ترجمة أدب نجيب محفوظ

إشكالية ترجمة العناصر الثقافية فى أدب نجيب محفوظ إلى اللغة الإسبانية

د/ شيماء محمد عبد الفتاح رضوان

أستاذ الترجمة المساعد- كلية الألسن جامعة عين شمس

يعتبر نجيب محفوظ (1911-2006) الأب الروحى للرواية العربية لما تتسم به أعماله الروائية من سمات فنية متميزة جعلته يحتل مكانة بارزة فى الأدب العربى .كان نجيب محفوظ غير معروف بصورة كبيرة فى المجتمع الإسبانى قبل حصوله على جائزة نوبل (1988)سوي عبر بعض القصص القصيرة التى ترجمها وبصورة فردية بعض المستشرقين مثل  بيدرو مونتابيث والذى قام بترجمة “همس الجنون” التي نشرت فى مجلة “الرابطة” عام  1960 و  مرسيلينو بييجاس وماريا خيسوس بيجيرا عام 1974. ولكن بعد حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل فى الآداب بدأت ترجمة أعماله بصورة كبيرة إلى اللغة الإسبانية وعن طريق دور  النشر المتخصصة مثل بلاثا اى خينيث  ومارتينث روكا واليانثا وتخطت أعماله المترجمة الثلاثة والثلاثين عملا مابين رواية وقصة قصيرة.                                                                                

وتعد أعمال نجيب محفوظ مرآة صادقة للواقع وللثقافة المصرية بكل تفاصيلها ومفراداتها اللغوية والاجتماعية والمادية والدينية مثل: الأمثال والأقوال المأثورة والتراكيب اللغوية والأطعمة والمشروبات والأدوات والعادات والتقاليد والشخصيات التاريخية والأحزاب السياسية والمقدسات الدينية، وهى تفاصيل ومكونات تشكل ما يسمى في علم الترجمة بالعناصر الثقافية للغة المصدر أو اللغة المنقول منها ، وقد اتفق عدد كبير من المنظرين في علم الترجمة (فلاخوف وفلورين: 1970، هاوس: 1973، نيدا: 1975، نورد: 1997، نيومارك: 2004) فى التأكيد على أن نقل العناصر الثقافية الموجودة فى نص يمثل أكبر المشاكل التى يواجهها المترجم، حيث ان المترجم هو وسيط ليس فقط بين لغتين وإنما أيضا بين ثقافتين.  فالترجمة ما هي إلا انعكاس لثقافة الشعوب وآدابها وفنونها ومظاهرها الاجتماعية ، الخ.  وأن الاختلاف  بين الثقافات يمكن أن يسبب للمترجم تعقيدات أكثر مما تسببه الاختلافات فى البنية اللغوية.                                      

ولما كان غالبية  من قام بترجمة أعمال نجيب محفوظ هم من أهل اللغة الإسبان سواء أكانوا من المستعربين أومن الدارسين للأدب العربى فى الجامعات الإسبانية، سنجد كيف أن الاختلاف الثقافى بين المترجم واللغة التى ينقل منها أو اللغة المصدر يمكن أن يؤثر ويشكل كبير على حدوث التكافؤ الدينامى فى عملية الترجمة، كما أنه وكلما كان المترجم أكثر إلمامًا واحتكاكًا بالثقافة التى ينقل منها يكون أكثر قدرة على توصيل الرسالة الى متلقى النص المُترجم أو اللغة الهدف.                                                                                

لذا فقد شكل نقل العناصر الثقافية بكل تفصيلاتها والتى يزخر بها أدب نجيب محفوظ من العربية إلى الإسبانية بعض المشكلات منهاعلى سبيل المثال:

1- أن الفروق الزمنية بين تاريخ نشرالعمل الأصلي وتاريخ ترجمته والتي يمكن أن تكون من عوائق نقل بعض العناصر الثقافية التى ربما تكون قد اختفت أو تم تطويعها.          

واذا تناولنا ” الثلاثية” مثالا على ذلك فقد كانت أحداثها تدور بين عامى 1917 1944 والتي  نشرت ما بين عامى 1956- 1957 وتمت ترجمتها مابين عامى 1989-1990  نجد تغيرات اجتماعية كثيرة قد حدثت في هذا الصدد، منها  على سبيل المثال  استخدام “وزارة المعارف” فى النص الأصلى والذي تم ترجمته مرة حرفيا  ومرة أخرى مطوَعا “التربية والتعليم”، و”وزارة الحقانية ” فى النص الأصلى وتم ترجمته باستخدام تقنية النقل الصوتى “الحقانية”، والذي  تغير حاليا إلى وزارة “العدل”،  وفريق “المختلط” كما جاء  فى النص الأصلى وتمت ترجمته صوتيا “المختلط” وهو ما يعرف حاليا بـ “نادى الزمالك”.                        

2– أن العناصر الثقافية والتي يعج  بها أدب نجيب محفوظ يمكن أن تكون فى كثير من الأحيان إحدى إشكاليات الترجمة، حيث يكون هناك بعض التفاصيل التى لآ يكون المتلقى الأجنبى معتاد عليها فلا يكون هناك سبيل أمام المترجم إلا اللجوء إلى الترجمة الحرفية وخاصة بالنسبة لبعض التراكيب و المفردات العامية أو الكلاسيكية حتى لا يؤثر على تماسك النص؛ أو قد يضطر الى ارتكاب أخطاء ترجمية نظرا لعدم فهمه أو استطاعته التقاط  المسكوت عنه فى بعض الأحيان في لغة المصدر والأمثلة على ذلك كثيرة.                  

3- هناك أيضا اشكالية عدم وجود القواميس المتخصصة والخاصة بالمصطلحات الثقافية الحديثة واللغة الدارجة أو الشعبية خاصة وأن مجتمعنا اليوم قد بات يستخدم الكثير من المصطلحات والتراكيب اللغوية التي تختلف كثيرا عن العربية الكلاسيكية والتى يتسم بها أدب نجيب محفوظ ؛ كما لانغفل أيضا المفردات اللغوية التى دخلت على اللغة العربية والتى أصبحت تستخدم وبشكل أساسى كجزٍء لا يتجزأ من مفرادتنا، إلى درجة  قيام العديد من الكتاب باستخدام اللهجة العامية وهى عائق كبير أمام المترجم الذى يستخدم العربية الفصحى. لذا فالمترجم إن لم يكن ملمًا وبشكل كبير بثقافة اللغة التى ينقل منها سيكون ذلك عائقا بالنسبة لعملية الترجمة، فاللغة  مثلها مثل الكائن الحي تخضع لتغيرات الزمان والمكان.                                                      

4– قد يلجأ بعض المترجمين الى تقنية “النقل الصوتى” للإشارة إلى بعض العناصر الثقافية والتى ليس لها مقابل فى ثقافة اللغة المترجم اليها مع استخدام الهوامش للتوضيح أو فهرس للمعاني فى نهاية الترجمة، ولكن على الرغم من أن هذه الهوامش قد تكون مفيدة  لما بها من معلومات للمتلقى إلا أنها فى الوقت نفسه قد تفصل القارئ عن خصوصية وحيوية المشهد الذى يتابعه في عملية القراءة والتلقي.                              

5– هناك أيضا إشكالية ترجمة بعض الروايات لنجيب محفوظ إلى الإسبانية عن طريق لغة وسيطة خاصة الانجليزية أوالفرنسية مما يؤدى الى فقدان جزء كبير من روح النص المترجم وقد يكون هناك بعض عمليات الحذف أو الاضافة وهو ما ظهر بوضوح بعد حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل والحاجة إلى ترجمة أعماله الأدبية في أقصر وقت ممكن  فتم اللجوء إلى لغة وسيطة وهى اللغة الانجليزية كما حدث فى روايتي “زقاق المدق” و”ميرامار”.                                                                                                  

6– هناك العديد من أعمال نجيب محفوظ الطويلة التي تم اللجوء فيها إلى مجموعة من المترجمين بلغ فى بعض الأحيان ثمانية مترجمين كما حدث فى ترجمة “الثلاثية” على سبيل المثال أو “رادوبيس” و “كفاح طيبة” التى اشترك فى ترجمتها اثنان من المترجمين ولنا أن نتخيل أن اشتراك أكثر من مترجم فى ترجمة عمل واحد من الممكن أن يسبب التشتيت وسوء الفهم فى بعض الأحيان لمتلقى العمل المترجم نتيجة عدم تجانس النص.                                                                                                                    

7– من أكبر إشكاليات الترجمة بصورة عامة هو عدم وجود المؤسسات ودور النشر التى تدعم وبشكل كبير عملية الترجمة الخاصة بكلاسيكيات الأدب العربى والتى يقوم بها مترجمون مصريون متخصصون وأكثر قدرة على فهم ثقافتهم بالتعاون مع أهل اللغة المنقول اليها لتحقيق أكبر قدر ممكن من دقة التوصيل وهي غاية كل ترجمة.                                          

                                       

المراجع باللغة العربية:

د. فوزى عطية محمد: علم الترجمة, مدخل لغوى. القاهرة, دار الثقافة الجديد.

د. محمد عنانى: نظرية الترجمة الحديثة. القاهرة, الشركة المصرية العالمية للنشر- لونجمان, 2003

نجيب محفوظ: زقاق المدق. القاهرة, مكتبة مصر,1947

نجيب محفوظ: بداية ونهاية. القاهرة, مكتبة مصر,1949

نجيب محفوظ: بين القصرين. القاهرة, مكتبة مصر, 1956

نجيب محفوظ: قصر الشوق. القاهرة, مكتبة مصر, 1957

نجيب محفوظ: السكرية. القاهرة, مكتبة مصر, 1957

المراجع باللغة الإسبانية:

Arbós, Federico (2006), Recordando a Naguib Mahfuz,  Afkar/Ideas, Madrid, 103-104.

Del Amo, Mercedes (1991),  Realidad y fantasía en NaguibMahfuz. Universidad de Granada.

Hernando de Larramendi, Miguel (2000), La traducción de literatura árabe contemporánea: antes y después de NaguibMahfuzCuenca, Ediciones de la Universidad de Castilla-La Mancha.

– Hurtado Albir, A. (2001), Traducción y Traductología, Madrid, Cátedra.

Mahfuz, Naguib (1966), Midaq Alley. Trad. Trevor Le Gassick, Cairo, Eds. The American University in Cairo Press..

Mahfuz, Naguib (1988 a), Principio y Fin. Trad. Marcelino Villegas, Madrid, IHAC.

Mahfuz, Naguib (1988b), El callejón de los milagros. Trad. Helena Valentí, Barcelona, Alcor.

Mahfuz, Naguib (1989). Entre dos Palacios. Trad. Grupo de Sevilla, Barcelona, Alcor.

Mahfuz, Naguib (1990), El Palacio del Deseo. Trad. Grupo de Sevilla, Barcelona, Alcor.

Mahfuz, Naguib (1990). La Azucarera. Trad. Grupo de Sevilla. Barcelona, Alcor.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *