الأدب الإلكتروني التفاعلي وسؤال المرحلة

 

 

(ورقة بحث قُدِّمت في البرنامج الثقافي لسوق عكاظ 13، مساء الخميس 21/ 12/ 1440هـ= 22/ 8/ 2019م)

بقلم/ أ.د. عبد الله بن أحمد الفَيفي*

1- النص الرقمي/ الإلكتروني التفاعلي (سؤال المصطلح والموضوع):

نقصد بـ(الأدب الإلِكتروني التفاعلي) ما يُعرَف بـ(النص المترابط Hypertext)، تحديدًا، لا ما دُوِّن من الأدب إلِكترونيًّا، عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة. فهذا الأخير لا يعدو نصًّا أدبيًّا دُوِّن بالتقنية الحديثة، أو نُقِل إلى هذه التقنية، ولا فرق بينه والنصِّ التقليدي، مخطوطًا أو مطبوعًا، إلَّا في الوسيط بين الكاتب والمتلقِّي، من الورقة إلى الشاشة.

ولطبيعة النصِّ الإلِكتروني التفاعلي، أستبدلُ كلمة «إلِكتروني» بـ«رقمي»، في تسمية هذا النوع من النصوص، لأسمِّيها: «النصوص الإلِكترونيَّة التفاعليَّة»، بدل «النصوص الرقميَّة».  ذلك لأن التعامل في هذا النصِّ- إنشاءً وتلقِّيًا- هو مع التقنية الإلِكترونيَّة. فكلمة «إلِكترونيَّة» ضروريَّة لإشارتها إلى التقنية الوسيطة، التي من دونها لا قيام لهذا النصّ. ونحن نستعمل: «الصحيفة الإلِكترونيَّة»، و«الموقع الإلِكتروني»، و«النشر الإلِكتروني»، إلخ.، فأَولَى أن يُسمَّى هذا النصُّ: «النصُّ الإلِكتروني التفاعلي». ثمَّ إن مصطلح «رقمي» مصطلح مُلْبس، ومشوِّش على مفردة مستقرَّة قديمة مستعملة، تتعلَّق بالرَّقم، بمعنى الكتابة من جهة، وبالأرقام، بمعنى الأعداد من جهة أخرى. وهناك ما يُسمَّى حديثًا «العَروض الرقميَّة»، مثلًا، وتتعلَّق بوضع معادلات رقميَّة لوزن الشِّعر بدلَ الأسباب والأوتاد والتفعيلات. على أن مفهوم (النص المترابط أو المتشعِّب Hypertext)، الذي استعملَه للمرَّة الأُولى الفيلسوف وعالم الحاسوب الأميركي (ثيودور نيلسون Theodor Holm Nelson)، 1965، قد تخطَّاه الزمن، فضلًا عن أن «الترابط» هو شرطٌ مشتركٌ بالضرورة- بمعنى أو بآخر- مع مختلف أضرب الكتابات والنصوص؛ فلا قيمة نوعيَّة تحملها دلالة الكلمة هنا عن «النصِّ الإلكتروني التفاعلي».  كما أن مفهوم (النصّ الإنترنتِّي Cyber text)، الذي كان أوَّلَ من استعمله الباحث النرويجي (آرسيت Espen J Aarseth)، لم يعد يدلّ على خصوصيَّة «النصِّ الإلِكتروني التفاعلي»؛ بما أن النصوص اليوم أضحت في معظمها إنترنتيَّة، بشكل أو بآخر.  يضاف إلى هذا أن ما يُنشَر من هذا النوع هو في الأصل إنتاجٌ ورقيّ، أو هو قابل بشكل أو بآخر لأن يكون إنتاجًا ورقيًّا، وله سوابق، قبل وجود الإنترنت، بطرائق مختلفة للكتابة والتوزيع والدمج والإرفاق النصوصي أو التشكيلي، مثلما في فنِّ (التشجير الشِّعري) الذي عُرف في التراث العَرَبي خلال القرن الحادي عشر الهجري، السابع عشر الميلادي، أو بالشِّعر الهندسي، المختلَف في تأريخ ظهوره [1].  ومن هنا فإنا أرى أن مصطلح «النص الرقمي»، أو «النص المترابط»، أو «النص المتشعِّب»، أو «النص الإنترنتِّي»، كلَّها مصطلحات إمَّا غير دقيقة الدلالة، أو قد عفا عليها الزمن، ولم تعد صالحة للاستعمال، إذا توخينا الدقَّة فيما نعنيه الآن.  على أني لا أرى أن صفة «الإلِكترونيَّة» تُغني بحال عن صفة «التفاعليَّة Interactive»، إذا أريد لتسمية هذا الشكل الكتابي أن تدلَّ على طبيعته.  وتبدو كلمة «تفاعليَّة» أنسب، وأشمل، وأعمق من غيرها في إشاريَّتها إلى علاقات النصِّ الداخلية وعلاقاته الخارجيَّة: بنائيَّة، وفي فضاء التلقِّي.  لهذا كلِّه، سبق أن اقترحتُ- منذ 2008، في بحث نشرته في («مجلَّة آداب المستنصريَّة»، العدد السابع والأربعين، كليَّة الآداب، الجامعة المستنصريَّة، بالعراق) – مصطلح: «النصِّ الإلِكترونيّ التفاعليّ» مصطلحًا عَرَبيًّا للإشارة إلى هذا النوع من النصوص. 

 

2- في الشِّعر:

كانت لي مقاربة في قصيدة إلِكترونية تفاعليَّة للشاعر العراقي (مشتاق عبّاس معن)، عنوانها «تباريح رقميَّة لسيرةٍ بعضها أزرق»، نُشِرت على موقع «النخلة والجيران» الإلِكتروني [2]، 2007. 

وتكمن الصعوبة في التعاطي نقديًّا مع القصيدة الإلِكترونيّة التفاعليّة في كيفيَّة وصفها، وتحليلها، ومن ثَمَّ إيصال القراءة النقديّة إلى المتلقي، بما أن هذه القصيدة معتمدة على التقنية. لأجل هذا فنحن بحاجة إلى (قراءة نقديّة إلِكترونيّة تفاعليّة)، تضاهي طبيعة القصيدة الإلِكترونيّة التفاعليّة، وإلَّا كانت القراءة تقليديّة لنصٍّ غير تقليديّ ولا مألوف، ولا مهيّأ لمعظم القرّاء، وسيتعذّر على القارئ متابعة ما نقدّم إليه، إلاّ في نطاق نخبويّ ضيّق. ذلك ما شعرتُ به في مواجهة أعمال الشاعر مشتاق عبّاس معن.

ولعلّ ما يجابهه المطّلع- ولا أقول القارئ؛ لأن العمليّة في تلقّي القصيدة الإلِكترونيّة التفاعليّة لم تَعُد قراءة نصٍّ فقط، بل هي تفاعل مع ضروب فنّيّة مختلفة، من: نصٍّ، وصورة، وموسيقى، فضلًا عن الإيقونات، والروابط التصفّحيّة، واللوحات الإلِكترونيّة- هو ذلك الشتات بين: (متن)، و(حاشية)، و(هامش)، و(تفرّعات أخرى)، و(أشرطةٍ تمرّ عجلى).  ومع أن القارئ يفتقد في تفاعله مع القصيدة الإلِكترونيّة التفاعليّة التجسّدَ الواحديَّ للنصّ، فإن ما يعايشه من شتات في تفرعات النصّ له جماليّاته وجذبه، كجمال شجرة غنّاء، ذات فروع، وأغصان، وزهور، وثمار، وأطيار.

وأحيل المهتم على تفاصيل تلك المقاربة المذكورة، ورقيًّا في المجلَّة المذكورة أعلاه، وإلِكترونيًّا في عدد من المواقع الإلكترونية، تحت عنوان «نحو نقدٍ إلِكتروني تفاعلي».

 

3- في الرواية:

من المعروف أن المؤلِّف الأميركي والناقد في الأدب الإلكتروني، (ميشيل جويس Michael Joyce) أصدر أول «رواية تفاعليَّة» في العالم، بعنوان «الظهيرة، قصة» Afternoon, a story، 1987، مستخدمًا برنامج المسرد Story space، وهو برنامج لكتابة هذا النوع من النصوص.  ثمَّ ظهرت برامج أخرى، كبرنامج اسمه: «الروائي الجديد»، وصولًا إلى التقنيات الراهنة على اختلافها.

وهناك تجربة عربيَّة للأردني (محمد سناجلة)، من خلال رواية بعنوان «ظلال الواحد»، 2001، و«شات»، 2005، ورواية أخرى بعنوان «صقيع». وكان قد أطلق موقع (اتحاد كتاب الإنترنت العَرَب)، رواية «شات»، وغيرها. [3]

ولا تختلف «الرواية التفاعلية» عن «القصيدة التفاعلية»، في أنها توظِّف خصائص البرمجيّات الإلكترونيّة لإنتاج نص سردي متفرع، يسمح بالربط بين النصوص، والأعمال الفنّيّة، عبر وصلات وإيقونات، ترتبط بنصوص، أو بصور ثابتة أو متحركة، أو بأصوات حية، أو بموسيقى، أو بأشكال جرافيَّة متحركة، أو بخرائط، أو برسوم توضيحية، إلى غير ذٰلك.  في غابةٍ متداخلة بين المتون والحواشي، وما يرتبط بالموضوع، أو يضيئه.

على أن جنس الرواية يحمل، بطبعه، طاقات أكثر مواتاة للتفاعل، وإثراء النص بعوالم حيَّة، ما كان للرواية الورقيَّة قِبَلٌ بها.  إنها تحوّل الرواية إلى فيلم سينمائي على نحوٍ جديد، يجعل المتلقي بطلًا من الأبطال، لا مجرد مشاهد.

 

4- آفاق النـقد الأدبي:

يُعَدُّ كتاب (سعيد يقطين)، تحت عنوان «من النص إلى النص المترابط، مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي» [4]، الكتاب العَرَبي الأوَّل، فيما نعلم، في هذا الموضوع.

والسؤال المتبادر إزاء هذا الحراك الأدبي والنقدي:

تُرى ماذا يمكن أن يضيف النص الإلِكتروني التفاعلي إلى المشهد الأدبي العَرَبي، حسب نموذجيه المشار إليهما؟

يبدو أن النص الإلِكتروني التفاعلي لا يشتغل على البنية الداخليَّة للنصوص، بمقدار اشتغاله على طريقة عرض النصوص.  ويمكن القول إذن: إنه وريث محاولات تفاعليّة شعريّة سابقة، لن أعرّج عليها في السياق الغربي، بل في تجارب بعض الشِّعراء العَرَب المحدثين، وذلك محاولة منهم لإحداث ضروبٍ من الحواريّات النصوصيّة.  وهناك غير اسمٍ شعريٍّ خاض مثل هذه التجربة عبر مجموعات شعريّة كاملة، يمكن أن يشار منها مثلا إلى: (الشاعر علي الدميني)- من السعوديّة- في مجموعته الشِّعريّة بعنوان «رياح المواقع»، (1987)، التي أبدى فيها جرأة لافتة في التجريب، والإفادة من الأجناس الأدبيّة والفنيّة الأخرى، منتقلاً من (الاستعارة-القصيدة) إلى ما أسميته في مقاربة سابقة بـ(الاستعارة-الديوان). [5]  وكذا فعلَ الشاعر (علاء عبد الهادي)، من مِصْر، في مجموعته الشِّعريّة «الرغام: أوراد عاهرةٍ تصطفيني»، (2000)، ومجموعته «شَجِن»، (2004)، ومجموعة «مهمل.. تَسْتَدِلُّونَ عَلَيْهِ بِظِلّ»، (2007). غير أن تلك التجارب إنّما كانت تحاول ما تحاول على الوَرَق، في حين تخطو التجارب الإلِكترونيّة التفاعليَّة إلى نوعٍ جديد، يتخاطب مع العين والأذن مباشرة، وعبر تقنية العصر الإلِكترونيّة. 

إنها محاولات تستهدف تقديم النصّ الشِّعريّ إلى جيلٍ ما عاد يتعامل مع الوَرَق، ناهيك عن أن يَفْرُغ لقراءة ديوانٍ شعريّ أو رواية. وفي هذا مسعًى لنَقْل النص الأدبي بطريقة مدهشة، وطريفة، تتواصل مع حساسيّة إنسانيّة راهنة في التعبير والتلقّي، مثَّلتْ منذ أكثر من عقدين من الزمن انقلابًا تاريخيًّا في التراسل المعلوماتيّ، صاحبَ الثورة الكُبرى في الاتصالات وتقنية المعلومات، ولاسيما بعد بروز الشبكة العنكبوتيّة «الإنترنت»، وسيلةً كونيّة أُولى في بثّ المعلومة، ضمن منظومة تؤذن بنهايات عصر المدوّنات الورقيّة، أو على الأقل بوضعها على الرفّ، مفسحةً الميدان واسعًا لنوافذ إبستمولوجيّة لا نهائيّة، بفضاء العالم أجمع. 

وبذا فإن النص الإلِكترونيّ التفاعليّ يتكئ بالضرورة على شعريّات معاصرة شتّى إلى جانب شعريّة الكلمة- وهي شعريّات ما تزال غُفلاً من التناول النقديّ- وتُطَوِّعها للتعامل مع قارئٍ مختلفٍ تمامًا، من جيل متصفّحات الحواسيب وشاشات الجوَّالات، لا جيل الصحائف والدواوين.

وعليه، فإن هذه التجارب- على قلتها- تمثّل رافدًا للحركة الأدبية، الآنيّة والمستقبلة، في عصرنا الإلِكتروني هذا، الذي يُشاع أنه لم يَعُد عصر أدب؛ لتأتي هذه النصوص فتنغرس في نسيجه العالمي؛ كي تُثبت هذه النصوص الأدبية أنها- وقد صحبتْ رحلة الإنسانيّة منذ الأزل- قادرة على مسايرة العصور، وصولاً إلى روح الإنسان أنّى كان.   

 

يبقى القول:

1- إن التقنية لا يمكن أن تكون مطيَّة لنصوص خداج. فلا يُغني عن القصيدة ولا عن الرواية كونُهما إلكترونيتين تفاعليتين شيئًا في عالم الأدب، ما لم تكونا أوَّلًا على درجةٍ جيِّدةٍ، من حيث جنسهما الأدبي. لتضيف التقنية التفاعلية على جماليَّاتهما جماليَّاتٍ جديدة.

2- إن النصّ التفاعلي قد يغدو منزلَقًا إلى شتات النص وتلاشيه بين يدي متلقِّيه، ضائعًا بين النوافذ والإيقونات.  قد يحدث ذلك كثيرًا، ما لم يأخذ المبدع بقدر ما يناسب عمله من تلك الوسائل التعبيريَّة دون إسراف.  وإلَّا آل الأمر إلى ضربٍ من العبث الشكلاني، الذي عرفه الأدب العَرَبي قديمًا، مثلًا، خلال عصور الانحطاط الأدبي، من تحميل النصوص بأغلال المحسِّنات، أو تحويل العمل الأدبي إلى ميدان لهوٍ وتلاعبٍ بالكلمات والأشكال والزخارف، على حساب المعنى، والرسالة، والقيمة الأدبيّة.

3- إن مستقبل الأدب الإلكتروني التفاعلي العَرَبي ما يزال مرهونًا بحالة التقانة العَرَبية المتواضعة، والقلقة، والمهدَّدة، لسببٍ أو لآخر.  وما لم تتأسّس أنظمة شبكية مأمونة، ولها صفة الثبات والاستمرار في عالمنا العَرَبي، فسيظلّ النشاط في هذا الميدان، إبداعًا ونقدًا، في إطار التنظير، واستشراف المستقبل المنشود، وغير المتحقِّق، هاهنا والآن.  ذٰلك أن وجودَ نصٍّ أدبيٍّ تفاعليٍّ خارج شبكة الإنترنت، أو باشتراطات تقنية خاصّة غير متوافرة لغالبية المتلقّين، لا معنى له (تفاعليًّا).  من حيث إن التفاعل هنا ليس بتفاعل عناصر النص بعضها مع بعض فحسب، ولكن أيضًا تفاعل المتلقِّي مع النصِّ، بالتعليق، أو الإضافة، أو النقد.  ثمَّ إن من ضمن القنوات التفاعليّة لتلك النصوص ارتباطها بخلايا الشبكة العنكبوتية نفسِها، وبمفاتيحها المعلوماتية، وإلّا بات النص- الذي يسمَّى تفعاليًّا- مغلَقًا على نفسه، وغير تفاعلي أصلًا، بما تعنيه هذه الكلمة من دلالة في هذا العصر.

 

 

*العضو السابق بمجلس الشورى، الأستاذ بجامعة الملك سعود- الرياض.

[1]  انظر: أمين، بكري شيخ، (1979)، مطالعات في الشِّعر المملوكي والعثماني، (بيروت: دار الآفاق الجديدة)، 181، 209.   

[2]  http://www.alnakhlahwaaljeeran.com/111111-moshtak.htm

[3] هذه الأعمال لم أستطع كذلك التوصل إليها بالبحث على الشبكة.  وكنت قد اطَّلعتُ عليها منذ حين.  وهي على كل حال تتطلَّب لقراءتها وجود برنامج (الفلاش ميكروميديا).

[4]  (الدار البيضاء: المركز الثقافي العَرَبي، 2005).   

[5] انظر: الفَيفي، عبد الله بن أحمد، (2005)، حداثة النصِّ في المملكة العَرَبيَّة السُّعوديَّة: (قراءة نقديَّة في تحوُّلات المشهد الإبداعيّ)، (الرِّياض: النادي الأدبي)، 97. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *