة هاتفه الجوال شدته من بحر ذكرياته: ألو .. لاحول ولا قوة إلا بالله .. إنا لله وإنا اليه راجعون .. متى حدث ذلك؟ .. وأردف بالأمس أبو العز عاش حياته في الأنفاق مخلصاً صادقاً، وهاهو ينهي حياته في الأنفاق،  وسأل كيف انهار هذا النفق وردد إنه من أقوى الأنفاق التي أملكها، وسأل متى موعد الجنازة؟ ..إن شاء الله ساكون حاضراً، أغلق هاتفه وعاد لاهتزازه بكرسيه مستمتعاً بالأمطار الغزيرة متصفحاً لجة مياه البحر الهادرة.

*قاص وكاتب من فلسطين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *