الفضاءات القروية… في النَّص السردي السعودي الحديث (أقدام حائرة أنموذجاً)

بقلم/ د. يوسف حسن العارف*

مدخل:

(1) النص القروي هو “النص الذي ينتمي للقرية موضوعاً ومادة وأسلوباً وتناولاً” [1] أو هو “النص الذي يستوعب السمات القروية وفضاءاتها وقيمها وعاداتها وتقاليدها ومنجزاتها ولهجتها” وكل ما يشير إليها عبر مساحة من الخيال فيها الإبداع والشعرية والصور البلاغية المتنوعة.

وبناءً على هذا التعريف الإجرائي تظهر (القرية) في كثير من النصوص السردية الجنوبية، وخاصة لدى كتاب القصة القصيرة والرواية في منطقة الباحة، والتي نجدها في كتابات عبدالعزيز مشري رحمه الله، وجمعان الكرت، وعثمان سعيد الغامدي، وبخيت طالع الزهراني، وخالد المرضي، وعلى الزهراني (السعلى) وغيرهم كثير.

وبين يدي – اليوم – منجز سردي/ قصصي ينتمي لهذا الفضاء (القروي)، وصاحبه أحد مثقفي منطقة الباحة المرابطين في محراب الثقافة منذ أمد طويل، وله ثلاث مجموعات قصصية، وكتب تاريخية وأدبية، ودراسات في الشعر الشعبي بالمنطقة، وكلها تحمل سمة المثقف الشمولي، والكاتب الاجتماعي الذي يتماهى مع البيئة والمكان ويستعيده في كتابة إبداعية وقصصية فيما يسميه بعض النقاد “استعادة المفقود” [2].

*     *     *

(2) والمجموعة القصصية (القروية) التي نتداخل معها – الآن – تحمل عنواناً لافتاً وهو: (أقدام حائرة) [3] وهي قصة داخل المجموعة وعلى الصفحات 79-82 وتحمل السمات القروية الدالة على انتمائها القروي فمثلاً نجد:

– الشدَّة: نظام القبيلة وقوانينها.

– الفراش (العقيقي) نسبة إلى بلدة عقيق غامد في الباحة.

– قصاب الركيب الذي انتهى من حرثه = من المصطلحات الزراعية القروية.

– ضحت السانية = قدمت وجبة الضحى من العلف للدابة التي ستحرث الأرض.

ومن خلال هذه السمات نجد القصة وهي تفيض بالصور الاجتماعية القروية من شظف العيش وقسوة الحياة ورغبة الإنسان/ الرجل في التغيير المكاني لزيادة الثروة والتكسب خارج (الديرة) وما يخلفه السفر والغربة من بعد وحرمان وخوف من الموت نتيجة الغياب الطويل وعدم وجود وسائل للتواصل بين المسافر وأهله وما ينتج عن ذلك من تطليق وتزويج!!

إن هذه الفضاءات القروية تمثل ملمحاً فنياً في القصة استطاع الكاتب أن ينقل لنا إحدى صور المجتمع القروي القديمة باستعادة لمفقود ضائع، أو تذكير بماضٍ متقادم منسي!!

*     *     *

(3) وللتأكيد على تلك الفضاءات القروية، والسمات الدالة على المجتمع القروي نجد القاص (محمد زياد الزهراني) في كثير من قصص المجموعة يتماهى مع الأسماء والمسميات القروية التي لا تستخدم إلا في منطقة الباحة تحديداً أو قرى الجنوب بصفة عامة ومن ذلك ما يلي:

– عريف القرية “حنش” له من اسمه نصيب ص 9.

– المساريب = الأزقة والممرات الضيقة ص 9.

– شجر العتم والعرعر والحبق والغيلة = من أشجار ونباتات عطرية خاصة في القرى ص 17 , 25 , 105.

– الضفادع – الجدة جرادة – الوقبة – العقارب – الحيات – الكظايم.

– جريبيع = القروي المسكين ص 43.

– العصيدة – المرق = (من الأطعمة القروية) ص 47.

– طائر الكبد/ طائر الحقحق = (القمري, والنغري بلغة أهل الحجاز) ص 54 , ص87.

– الدجر (اللوبيا) ص 62.

– القترة/ الكترة (فتحة في سقف المنزل أو في الجدار لمرور النور والهواء) ص63.

– وادي السيسبان (من ديار بني كنانة زهران) ص 76.

– المرجمة (المقلاع) ص 91.

– تاجر البقشة/ فرقنا (تاجر يبيع الأقمشة مروراً على البيوت) ص 103.

– حوكة (لباس ساتر مثل العباءة) ص 105.

كما نجده يتماس مع النصوص الشعرية ويوظفها في قصصه توظيفاً دالاً على الروح القروية الغنائية والشعرية فمثلاً:

– يا هابط السوق عصراً والنهار أقفا      الفايدة في الضحى ما هي كما الروحة ص 18.

– إذا ما كسبت المدح في ساعة الصبا       فلا تنفع الأمداح إذا عدت شايب ص19.

– محمد كثر من همومك والأفكار.

    النعش بك سار.

    سمعت صوت القبَّار.

    يقول حظوا بالصلي والردايم.

     منزالك الوادي ومطلاعك الدار.

        …….           ص 63-64.

– يا حامي الحمى يا الله

         تحمي زروع وادينا ص 92-94.

وفي هذا السياق نجد القاص يسعى – قاصداً – إلى توظيف الأمثال القروية/ الشعبية في براعة تصويرية وفي المكان المناسب لها، وذلك لتأكيد قروية النَّص، أو رمزيته القروية. ومن ذلك ما يلي:

– قم خابت أمك [ الدعوة بالخيبة والخسران ].

– قم يا الرخمة [ الوصف بالدونية والكسل وعدم الرجولة والخوف غير المبرر، الرخمة/ العقاب (نوع من أنواع الطيور)] ص 47.

– بسَّة كلت ورعانها [القطة التي تأكل مولودها] ص 48.

– أعط الولد جبته/ لا تخبطه جدته ص 87.

هذه المقتبسات النصوصية من القصص التي أوردها الأديب محمد زياد الزهراني، فيها دلالات وإيحاءات على تناميه الثقافي عبر الثقافة المجتمعية الشعبوية، وتماهيه مع تلك النصوص الشعرية والأمثال القولية التي يستنطقها ويوظفها في قصصه بشكل فنِّي وإبداعي، وربما توثيقي حتى لا تضيع هذه الصيغ القروية من التعابير والمقولات!!

*     *     *

(4) جماليات نصيَّة/ موضوعاتية:

ومن خلال هذا السمت القروي، تتوالد بعض الجماليات النصوصية، تدهشك كقارئ، كيف استطاع الأديب/ الكاتب (محمد زياد الزهراني) تحويلها من نص أولي/ بدائي/ خام، شفاهي، إلى نص مكتوب، نص قصصي إبداعي، فيه الموعظة والحكمة والرسالة الأخلاقية والأبعاد الاجتماعية التوثيقية.

ففي قصة القرين ص ص 13-16 نجد الفكرة الوعظية، الفكرة الأخلاقية حيث يطرح موضوع (السيجارة) التي تحولت إلى (قرين) للرجل لا يستطيع مفارقته أو التخلص منه رغم شروره وشريته، وتزيين (إبليس/ القرين) لهذه العادة السلبية ثم النجاح والفوز بالتغلب على هذه القرائن المميتة والتحول إلى الكائن الإنساني المفيد والقدوة في التخلص من الوباء اللعين!

وفي قصة مقايضة ص ص 29-32 نجد صورة بانورامية للمجتمع (الباحوي) في زمن سابق/ زمن الجوع والمسغبة، وعيشة الكفاف، وطرائق البيع والشراء بالمقايضة والاستبدال، حتى في الأمور الزوجية.

وهنا يطرح مسألة (الشغار) الزواج البدعي بين الناس البنت بالبنت وهكذا… وقد ينجح الزواج ويستمر أو – في الغالب – تتفرق الأسر والأهل بسبب الطلاق القسري!!

القصة – هنا – تناقش هذه العادة الاجتماعية وبشكل وعظي غير مباشر ليوضح الكاتب هذه الآفة وسلبياتها على المجتمع والأسر والأقارب، وكيف تغيرت في زمن التنوير والتدين: “كان الشغار اللعين قد توفي إلى غير رجعة وأصبح الناس أحراراً” ص32.

وفي قصة الكابتشينو ص ص 57-59 نلاحظ التحول الاجتماعي الذي أصاب القرية، والعادات الغربية التي غزت المجتمع والتغيرات الاجتماعية التي حصلت في القرى من بدائية قروية إلى حداثية تمدينية، فحلّت الوظائف بدل الزراعة والحرث والبلاد، وحلت العمالة الأجنبية/ الآسيوية في المجتمع بدلاً عن ابن الوطن، واستيراد أنواع القهوة الأسبانية والسويسرية (الكبتشينو) مثلاً بدل القهوة العربية، والفنادق والمولات بدل البيوت العائلية!! وفي هذا دلالة على الصور الجديدة للتحولات الاجتماعية.

ونختم هذه الجماليات، بما جاء في قصة مسيار ص ص 117-119 وفيها دلالات اجتماعية كبيرة تثير قضية التحولات المجتمعية فحصلت الطفرة المالية، وكثرت العنوسة، وشاع زواج المسيار (السرِّي [مثنى وثلاث ورباع]). وتأتي جماليات الحبكة الروائية حيث يجتمعن الفتيات الثلاث المتزوجات بــ (المسيار) من رجل واحد في قاعة أفراح واحدة، ثم يخرجن آخر الليل فيفاجئن بأن زوجهن واحد!! وتحصل المشكلة والخلاف وكشف المستور وطلب الطلاق دفعة واحدة!!

هذه نماذج جمالية نصوصية وموضوعية، يعالجها القاص/ الأديب بقلمه الممتع وأساليبه القصصية والتي تدل على تطورها من خلال قراءاته المتجددة في الفضاء السردي المعاصر!!

*     *     *

خاتمة:

ومع هذه الدلائل والسمات القروية، فنحن أمام حكايات قَبْلِيَّة/ أولية، مادة خام حكائية، وصور من التاريخ الشفهي المتداول، ومرويات يعرفها كبار السن ويتداولونها فيما بينهم ويستثمرها الكاتب اللامع/ المثقف/ الواعي (محمد زياد الزهراني) ويعيد صياغتها بأسلوبه الأدبي/ القصصي المبين!!

ولكن الدرس النقدي – إذ يقدر له هذا الجهد التوثيقي الهام والأسلوب القصصي المناسب , إلا أنه من المفيد التعرف على ماوصلت إليه تقنيات الكتابة القصصية المعاصرة من (زمن, ومكان, وحدث, وآليات فنية استرجاعية, أو توظيف للمنولوج الداخلي, والحوار بين الشخصيات، وخلق مِني دراما, أو كوميديا نصيَّة, داخل المتن القصصي) .

وهذا ماكنا ننتظره – كنقاد –  من الكاتب المبدع وهو يستخدم هذه المادة الكتابية الحكائية كمصدر خام، أن يرفدها بتقنيات نصوصية، وفنيات جمالية، وأساليب إبداعية تنامت إليها المعطيات الحديثة والجديدة للنَّص القصصي الحديث في بلادنا السعودية – وفي منطقة الباحة تحديداً -.

ومن هنا يشكل الأديب (محمد زياد الزهراني) ذاكرة شعبية وراوي اجتماعي يحمل موروثاً قروياً/ حكائياً عن جيل سابق قد عايشه الكاتب أو سمع به وبدأ في توثيقه ونقله من السابق إلى اللاحق، وتحويله من المرحلة الشفاهية إلى المرحلة التدوينية ومن الغائب البعيد المفقود، إلى الراهن الموجود، حفظاً وتوثيقاً ليعرف الجيل الصحوي، جيل الطفرة والرؤية كيف كان الأجداد والآباء والمجتمع، عبر تناول قصصي تداولي يستوعب تلك الإشارات والدلالات والتلميحات في لغة واضحة أولية قادرة على إقناع المتلقي دون زخرفة قولية أو جماليات إبداعية، أو بلاغة تعبيرية، مكتفية بالحد الأدنى من التواصل الجمالي الذي لا يفوت على ذهنية صاحبنا الكاتب الأديب (محمد زياد الزهراني).

  ولعل فيما هو قادم من أعمال قصصية جديدة نحظى بمزيد من التواصل المبهج والجميل .

 

___________________________

[1] انظر المزيد في كتابنا: النص القروي، نادي الباحة الأدبي ودار الانتشار، ط1, 2017م، ص 32.

[2] د. محمد ربيع الغامدي: استعادة المفقود/ مقاربة في اللغة وعلاقتها بالمكان عند المشري، (ورقة عمل) نشرت في كتاب ملتقى الباحة الأدبي الأول، ط 1، 1430هـ.

[3] مجموعة قصصية للكاتب: محمد بن زياد الزهراني، نادي الباحة الأدبي ودار الانتشار العربي، ط 1، 2019م.

 

* ناقد وشاعر سعودي.   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *