توظيف العلامة التراثية في قصيدة “أحلام تائهة”(2 من 2)

بقلم/ د. مصطفى الضبع*

في الجملة الشعرية الكبرى (الجملة الثانية من القصيدة) يتصدر ضمير المتكلم، ليتنقل النظام السردي إلى جهاز مغاير، يدير السرد ويؤكد على زمنية الحدث بانتقاله من الماضي إلى الحاضر، حارقا مسافات بين المشهدين: مشهد الاستهلال الماضي ومشهد الحاضر المقصود لتأويله عبر الجملة السرد شعرية.

عبر تقنية البث المباشر يطرح السارد سؤاله: ” أُسَاوِرُ الشَّكَّ أَم لِلشَّكِّ فِي كُتُبِي مَا يُشْبِهُ القَيْدَ أَوْ مَا يُشْبِهُ القدرا

فيكون أول الخيط الذي يتبعه السارد ومعه متلقيه، حيث يروح يسرد مشهده معتمدا مجموعة أفعال دالة: أساور- تميد- تدعني – أنقل – أعاند – تحملني – لا تعذليه –  توفي – يفضحه – يشكو – يقص- تفتنه، أفعال تمثل منطق الحدث وتعبر عنه قاصرة السرد على مجموعة الأفعال في تواليها الدال، وفي إبرازها مجموعة الفاعلين الذين يمثلون الطاقة السردية للأحداث، ويشكلون فريق عمل السردية، حيث تتعاضد المجموعة في تحريك الصراع والإشارة إليه عبر ثلاثة فاعلين يشير إليهم الضمير في تعبيره عن الفاعل: الذات: عبر ضمير المتكلم – الآخر عبر ضمير الغائب أو الفاعل الظاهر– المخاطب عبر الضمير المخاطب الذي يرد مرة واحدة (لا تعذليه).

الجملة السردية تتضمن اثني عشر فعلا، تشير إلى ثلاث قوى: ثلاثة تشير على المتكلم – ثمانية تشير على القوى الأخرى المتعددة، واحد يشير على ضمير الخطاب، وهو ما يعني أولا تعدد قوى الحاضر ومن ثم اتساع مساحة الصراع، وغلبة القوى الأخرى على الذات والمخاطب ثانيا، اتساع مساحة الرؤية عبر اتساع مساحة الأحداث المترتبة على الأفعال والصراعات، وهو ما يكون له مبرره من:

تميدُ بي لُغَتَي في كُلِّ نَاحِيَةٍ

 لَكنَّهَا لَمْ تَدَعني أَنْقُلُ الخَبَرا

 أُعَانِدُ الوَقْتَ وَالأَيَّامُ تَحْمِلُنِي

مَا بَيْنَ جَفْنَيْكِ حتَّى مَلّتِ السَّفَرا

لَا تَعْذلِيهِ على أَحْزَانِ سيرتهِ

فلوعةُ الحُبِّ تُوفِي الدَّينَ والقَدَرَا

فَكَيْفَ بالنِّسوةِ اللَّائِي كَتَبْنَ على

ثَوْبِ الطَّهَارَةِ حُلْماً تَاهَ وَانْدَثَرَا

 لِهُنَّ سِرْبٌ مِنْ الضَّحِكَاتِ يَفْضَحهُ

صَمْتُ الشَّبَابيكِ والقِنْدِيلِ حِين سَرَى

وباتَ مُتَّكَيء يَشْكُو هَشَاشَتَهُ

وسيِّدُ القَصْرِ في أحْلامِهِ احْتَضَرَا

حتى الضِّيَاءُ إِذَا أَعطَاكَ قُبْلَتَهُ

يَقُصُّ أَحْلَامَكَ العَمَياءَ حَيثُ جَرَى

 فَعُدْ كَمَا كُنْتَ لَا يَعْقُوبُ تَفْتِنُهُ

 رُؤْيَاكَ فَاِرْجِعْ إِلَى بِلْقِيسَ مُعْتذِرا

السرد خارج النص

في خطوة تالية لا يكتفي الشاعر بالعلامة التراثية في إشارتها الشخصية بوصفها مفردة لغوية، وإنما يعمد إلى توظيف التركيب الشعري في طاقته الدلالية مستقطبا تركيبا تراثيا يعمل على توسيع مساحة الحركة بين العصور، عابرا بمتلقيه من زمنه الحاضر إلى الماضي والعكس، يستقطب النص صورة تراثية تمثل خطاب النهي الأشهر في الشعر العربي تعبيرا عن حوار الرجل والمرأة، أعني مطلع قصيدة ابن زريق البغدادي الشهيرة:

لا تَعذَلِيه فَإِنَّ العَذلَ يُولِعُهُ       قَد قَلتِ حَقاً وَلَكِن لَيسَ يَسمَعُهُ

في التقائه مع قول الشاعر:

لَا تَعْذلِيهِ على أَحْزَانِ سيرتهِ

فلوعةُ الحُبِّ تُوفِي الدَّينَ والقَدَرَا

والتناص يجمع بين الشاعرين في حالة من الشجن المستمر من القديم للحديث أو من وعي الأول إلى وعي الثاني تدليلا على استمرار الحالة وسيطرتها على الشاعرين وزمنيهما، ومع تشابه الحالة تتشابه لغة التركيب الشعري في بعض جوانبها:

النهي +الفاء الواقعة في جواب الطلب + الفعل المضارع مضمر الفاعل.

وهو ما يؤكد قدرة الشاعر الحديث على التواصل مع الشاعر القديم بفعل الوعي الرابط بينهما، وقدرة الشاعر الحديث على هضم الصورة القديمة وتجاوزها، حيث كان الأول يعبر عن مشكلته الذاتية التي تشير إليها المصادر المؤرخة لظروف إنتاجه القصيدة، فيما يعمل الثاني على فتح أفق القصيدة خارجا بها من خصوصية الطرح إلى عموميته تعبيرا عن قضايا عصره فلم يعد الشاعر الحديث منكفئا على ذاته أو منشغلا بعالمه الخاص مقتصرا قصيدته على طرحه ونشر تفاصيله.

يتجه الشاعر القديم إلى ذات واحدة، المحبوبة بمعناها التراثي، فيما يوسع الشاعر الحديث من دلالة الحب فلا يكون وقفا على الذات الواحدة متجاوزا الطرح القديم، موسعا من دلالة العاطفة التي تحصرها الثقافة العربية في العلاقة بين اثنين فقط (الرجل والمرأة)، حيث يتجاوز الشاعر الحديث ذلك المفهوم موسعا من مفهوم العاطفة لتشمل الوطن والواقع المحيط في مسؤوليته تجاه قضاياه فلا يكون همه فقط التعبير عن آلام الحب الموجه للمرأة دون الوطن بوصفه مساحة لا قيمة للحب دونها ولا مجال لإقامة علاقة بين ذاتين خارجها.

نجح الشاعر في تفعيل العلامة الشعرية توظيفا لها في خدمة نصه، وهو حين ينتظمها في قصيدته فإنه يستلهمها من القديم محملة بدلالتها ومحملها ما يريد طرحه وفقا لرؤيته المعاصرة، إذ هو لا يكتفي باستقطابها وإنما إعادة إنتاجها من جديد، فالشاعر لا يحلم لنفسه قدر حلمه لواقعه ولوطنه وللإنسان الذي يعبر عنه وعن أحلامه التائهة، ويدشن طاقته لاكتناز أحلامه وفتح آفاقه لرؤية واقعه بصورة جادة، ومنتجة.

* أستاذ البلاغة والنقد بكلية الآداب، جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل.

One thought on “توظيف العلامة التراثية في قصيدة “أحلام تائهة”(2 من 2)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *