الكتابة بين ارتفاع الإنتاج وانخفاض النتائج

                    

إعداد: ابتهال العتيبي*

متابعة وتدقيق / حصة البوحيمد 

عندما تجتمع الحروف على رأس قلم، وتنسكب على الورق تبحث عمن يحييها بقراءتها. أكثر ما يؤلم الكاتب موت كلماته، وتجاهل الجهات المعنية أو استغلال حاجة الكاتب للانتشار عن طريق فرض قيود وشروط تحد من إبداعه. تساؤلات تبحث عن حلول وكُتاب لهم رؤى.

مجلة فرقد ناقشت القضية من كل جوانبها واتجاهاتها واضعة عدة تساؤلات بين يدي الكتاب تتمحور حول أسئلةٍ تتعلق ..لماذا يرى بعض الكتاب اليوم أن الكتابة لم تعد تجدي، فلا عوائد مالية من ورائها، ولا قارئ يتفاعل مع ما يُكتب، ولا جهات رسمية أو خاصة تستمع إلى ما ينشره الكتاب إلا إذا كان مدحاً فإلى أي مدى تتفق أو تختلف مع العبارة السابقة؟ وما هي التحديات التي تقف في وجه الكتاب اليوم؟ ومن واقع تجربتك الكتابية، هل وجدت أثرا ملموسا لما تكتبه سواء في أفراد أم مؤسسات؟

بداية يؤكد الكاتب الدكتور شاهر النهاري بقوله:

    صنعة غير مجدية

 هذا الكلام تعبنا من ترديده من غير جدوى مادياً لا يمكن مقارنة الكاتب أو المفكر أو الأديب بطبال في فرقة موسيقية نشاز، أو بمشجع ملون الوجه والثياب في رابطة إحدى فرق كرة القدم من الدرجة الثانية! الكاتب أولا وأخيرا يحتاج لسقوف الحرية الفكرية المرتفعة، والتي يندر وجودها عربياً، بل إن الكذب والتطبيل هو الطريقة الوحيدة والمثلى ليستمر الكاتب ويكون.

صدقوني، الكتابة سلعة الأشقياء، من يدفعون ثمنها من جيوبهم، ويكتفون ببعض الوهج والحضور الاجتماعي المزيف. وبالله عليكم، كيف يمكن أن يسعد كاتبٌ له رأيٌّ حقيقي متميز وهو مهمش بين آلاف الأقلام المبرية ببرايات الزيف، والمتسابقة للظهور بالحضور، والواسطة، والتسلق.

الكل يكتب، ويطرح، وكل من له حرف قبل اسمه يصبح كاتباً بالمشعاب، بحيث لم يعد ممكنا التفريق بيت الغث والسمين، ضمن السائد والمتعارف عليه في الوسط الثقافي من مقالات الوجاهة، والتعتيم، والغث والقص واللصق وتمرير مقولات الفلاسفة، والتنظير بالبديهي، والتهالك بالأخطاء الإملائية أو التماهي وتشابه الأفكار لدرجة الجنون. الجو الثقافي مريض، والمثقف الحقيقي إنسان مكتئب منعزل، باعتبار أنه مخير بين أن يكتب كيفما اتفق ودون روح أو مصداقية، أو أن يملك لحظة شجاعة، ولو متأخرة، ويكسر أقلامه، وينتحر بمقال أخير من فوق كومة صحف ضخمة شاهقة، تحتوي على ترهاته، وترهات غيره من المكتئبين. والمشكلة العظمى عدم وجود رقم طوارئ لوزارة الثقافة، يمكن الاتصال عليه في اللحظات الأخيرة، لإجراء قبلة الحياة.

أما الدكتورة هياء السمهري لها وجهة نظر مختلفة:

       الكتاب صلة وتواصل

لا أتفق مع نأي الكتاب عن الكتابة لتلك الأسباب فمازالت الكتابة صلة وتواصل بين الفكر الإنساني العميق والإنسان على هذه الأرض، فالتحديات كبيرة فيما يخص النشر والطباعة والاحتفاء بالكتاب في كل المواسم وعدم التفات وزارة الثقافة لموضوع الاحتراف الكتابي عند عمالقة الكتابة ويمكن تصنيف الكتاب بشكل دوري. والحمد الله ما أكتبه تتلقاه الجهات المعنية وكثير من طروحاتي كانت على طاولات النقاش.

أما الكاتب سمير عالم يرى:

التهميش أمر تاريخي

موضوع التجاهل الذي يشتكي منه الكتاب ليس مقتصرًا على العصر الحالي، فطالما عانى أصحاب الفكر والفلسفة من التهميش على مر التاريخ. في العصور السابقة كانت الأمية هي السمة الغالبة علىالمجتمعات وكان من الطبيعي لا تجد الكتب من يقرؤها، وفي بدايات وأواسط القرن الماضي حدث نشاط في الحركة الثقافية وذلك بسبب انتشار العلم والتعليم النظامي الذي نعرفه بشكله المعاصر، وفي الوقت الحالي عاد الوضع لما كان عليه في السابق مع اختلاف الأسباب والتي أعيدها لاهتمامات الجيل الحالي فباتت أكثر سطحية. دائما ما كانت الثقافة والمعرفة ممارسة نخبوية مقتصرة على فئة معينة في المجتمع وهي لازالت كذلك.ومن وجهة نظري أرى أن الكتابة والتأليف ليست وسيلة مناسبة للكسب ليشتكي الكتاب من سوء المردود والعائد إنما هي شغف يمارسه البعض ورغبة لنشر الفكر والوعي وهدف سامي في توجهاته ولا ينبغي أن يتم الحط من قدرها والنظر إليها بطريقة مادية بحتة، ومن ينظر لها من هذا المنظور ويهدف من خلالها لتحقيق أرباح أنصحه باتخاذ مسلكٍ آخر، وشخصياً أمتلك عدد من القرَّاء المخلصين بغض النظر عن العدد فكوني قادر على تحقيق ذاك التأثير في الآخرين وإن كان على نطاق ضيق فذلك إنجاز كافٍ يمنحني شعور بالرضا عن الذات.

لتأخذنا الكاتبة رنا المداح لزاويا مغايرة:

   التسويق لتحقيق التأثير 

لا أتفق مع هذه العبارة، لأنها لو كانت صحيحة لما وجدنا آلاف العناوين تطرح والإقبال بشغف للمعارض، أما موضوع العائد المالي، أيعقل لكاتب ينتج كتاباً دون أن يساعد الدار في التسويق لنفسه بتواجده وحضوره في المحافل الأدبية أن يحقق مبيعات؟ بالطبع لا.. ومن التحديات التي تقف في وجه الكاتب قلة منافذ التوزيع والخبرة في التسويق للذات، بالرغم من وجود السوشال ميديا التي فتحت مجالاً للانتشار بشكل كبير، ومن واقع تجربتي الكتابية، بالطبع وجدت هذا الأثر، لكن بعد جهد جهيد، وبعد أن تعدّدت إصداراتي وليس من أول إصدار حققت هذا الأثر.

لتحكي لنا الكاتبة إبتكاريا من واقع تجربتها:

          زخم الانتشار

عالمنا زاخر بكتّاب متميزين ومبدعين ذوي ثقافة شاسعة وكلمة مؤثرة وفكر نيّر

ولكن نجد عقبات تبني كتاباتهم وكتبهم لذلك يقوم الكاتب بالاستثمار في كتابه من جيبه الخاص، فتمسي العملية ليست ذات عائد مالي بل مكلفة مادياً في ظل ارتفاع قيمة الطباعة والنشر والتوزيع لهذا الكتاب. أكبر عائق هي دور النشر فمازال القارئ يقرأ ويبحث عن الجيد من الكتب ولكن قد يتأثر بزخم الانتشار بما هو ليس جيداً من تلك الكتب. بعد إصداري الأول *همهمات امرأة* كانت ردود فعل القرّاء جداً إيجابية ولله الحمد والمنه فهذا الشيء أثر في إنتاجي الآخر *لـثـم* وكان مشجعاً رغم الكثير من الإحباطات والعوائق ولكن الأثر الجميل يكسبنا حماس منقطع النظير في الاستمرارية.

من منظور مختلف يشاركنا الكاتب خالد الوحيمد:

       إشكالية عميقة 

هي إشكالية عميقة ولها ارتباطات عديدة ولعل أبرزها تشابه أفكار الكُتاب بما يطرحونه من قضايا. والقارئ بطبعه يبحث عن أشياء جديدة لا يتوق للتكرار أو الأمور القديمة التي عفا عنها الزمن.

هذه من ناحية، ومن ناحية أخرى؛ أجد أن معظم الكُتاب بحاجة لدعم معنوي ومادي من قبل المؤسسات المعنية بالثقافة والأدب، فلو وجد الكُتاب حاجتهم للمسنا منهم الأثر الإيجابي ولقرأنا الإبداع الحقيقي الذي نستشف منه الجديد.

من أبرز التحديات التي واجهها الكتاب وجود مواقع التواصل الاجتماعي حيث برز من هذه المواقع كُتاباً وليسوا بكتاب، وإنما يفهمهم من لا يقرأ أمهات الكتب أو لنقل الكتب الفكرية ذات الفلسفة العميقة، وهذه هي النتيجة سطوح في الثقافة العربية.

في واقع الحال أنا وكثير من زملائي لم نجد المردود المادي ولا حتى المعنوي، وإن وجدنا المعنوي؛ فهو من مؤسسات أدبية تفتقر للنشاط الدعائي ومغمورة داخل أسوارها فلا يعرفها إلا أقل القليل. ربما الموضوع له أبعاد زمنية منها أن صاحب الحرف الأدبي يعيش في برجه العاجي ولا يتنازل عن هذا العلو ليقف مع القارئ المبتدئ مما ركن هذا الأخير إلى محدودية قراءته أو تركه للقراءة، إضافة لكرهه للمثقفين والأدباء.

أما من ناحية نصوص المدح فهي وسيلة أخيرة من الكاتب لعل يجد ضالته التي يناشدها ولم يصل إليها بالطرق المعروفة، فهو غبر مُلام طالما لا توجد مؤسسات تنتشل الكاتب المغمور ولا قارئ حقيقي يقرأ بعمق ومؤسف أن العدد أقل من القليل.

أما الكاتب سعد الغريبي يشاركنا خبرته:

  تحديد الهدف واستقطاب الجمهور

أتفق إلى حد ما. فالعائد المالي لم يعد متاحاً اليوم ودخل الصحف والمجلات لم يعد يسمح بتوزيع المكافآت على الكتاب. فمصدر دخل الصحيفة والمجلة هو المبيعات والإعلانات، واليوم أصبح لكل الصحف والمجلات مواقع إلكترونية فلم يعد القارئ بحاجة لشراء المطبوعة. والإعلانات مرتبطة بمبيعات الوسيلة الإعلامية، فإذا قلَّ عدد النسخ المبيعة ابتعد التاجر عن الإعلان، ناهيك عن أن الإعلان أصبح متاحاً في أكثر من وسيلة إلكترونية. أما مقولة إن القارئ لا يتفاعل فليس صحيحاً فكثير من المقالات ينشرها القرَّاء ويروجون لها ويعيدون ضخها عبر تويتر والفيسبوك ومجموعات الواتس أب إعجابا بها أو تذمراً منها، ويشارك أعداد كبيرة في نقاش الموضوع وإبداء وجهات النظر المختلفة.

أما الإدارات الحكومية والمؤسسات الخاصة ففي كل دائرة قسم أو إدارة عامة للإعلام والنشر تتابع ما ينشر وترفعه للإدارة العليا وللمختصين، ولا أظن هذه الإدارات إلا ازدادت مهماتها مع انتشار الصحافة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي. صحيح أنها قد لا ترد على الكاتب نفسه لكن لا شك أن الرسالة تصل.

على كل كاتب أن يسأل نفسه: لماذا يكتب؟ فإن كان من أجل المال فليتوقف. وإن كان من أجل إيصال رسائله التي يحملها فلا ينتظر عائداً. عليه تحديد هدفه من الكتابة واستقطاب جمهوره بنفسه بمعالجة الموضوعات التي تهم قارئه المستهدف.

أما عني شخصياً فنادراً ما استدعيت لمناقشة ما كتبت من دوائر حكومية وأهلية، لكن مع الأفراد كثيرا ما يراسلني أحدهم أو يحاورني فضلاً عن التعليقات المعتادة والتفاعل في وسائل التواصل. ليس مهما أن يحاورك مسؤول فيما كتبت إذا وجدت أن ما طالبت بإصلاحه قد تم ولو بعد حين.  

ويقول الكاتب والشاعر علي الشهري:

عاجزون عن الكتابة

مما لا شك فيه أن لكل إنسان على وجه هذه البسيطة همه الذي يشغله ويشغل تفكيره، ومنذ أن خلق الله سبحانه وتعالى القلم فقد خلقه سبحانه لكل ابن آدم وليس لأحد أن يحتكره مهما كان هذا الأحد، وبالتالي فالكتابة حق مشروع غير أن هناك من يحاول أن يفرض قوانينه الخاصة وسطوته على القلم أو على صاحب هذا القلم، وهذا بحد ذاته يعتبر تجاوزاً على حقوق الغير ويجب أن يعي كل ذي عقل أنه لا وصاية لأحد على أحد طالما حفظت الآداب وأقيمت الحدود عند الكاتب، وبالعودة إلى محاور التحقيق أقول: ليس شرطا أن يكتب الكاتب ليستفيد ماديا، فلم يكن العلم ونقل العلم للآخرين يوماً يقاس ويسعَّر كما تسعَّر الطماطم وقطعة الأرض، ومن يظن أنه لابد ويكون لكل فكرة سعر فهو واهم ويفتقد للرؤية الواسعة، ولا يعني أن عشرة أشخاص أو مئة أو ألفا تقاضوا أجرا عما يكتبون أنه لابد ويصبح هذا تعميما ومسلمة من المسلمات التي لا يجب الكفر بها، فالرزق يأتي على كل صورة وهيئة، فهناك من يأتيه رزقه بلسانه سواء كان شاعرا فصيحا متكلما ومفوه أو حتى متذوقا للأطعمة في أحد المطاعم المشهورة.

وبالنسبة لتفاعل القارئ من عدمه فمن ينتظر شيئا فسيطول انتظاره له، والحرص على تجويد العمل والفكرة المناسبة أجدى من انتظار نتائجها.

أما بالنسبة للتحديات فأعتقد أنه لابد ونفرق بين كاتب وكاتب قبل أن نخوض في التحديات، فهناك كاتب لابد ويكون مختصا بالنخبة والنخبة فقط، وهناك كاتب لابد وينزل لمستوى الشارع، يتحدث بلسان الشارع وهموم الشارع ويأخذ من الشارع ويعطي للشارع، وهناك في كتابنا أسماء كثر كانوا وما زالوا بهذه الكيفية من كلا النوعين وكلنا نعرفهم.

وقبل أن نبحث عن الأثر الملموس يجب أن نسأل: هل هناك من يقرأ؟!، العقول أصناف والأمزجة تختلف، والأقلام تنثر حبرها بكل لون ولم يتبقى إلا أن ننهل مما نريد، فقد أصبح الفضاء اليوم متخما بالكتابات والأفكار والرؤى والأطروحات، كل الفنون والآداب والمعارف متاحة بضغطة زر، ولكن يظل السؤال الملح قائماً، هل أنت شغوف أم لا؟!

ختاما أحب أن أشير إلى عبارة قالها الشاعر الكبير نزار قباني في كتابه المسمى”الكتابة عمل انقلابي” حيث قال: إنهم يريدون أن يفتحوا العالم وهم عاجزون عن فتح كتاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *