شوارع من نار

 

*د. جميلة رحماني

 

هنا، على حافة القهر، نام ملتحفا الخوف، ووسادته صخرة من الحنين، استعدادا لانبعاثِ يومٍ آخر يحمل بين جنباته الأمل. الصمت يغطّ في سباته، هفيف النسيم وحده يكسر سكونَ الليل، فلا يلبث أن يعاود الصمت أدراجه. كل ليلة يسأل النجوم:  ”متى نشم عبق الأمان؟”. تململ قليلا قبل أن يستسلم للنوم، عندما أشعلت الشمس جذوتها الأولى.
هناك، وفي زاوية الحرمان؛ تقبع وهي حاملة في ثناياها شعورا غائرا. شعور مدثر برداء المعاناة، ومزمل بوشاح الاغتراب، شعور مستعر بلظى نار الألم. وفي عينيها ظِل غامض وخفي ينم عن خوف ودهشة، حتى أخذت تنتابها حالات من الاضطراب والحزن والعزلة والهياج الليلي، وتنتحب بصوت خفيض. لم تغمض عينيها إلا وعقارب الساعة تزحف في ملل متثاقلة صوب شروق الشمس، وشعاع من الخيط الأبيض الناعم لفجر اليوم الجديد؛ بدأ يتسلل إلى الداخل خلسة عبر شفافية زجاج النوافذ العارية من الستائر المتوهّجة. 
ذات صباح لم يشهد شروق شمس، خرجا من بيتهما كل واحد يقصد وجهته التي رسمها ليلا، في منتصف طريق الحياة التقيا بلا موعد، حدقت العيون في العيون. لاذا بالصمت، والصمت في حضرة الحبيب عبادة. قال: ”صادفتك تحتفلين بنهاية مشوارك معي، فداهمني خوف أنك لن تعودي إليَّ مرة ثانية وقد نبضت الذاكرة بك.” وقبل أن تجيب أردف قائلا: ”كانت ابتساماتك موزعة في صور أعرفها وطالما أحببتها، فنقشت على صفحة ذاكرتي. آه كم أودّ استعادة ملامحك التي عجزت عن رسمها.” اقتربت منه بوهن، وأجابته وهي ترسم ابتسامة على شفتيها: ” لن أرحل؛ وسنجد بعضنا وإن سرقتنا الأيام…. سأشم ريح قميصك لأهتدي إلى حيث تقيم.” وعادت مهرولة تجر أملا في غد جديد. عند وصولها نهاية الشارع نظرت إليه بشوق؛ انتشى فرحا وانتعش، لوشوشة كلماتها الرقيقة.
التفت حوله فلم يجد سوى الفراغ يرتب فوضى أيامه الصاخبة، خط السطر الأخير في حكاية عشق مستحيل، قبل أن يسقط حزينا. حكاية حملتها نسمة وغادرت، علّها تجد من يتعهدها ويسيقها، حتى تكبر نخلة شامخة في صحراء الحياة. 

*قاصة_المملكة المغربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *