الغزل في شعر المتنبي

 

بقلم/ صلاح عبد الستار محمد الشهاوي*

كان ومازال الرجل بحكم الفطرة التي فطر الله الناس عليها شديد الحرص على الظفر بتكريم المرآة له واحترامها إياه؛ لذلك يبذل من ذات يده بل من نفسه ما يقربه إليها ويظفره بتقديرها له وإعجابها به أدبيا وفكريا وماديا، ومن هنا كانت الندوات والمنتديات والأسواق الأدبية تجتمع حول المرأة وللمرأة وبالمرأة، وكان للمرأة دور بارز في هذه المنتديات، وكانت زعيمة المنتدى عندهم من أرقى طبقات المجتمع، تتصدر المنتدى ويسعى إليها الشعراء والأدباء ورجال الفكر والعلم من كل لون وفن، وكان العفاف والاستقامة ومتانة الخلق والتصون يحمل الناس على إكبار هؤلاء النسوة وتقديرهن. هكذا كان حال الأدباء والشعراء مع المرأة.

 

المتنبي والغزل.

بداية القول، لماذا المتنبي؟!

 

المتنبي (أحمد بن حسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي – (303- 354هـ /915-965 م) الشاعر الأشهر الذي تجسدت في شخصيته صفات العرب، وفي شعره تجسدت مزايا الشعر الأصيل، فبالإضافة إلى أنه الشاعر الحكيم، وأحد مفاخر الأدب العربي؛ نجد له الأمثال السائرة والحكم البالغة والمعاني المبتكرة، كما أنه شاعر العربية الأكبر، في أصالته واعتزازه بحضارته، في حبه للطموح وغنائه للفروسية والشجاعة، في حثه على مقاومة الظلم ورفع يد الطغيان، في مدائحه وهجائياته، في فخره واعتداده.

وإذا كان غريباً أن يحرم البعض الحب على المتنبي ويباعد بينه وبين المرأة على أساس أن المتنبي رجل جد وصرامة، لا يتهالك على اللذة، ولا يستجيب لدواعي العبث واللهو، وأن الحب نوع من المجانة، لا تجذب جواذبه القلوب القوية الشكائم، ولا ينفذ سحره إلى النفوس المفتونة بالمجد والعلا. وإذا كنا قد تحدثنا أن المتنبي تجسدت في شخصيته صفات العرب، فنرى أن ندرأ هذه الشبهة ليس عن شخص المتنبي فقط، ولكن عن كل شاعر ذا حس وإحساس بالجمال وبالمرأة وبالحب.

والسؤال: كيف هذا الذي يدعونه وفي ديوان المتنبي من الغزل بالمرأة سبعمائة بيت؟!، تناول فيها الآثار الداثرة، وشكا الصبابة والوجدان، وتحدثّ الصبابة والوجدان، وتحدثّ عن الأرق والدموع والذبول والنحول، وقسوة الحبيبة وظلمها، وحنينه إليها، وصوّر خضوعه لسلطان الوجد، ورسم بريشته البارعة أدقّ الانفعالات النفسية التي يعانيها العشاق.

وكان يؤخذ على المتنبي نسيبه الذي كان يبدأ به قصائده، والحقيقة أن النسيب الذي كان يبدأ به قصائده يتجاوز كونه وسيلة؛ ذلك أن الشاعر صاحب الفن يعمد إليه مستجيباً لإحساس إنساني ينصرف إليه طبعه، فيكون من أدب إنساني. فنحن قد تأخذنا هزة من طرب ونحن نسمع من يتلو قول المتنبي:

   لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي       وللحب ما لم يتبق مني وما بقي

  وما أنا ممن يملك العشقُ لُبـه       ولكن من يبصر جفونك يعـشق.

والقصيدة في مدح سيف الدولة.

ونطرب أيضاً لقول المتنبي في أول قصيدة في المديح:

   نرى عِظَما بالبين والصدّ أعظم       ونـتهم الـواشـين والـدمعُ منهمُ

    ومن لـبّـــه مع غيره كيف حالـه       ومن سره في جفنه كيف يكتمُ

     ولمـا الـتـقينا والهــوى ورقـيـبُنا       غفولان عنا ظللتُ أبكي وتبسمُ

     فـلم أر َبِدراً ضاحـكاً مثل وجهها       ولم تَـرَ قبلي مـيـتــــــاً يـتـكـلمُ.

لم يخصّص المتنبي قصيدةً مستقلةً للغزل، ولكنه خلّف لنا ثروة كبيرة منه في مقدمات قصائد المديح، وإن خلا ديوان الشاعر تماماً من ذكر أسماء النساء، إلاَّ اسم (جُمل) في قوله:

       إذا عــذلـوا فيها أجـبت بأنه       حُبَيِّبتي قـلبي فــؤادي هيا جُملُ.

وهو اسم فني لا يختلف عن اسم ليلى وسعاد ولبنى وغيرهن من النساء.

وقد أكد عدد كبير من القدماء أن المتنبي كان يجيد فن الغزل، ووقف القاضي الجرجاني عند أبيات استطاع فيها الشاعر أن يجيد وصف جمال المرأة، مثل قوله:

 لـبسن الوشـي لا متجملات        ولكن كي يصنّ به الجمالا

   بدت قمراً ومالت خوط بان        وفاحت عنبراً ورنت غزالا

وقوله أيضًا:

        الحـب ما مـنـع الكــلام َ الألـسـنـا       وألـــذُّ شـكـوى عـاشـــق ما أعـلـنـا

          ليت الحبيبَ الهاجري هجرَ الكرى       من غير جرم واصلي صلة الضَّنى

         وتـوقّـدت أنـفــــاســــنـا حـتى لـقـد       أشـفـقـتُ تحـتـرقُ الـعـواذلُ بيـنـنا.

وقوله:

     يرد يـــداً عـن ثوبها وهـو قـادر       ويـعـصى الهوى في طيفها وهو راقـد

وقوله:

      إن كـنت ظــاعـنة فـإن مـدامـعـي       تـكـفي مـزادكـم وتـروي الـعـيـسا

وقوله:

   لا الـسـيـف يفعل بِي ما أَنتِ فَاعلةٌ       ولا لِـقَـاءُ عـــدوي مِـثـل لـقـيـاكِ

   لـو بـات سـهـم مـن الأَعـداء في كبِدي       مـا نـال مـني مـا نَـالـتـه عـيـنـاَكِ

وقوله:

أبلى الهوى أسفاً يوم النوى بدني      وفرق الهجرُ بين الجفن والوسن

روح تـردد في مـثـل الـخـلال إذا       أطارت الريحُ عنه الثوب لم يَبنِ

 

وعلى الرغم من أن المتنبي لم يرتبط بامرأة بعينها، إلا أن بعض النقاد ربط بينه وبين عدد من النساء، فقد ربط محمود شاكر بينه وبين خولة أخت سيف الدولة الكبرى، ويستدلّ على ذلك بحرارة الرثاء التي رثاها بها. ولكن الدكتور طه حسين نفى نفيا قاطعاً أن تكون قصيدة الرثاء تلك دليلاً على علاقة أو شبه علاقة بين المتنبي وخولة، وكذلك ربط الأستاذ على الجارم بين المتنبي وخولة، وبين المتنبي وعائشة بنت رشدين في مصر، وأكد أن خولة كانت سبباً في بقاء المتنبي عند سيف الدولة، في الوقت الذي كانت فيه عائشة سبب بقائه عند كافور، في حين يقطع البعض الصلة بين المتنبي والمرأة مستدلاً بأبياته المشهورة:

    إذا غـدرت حسناء وفّت بعهدها       فـمـن عـهـدها ألا يـدوم لها عـهـد

      وإن عـشقت كـانت أشــد صبابة       وإن فركت فاذهب فما فركها قصد

       وإن حقدت لم يبق في قلبها رضا       وإن رضيت لم يبق في قلبها حقد.

ويرون أن تلك الأبيات تحمل احتقارا عظيماً للمرأة، ومن ثمَّ فالمتنبي مبتعد عنها، زاهد فيها. والأبيات التي احتجوا بها للتدليل على بُعد المتنبي عن المرأة هي نفسها هي التي احتج بها آخرون، كدليل أكيد على عشقه، ومعرفته أحوال النساء، ومعاناته من تقلبات الهوى، حلوه ومره.

 

وختاماً:

هذه الأبيات الغزلية الرائعة للمتنبي المتغزل المتيم:

      كـلما عــاد مـن بـعـثـت إلـيـها       غار مني وخان فيما يقول

     وإذا خـامـر الهـوى قلـب صب       فـعـلـيه لكـل عـيـن دلـيـل

      زودينا من حسن وجهك ما دام       فحسن الوجوه حال تحول

    وصـلـينا نصلك في هذه الدنيـا       فـإن الـمـقـام فـيـها قـلـيـل

       وإذا صــح فالزمان صـحـيـح       وإذا اعـتـل بالـزمان عـلـيـل

*عضو اتحاد كتاب مصر.

One thought on “الغزل في شعر المتنبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *