(عليكم أن تقولوا!) مقاربة نسق النص التفاعلي الرقمي

بقلم/ أ.د. مشتاق عباس معن

يستحضر العنوان في ذاكرتنا الجمعية، مضمون الحوارية التي حدثت بين الشاعر العربي القديم الفرزدق والنحوي المتقدّم عبد الله الحضرمي، حينما تساءل الثاني عن سبب حركة الرفع في آخر بيت من قصيدةٍ للأول، فأجابه الفرزدق بعد عبارة حادّة: علينا أن نقول وعليكم أن تتأولوا!! … هذه الإجابة التي لا تحتاج إلى كبير جهد لتبيّن بشكل واضح فاضح: أن خطاب الفرزدق الدالّ على مركزية البثّ في النص الورقيّ أمر ليس غريبًا؛ بدلالة استجابة المعترِض وقبوله بالحدّة اللفظية… هذا الأمر الذي يكشف لنا بجلاء إحدى مبادئ قانون البثّ في النصّ الورقيّ[1] الذي يقف جنبًا إلى جنب مع مبدأ آخر لا يقلّ أهمية عن الأول، وهو مبدأ الثبات، فما نتج عن الشاعر العربي الأول ما زال على بثّه الأول؛ لأنّ الذهنية العربية ولاسيما المشتغلة بالإبداع ونقده، تكفل فردانية الحقّ في التعديل أو التغيير أو الاضافة للباثّ الأول، وهذان المبدآن ليسا الوحيدين في قانون البثّ الورقي، بل هناك مبادئ أخرى لكننا أعرضنا عن ذكرها ضمانًا للاختصار بحكم مساحة النشر المحددة، ولكن بوجازة نقول: إنّ هذين المبدأين قد قوضهما قانون البثّ التفاعليّ الرقميّ؛ لأنّ أنساق البثّ فيه مختلفة، بحكم اختلاف الوسيط، وطرائق الصياغة، ومكونات البناء، ولنا أن نوضّح ذلك عبر خمسة أنساق رئيسة تتحكّم بقانون البثّ التفاعليّ الرقميّ، وهي على النحو الآتي بيانه:

 

* نسق البثّ: إذ يتحكّم ببثّ النص الورقي مبدع واحد، ممّا يؤكّد فردية الإبداع، فشعر المتنبي مثلًا يصدر عن المتنبي فحسب، وحتى راويته ابن جني ليس له الحق في تعديل أي شيء، بل عليه أن ينقله كما هو بلا زيادة أو نقصان، ونص المتنبي باقٍ على وضعه كما أنتجه إلى يومنا الحاضر، أما نسق البثّ التفاعليّ الرقميّ فلا يقوم على فردية الإبداع بل يقوم أساسًا على جماعيته؛ وليس المقصود من ذلك الكتابة الجماعية القاضية باجتماع أكثر من مبدع على انتاج نصّ واحد، بل الأمر يتعلق بنسق اتجاه البثّ، وطبيعة الاستقبال، وهما ما سنتحدث عنهما في الفقرتين الآتيتين.

 

* نسق طبيعة الاستقبال: في قانون البثّ الورقي كانت ثلاثية ياكوبسن هي المهيمنة في التواصل الابداعيّ، بحيث هناك منتج محدّد، ينتج نصًّا محدّدًا، يستقبله متلقٍ محدّد، ويكون المستقبِل حياديًا؛ بحيث عليه أن يتلقّى النصّ على ما هو عليه، وإذا أراد التدّخل في النص، فما له سوى التأويل، وهو ما جاء بمضمون الفرزدق حينما أخبر الحضرمي بصراحة (وعليكم أن تتأولوا)، وهو ما يعرف في أدبيات النقد المعاصر بـ (المشاركة المجازية)، أما قانون البثّ التفاعلي الرقمي فيسمح للمتلقي أن يتجاوز المشاركة المجازية إلى ما هو أعمق، وأعني بذلك (المشاركة الحقيقية)؛ ليكون المتلقي قادرًا على إعادة تخليق النصّ، فيكون مبدعًا جديدًا للنصّ بذلك، هذه الممارسة التي أباحت للقائمين على التفاعلية بتغيير مصطلح المتلقي إلى (مشارك)؛ لأنه لم يعد حياديًا في استقباله للنصّ.

 

*نسق اتجاه البثّ: إن طبيعة النصّ الورقي وما يحيط بها من أطر التفكير الأدبيّ جعلت من اتجاه النص محدّدًا باتجاه واحد، كما قلنا في النسق السابق، أما طبيعة النصّ التفاعليّ الرقميّ فهي تسمح بأن يكون الاتجاه متعدّدًا؛ بحيث ينتج المبدع نصّه ليشاركه المشارِك – المعروف بالمتلقي بأدبيات الإنتاج الورقيّ -؛ فيتحول المتلقي إلى منتج حينها والمبدع الأول إلى متلقٍ، ويمكن لهذه الحركة أن تتكرر؛ بحسب الإمكانات التي وفّرها المنتج الأول في نصّه، وإمكانية المشاركين كذلك.

 

*نسق عناصر البثّ: إنّ طبيعة النص الورقيّ الثابتة، ولّدتها جملة أمور، منها: طبيعة الوسيط (الورق) الذي لا يتمتع بمرونة، ويتصف بالحيادية، وكذلك عنصر بناء النصّ فسيده الحرف الذي لا يقلّ صلابة وحيادية عن وسيطه، لذا كان النص الورقيّ أحاديّ العنصر في البناء، أما طبيعة الوسيط الرقميّ فهو ذو مرونة عالية، وقابلية على المشاركة؛ بحكم إمكاناته التي جعلت من عنصر الحرف ليس سيدًا عليه، بل فكانت: العنصر الحرفي، العنصر البصري، العنصر السمعي، العنصر التقني، العنصر الحركيّ.

 

*نسق لغة البثّ: إنّ عنصر بناء النص الورقيّ الوحيد – أعني الحرف -، جعل من لغة نصّه مبنية من (الجملة الحرفية) التي لا يمكن لها أن تحقّق سعة الخيال الكامل، حتى مع نداء النقاد بضرورة (تثوير الطاقات التعبيرية للحرف)؛ لأنّ الخيال السمعيّ الذي نادى به (تي. أس. إليوت – مثلًا –) يكون أكثر فاعلية لو صدر عن محفزاته الطبيعية؛ أي الموسيقى، منه لو صدر عن إيقاعية الحرف على سبيل المثال، والأمر يجري على الخيال البصري كذلك، وهذي الأمور لا يتمكّنها الحرف حتى مع محاولات المبدعين؛ لتعويض ذلك بإجراءات خارج نصيّة كاستضافة عازف موسيقي ومرافقة مؤثرات بصرية مع الإلقاء في الأمسيات؛ لكن هذا الإجراء لا يعدو أن يكون مؤثرات خارجية؛ لاستحالة نقلها مع النصّ الورقيّ بعد انتهاء الأمسية، أما النص التفاعليّ الرقميّ فأتاح للمبدعين تحويل تلك المؤثرات إلى عناصر بناء داخلية ترافق النص أينما حلّ، فبات الحديث، والأمر كذلك، عن ( الجملة التفاعلية ) التي تتكوّن من: الجملة الحرفية، الجملة السمعية، الجملة البصرية، الجملة التقنية، الجملة الحركية.

 

وبعد ما مرّ كلّه، يتضح لنا أن المبادئ التي تحكم قانونَيْ البثّ الورقي، والتفاعلي الرقمي مختلفة، ليس لأسباب ذاتية، وإنما لأسباب موضوعية اقتضتها فلسفة الانتاج الأدبي للمنهجين اللذين يتجاوران بحكم تجاور أذواق المنتجين والمتلقين، وعليه إذا أردنا أن نجيب على سؤال المرحلة بحكم هذا التجاور، فعلينا أن نغادر نسق البثّ الفردي الثابت، إلى نسق الجماعي السيّال؛ لنكون والجين المرحلة كما تتطلبها ذهنيتها الحاكمة لها.

 

 

*بروفيسور أدب، في جامعة بغداد، له اهتمامات بالأدب الرقمي. 

[1] لا يقصد من هذا التوصيف التقليل من قيمة النص الورقي؛ إنما القصد منه التفريق بين النص المكتوب على الوسيط الورقي الذي بات يعرف بـ (النص الورقي)، والنص المكتوب على الوسيط الإلكتروني الذي بات يعرف بـ (النص الرقمي).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *