قراءة في قصیدة (أنثى الطین) للشاعر علي ھتان – فضیة الأحمدي

قراءة في قصیدة (أنثى الطین)

للشاعرعلي ھتان

 

فضیة الأحمدي

 

 

أنثى الطین

القصيدة:

 

غازلتُ انثى الطين في عرس الحقولْ

ولمست نهد العذق في الغصن البتولْ

فاهتز خصرٌ يستثير صبابتي

وألَحَّ يسأل من أنا حتى أقولْ

فذكرت سحر العاضيات وقارةً

تهتز من ريٍّ وتشمخ كالخيولْ

فعرفت أن الحسن طفل سحابةٍ

رضعت بذور الشمس من صدر السيولْ 

وعرفت أن الحب حبة لؤلؤٍ

سقطت من المحراث فانتشت السهولْ 

حتى تفيق على خضاب صبيةٍ

نشرت على المهجان أحلامَ الفصولْ

وسقت عجين الخبز من تحميدها 

وتوهجَ التنورُ من بعد الأفولْ

في كل ما حمل التراب بقريتي

ألقٌ يذيبُ الروحَ في لحن الذهولْ

ناديت غصن الذكريات فضمني

وشممت عطر الأمس في شوق الكهولْ

جازان يا سحر القصيدة رتلي

ما خط غيم السفح في سبب النزولْ

واروي عن الوديان قصة سدرةٍ

صنعت هدايا النحل من بوح الطلولْ

حسناء تغسل في الشواطئ كفها

وجديلها المغسول من خضر السهولْ 

قمرٌ على خد الجنوب لمحتها 

ومشاعرٌ كالموج دائمةُ الوصولْ

تختال في حلل الضياء أميرةً

تحكي بياض الفل يعزفها الهطولْ 

سيظل وصف الحسنِ سطراً هارباً

أنَّىٰ نُفسرُ ما استقرَّ وما يجولْ؟

الشاعر/ علي هتان

يشكل العنوان العتبة الأولى من عتبات النص؛ ونحن هنا أمام عنوان قصير مكون من كلمتين لافتتين أُضيفت الثانية للأولى .. الكلمة الأولى (أنثى)، و كلمة أنثى تأخذنا مباشرة للصفات النوعية للمرأة .. وتأتي الكلمة الثانية (الطين) بثقلها الدلالي لتردف هذا الاعتقاد؛ فثمَّ أنثى من طين..

و في أجواء احتفالية بهية يستوقفنا الشاعر على مطلع قصيدته بمفردةٍ تصوِّب تجاه (الأنثى) سهامهاغازلت أنثى الطين …” الغزل و المغازلة تكون للأنثى إذا رأى منها الرجل ما يعجبه و يدهشه، و الشاعر هنا يستخدم مفردة الغزل بصيغة الماضي المتحقق الحدوثغازلت أنثى الطين ..” و هذه الأنثى التي غازلها الشاعر الصب هي أنثى الطين .. وأين غازلها حين أدهشته مفاتنها ؟ في (عرس الحقول) وهنا يقترب بنا شاعرنا لنتفرسدهشةًفي أنثاه ؛ فثمة أنثى من طين وثمة عرس في الحقولإذن (الطين) هو هذه الأرض، وأنثاه هي بقعة الطين هذه من الأرض، و ثمة حقول، وثمة عذاق، و ثمة غصون .

الجمع بين الحبيبة والمدينة أو القرية أو الوطن ليس بجديد في الشعر ..فالشعراء كثيرًا ما يرون الحبيبة وطنهم ، والمدينة حبيبتهم .. وقد قال القصيبي رحمه الله :

كأنكِ أنتِ الرياضْ

بأبعادها .. بانسكابِ الصحارى

على قدميها

وما تنقشُ الريحُ في وجنتيها

وترحيبها بالغريبِ الجريحِ

على شاطئيها

وطعم الغبار على شفتيها

أحبكِ حبي عيون الرياض …”

 

وعبقرية اللغة عند شاعرنا تتبدَّى في تشكيل أطراف الصورة منذ البيت الأول مراوحةً بين قريته ومحبوبته في مفردات تنسج إحداهما في الأخرى حتى لا نكاد نفرق بينهما !

غازلَ هذا المحبُّ الصَّبُّ هذه الأنثى البهية في كرنفال طبيعي من عرس (الحقول)، و لمسَ (نهد) النخلة في الغصن (البتول) المنقطع لهذا الجمال المتبتل فيه ..

الغزل والعرس للأنثى الحبيبة، و الطين و الحقول للقرية الحبيبة .. والنهد والبتول للأنثى الحبيبة، والعذق والغصن للقرية الحبيبةهكذا ينسج لنا الشاعر منذ البيت الأول مفرداته ليشكلها في صورة متماسكة بعمقها الدلالي وبعدها الجمالي معًا .

وعطفاً على لمس نهد العذق (اهتز خصرٌ) بصيغة التنكير فلا ندري أهو خصر العذق أم خصر الغصن أو أنها كلها جُمعت في خصر واحد يستثير صبابته شوقاً و (يلحُّ) عليه بالسؤال تقرباً واستثارةً: (من هو) فيجيبه الشاعر ذاكراً سحر الروابي المتفرقات تهتز من الري وتشمخ بأصالتها كالخيول العربية الأصيلة ..

وتفضي هذه الحوارية الرائعة بين شاعرنا وأنثاه إلى أن ينجلي وجه الحسن الذي تفتقت عنه أنثاه حتى عرفمعرفةً لا تخطىءأنَّ الحسن في (أنثى الطين)/أرضه هذه إنما هو وليدٌ غضٌّ لا يذبل ل(سحابة) رضعت (بذور الشمس) من (صدر السيول) .. 

الحسن طفل وليد يرضع .. وأمه السحابة ومع السحابة بذور و شمس و سيول وهذه مقومات حياة الحقول ؛ بما يسمونه (عملية التمثيل الضوئي) فالسيول تجري في الأرض، والشمس غزالة السماء تبخِّر هذا الماء، والماء يتشكل في السماء سحابة/هي السحابة الأم، والسحب تسقط المطر الذي يجد (بذور الشمس) البذور التي تسطع عليها الشمس فتهتز الحقول وتربو، وهنا (الحسن) الوليد

وأمَّا الحبُّ عند (أنثى الطين) هذه، فما هو إلا حبات الؤلؤ تلك التي تناثرت من السماء إلى الأرض بين خلجات (المحراث) فانتشتوالنشوة ذروة اللذة في الحبالحقول !

ويستمر شاعرنا في توثيق رحلة الجمال هذه ؛ فحبة الؤلؤ التي انتشت بها الحقول وطفل السحابة رضيع الجمال ذاك صارفي مرحلة تالية–  (صبيةً) مخصَّبةً بجمال الأزهار تعبر أحلام الفصول بهذا الربيع المخضَّب بالجمال، المرتوي بحمد السنابل/ العجين حتى بزغ وهج التنور وقد كاد أن يأفل ..

أما وقد أخذ بنا شاعرنا لنتفرس وجه أنثاه البهية (أنثى الطين)/ قريته الجميلة .. فقد آن له أن يصدح لنامطمئنًابصيغة العموم (كل) أنَّ كل شبرٍ في قريته يأتلق جمالاً ينطق لحنا يكاد يذهل بالروح..

في كل ما حمل التراب بقريتي

ألق يذيب الروح في لحن الذهول

ناديت غصن الذكريات فضمني

وشممت عطر الأمس في شوق الكهول

وهذا الألق في قريته الذي ضمَّه طفلا درج في أرجائه قد دسَّ ذكرياته العطرة في جلباب أيامه القادمات ..

جازان يا سحر القصيدة رتلي

ما خط غيم السفح في سبب النزول

الآنَ آنَ ل (أنثى الطين) أن تلمع باسم قريته الصريح (جازان)وهنيئا لجازان هذا الحب جازان السحر، جازان الشعر، جازان الوحي الذي يتنزَّل بأسباب الجمال ..

جازان فاروي –ولا نزال في وحي الخير والجمالقصة سدرة الأرض التي صنعت هدايا النحل/العسل من بوح الطلول/المناحل  .. ويا لروعة شاعرنا في تشكيل أطراف الصورة تشخيصًا مدهشًا فللطلول بوحٌ وللنحل هدايا وللسدرة صنيعٌ فيهما !!

(جازان)عوداً على بدءحبيبةٌ أنثى حسناء تختال بين السهل والشط ؛ فهنا تغسل كفها وهناك تنشر جدائلها المغزولة بالروابي الخضراء ..

(جازان) الحبيبة قمرٌ كالشامة على خدِّ الجنوب الحبيب تموج المشاعر إليها موجةً إثر موجة !

(جازان) أميرة تختال في عقود (الفل) و (الطلُّ)/المطر يعزف إيقاع الأميرة !

هنيئا لجازان شاعرٌ سطَّر حسنها قصيدة يعتز بها الجمال، وإن قال إن الوصف لا يفيها حقها فهذا ديدن الكبار ..

سيظل وصف الحسنِ سطراً هارباً

أنَّىٰ نُفسرُ ما استقرَّ وما يجول؟

 

ناقدة من السعودية

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

4 Responses

  1. كل الشكر والتقدير لرئيس قسم النقد الأستاذ صالح الحسيني ، ولهيئة تحرير فرقد الغراء .

  2. من شاعره ترسم اجمل ابيات القصيد….إلى ناقده تلون وتلقي اجمل الالوان واعمقها ..ع القصيد ….حق لي ولابيات…القصيد أن نفخربأرق ..فضيه عواد الاحمدي

  3. ماشاء الله تبارك الرحمن نقد يبرز المعاني والمحاسن
    حفظك الرحمن صديقتي

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: