المناقشات السرية للرسائل الجامعية

بقلم: سعد عبدالله الغريبي*

منذ عهدي بالدراسة الجامعية وأنا أقرأ إعلانات عن (مناقشات علنية) لرسائل ماجستير أو دكتوراة مذيلة بعبارة (والدعوة عامة) وكنت أحرص على حضور هذه المناقشات سواء أكانت لمعارف لي وأقارب، أم كانت لدارسين لا يجمعني بهم سوى رحم العلم. كانت المناقشات تتم في إحدى قاعات الجامعة وبحضور عدد كبير من أساتذة الكلية والقسم وعدد من زملاء الدارس. ولأن الأطروحة – خاصة الدكتوراة – هي المرحلة الرسمية الأخيرة لطلب العلم فقد كان المناقشون في غاية الدقة وهم يتسقطون مواضع الخلل في رسالة الدارس؛ لا ليفضحوه على رؤوس الملأ؛ بل ليوجهوه نحو الصواب. كانت المناقشة مصدرا لفوائد علمية جمة ودقائق لغوية تخفى على معظم الحضور بمن فيهم الدارس نفسه، وكانت ذات فائدة لمن ينتظرون دورهم في المناقشة.
لم يكن هناك ورود يُحضرها أصدقاء الدارس، ولا ضيافة تعدها أسرته. كانت المناقشة تتم في جو علمي صارم ينتهي بالإعلان عن نيل الطالب الدرجة العلمية – بعد المداولة – بالتقدير الذي تراه لجنة المناقشة، ومن ثم يتقدم الأهل والأصدقاء والزملاء مهنئين ومباركين.
وكان كثير من هذه المناقشات العلنية للرسائل العلمية تُسجل ويعاد بثها في الإذاعة، وأذكر أن الإذاعة المصرية كانت تبث تسجيلا لمناقشات الرسائل الجامعية، كما كانت إذاعة القرآن الكريم من الرياض تبث برنامجا بعنوان (رسائل علمية) تذيع فيه تسجيلات لمناقشة الرسائل الجامعية؛ لا سيما ما يتصل بالتخصصات الشرعية واللغوية، تمكن المهتمين من الاستماع للمناقشة وتعوضهم عن عدم حضورهم إياها في حينها.
والآن مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعية من (فيسبوك) و(تويتر) و(واتس أب) والاستفادة منها في الإعلان عن المناقشات ونشر الدعوات الخاصة والعامة لها سواء أمِن الطالب الممتحَن أم من مشرفه أم من عضو لجنة المناقشة بتنا نرى الرسائل الجامعية تناقش في غرف مغلقة وكأنها مجرد اختبار شفوي للدارس، فما الذي تغير؟ أهي الجامعة التي لا تحرص على علنية المناقشة ولا حضور الجمهور؟ أم أن الدارسين لا يرغبون في حضورها؟ أم أن الرسائل الجامعية أصبحت من الكثرة للدرجة التي أصبحت لا تمثل حدثا استثنائيا في حياة الطالب والجامعة؟ أم لغياب القنوات الثقافية التي تهتم بهذه المناقشات وإشاعتها؟
إن مناقشة الرسائل الجامعية ليست مسألة تخص الدارس وحده، أو الجامعة وحدها، أو طلاب الجامعة وحدهم. إنها مسألة علمية تهم كل شغوف بالمعرفة والثقافة؛ بله المختصين، ولذلك يجب على الجامعات الإعلان عن مواعيدها قبل انعقادها بوقت كاف، وتشجيع المهتمين على حضورها. ولو لم تغلق قناتنا الثقافية التلفازية (أستوديوهاتها) لاقترحت عليهم نقل هذه المناقشات مباشرة أو – على الأقل – تسجيلها وإعادة بثها لاحقا فقد يكون سبب إغلاق القناة عدم وجود مواد ثقافية كافية لتغطية ساعات البث!
كما أن على الجامعات الاحتفاظ بتسجيلات لمناقشة الرسائل وفهرستها وإيداعها في مكتباتها العامة إلى جانب المراجع والمصادر التي تزخر بها هذه المكتبات، وأن تتيح الفرصة للطلاب لاستنساخها متى كان موضوعها يعنيهم.

كاتب سعودي*

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *