إبراهيم فرغلي:كتابة الرواية تحتاج إلى شجاعة

حوار : نورة بابعير

مراجعة وتدقيق: خديجة عياش

تحدّثَ عن ضرورية العزلة للكاتب، عاش تجربة الكتابة والترجمة، ثري بتنوع المواضيع، ترك في الوسط الثقافي صوتا يميزه عن الآخرين .
للكتابة محطات يتوقّف فيها الكاتب بين فترة وفترة ولَم يكن الغرض منها الوقوف عن الكتابة؛ بل استجماع الكتابة عن الكتابة نفسها .
سوف نبدأ بالعبور على محطات الكاتب إبراهيم فرغلي في إنتاجية الكتابة والكتب على خمس محطات.

-إِبرَاهِيم فرغلِي كاتِب، وصحَفيّ، ورِوائِي مِصرِيّ .
-حاصِل على درجة البكالُوريُوس عام 1992 فِي إِدارَة الأَعمال مِن جامِعة المنصُورة .
-نشأ فِي مدِينَة المنصُورة فِي قَلب الدِّلتَا شرق جُمهُورِيَّة مِصرُ العرَبِيَّة .
-وترعرع فِي سَلطَنَة عُمان، ودولة الإِمَارات العربِيَّة المُتَّحِدة .
-اِستهل مَسِيرته المِهنِيَّة مطلع التِّسعِينات صُحُفِيا فِي مجلَّة رُوز اليُوسِف الأُسبُوعِيَّة، ثُمَّ فِي مجلَّة نزُوىَ العُمانِيَّة، فمُحرِّراً ثقَافِيٌّا فِي صحِيفَة الأَهرَام، ثُمَّ مُحرِّراً فِي مجلَّة العرَبِيّ؛ الَّتِي تصدُر مِن دولة الكُوَيت .
-راجع نحو 35 كِتاباً بين الرِّوايَة، والشَّعر، والنَّقد، والأَعمال المُتَرجمَة .
-يكتُب فِي العدِيد مِن الصحُف، والدَّورِيَّات العرَبِيَّة مقَالَات فِي النَّقد الثَّقَافِيّ والأَدبِيّ .
-تَرجمَت بعضُ أَعمالِه الأَدبِيَّة وقِصصِهِ إِلى اللُّغة الإِنجِلِيزِيَّة، والفَرنسِيَّة، والدَانِمَارِكيَّة، والأَلمانِيَّة .
-نشرَت يومِيَّاته عن زِيارَة خاصَّة لِمدِينة شتُوتغارت الأَلمانِيَّة علَى مدى شهر بِاللُّغة الأَلمانِيَّة، والعرَبِيَّة على صفحة مِداد المُنتدى الأَدبِي الأَلمانِي العربِي على الإِنتِرنِت، وهي إِحدَى مشارِيع معهد جُوته بِالتَّعاون مع المُؤسسة الثقافِية الاِتحادِية الأَلمانِية؛ فِي مُناسبَة الاِحتِفاء بِالثَّقافة العربِيَّة فِي معرِض فرَآنكفُورت الدُّولِيّ لِلكِتاب فِي عام 2004 .
-شارك فِي العدِيد مِن النَّدَوات الفِكرِية مُتحدِّثاً، ومُحاضِراً في مدِينة القَاهِرة، وفرَآنكفُورت، وشتُوتغارت وهَآُوزِآَخ، والكُويت، ومَسقط .
-شارك فِي الكِتابَة فِي عدَد مِن المجلات الأَجنبِيَّة مِن بينها:(صحِيفة نزز) الَّتِي تصدِر مِن مدِينة زِيُورِيخ فِي الإتّحاد السِويسْرِيّ.
-مجلَّة فِكرٌ وفَن مِن إِصدار معهد جُوته فِي جُمهُورِيَّة أَلمَانِيَا الاِتحَادية.
-صحِيفة جامِعة واشِنطُن اليومِيَّة الَّتِي تصدِر مِن جامِعة واشِنطُن فِي الوِلَايَات المُتَّحِدَة الأَمرِيكِيَّة .
-حصل على جائزة مؤسسة ساويرس للأدب المصري في رواية ( أبناء الجبلاوي ) لعام 2012 في فئة كبار الأدباء.
-رشحت رواية ( معبد أنامل الحرير ) للجائزة العالمية للرواية العربية في 2016.
– رشحت رواية (مغامرة في مدينة الموتى ) و( مصاصو الحبر ) لجائزة الشيخ زايد.

المحطة الأولى: الطفولة والإبداع.

– ما هو السبب، الذي جعلك تخوض مشروع الكتابة؟ ولماذا الرواية بالتحديد؟

• أظنني انشغلت منذ وقت مبكر من عمري بالتدوين، بوصفه وسيلة للتعبير عن الذات. كانت لدي مشكلة كبيرة في التعبير الشفهي. وأظنني لم أتخلص -تماما- من هذا الأمر.
قضيت طفولتي منعزلا، أعيش في عالم داخلي، قوامه تأمل الطبيعة، والقراءة، وفي الطفولة التي قضيتها في مسقط بسلطنة عمان، ثم في الإمارات. لم تكن لي صداقات طفولة بالمعنى المعروف. وما زاد الطين بلة هو الخجل، فأنا شخص خجول جدا، وهي سمة لازمتني لفترة طويلة من حياتي، وأظنها كانت ناصعة في الطفولة. لكن التدوين الذاتي؛ بدأ يأخذ أشكالا مختلفة من بينها موضوعات التعبير في حصص اللغة العربية. وأظن أن علاقتي باللغة العربية كانت جيدة، ولهذا وجد مدرسو اللغة العربية خلال المرحلتين الإعدادية والثانوية تميزا في الأسلوب، أيّا كان الموضوع؛ الذي أتناوله، لكن التحول للشكل الأدبي لم يبدأ إلا خلال فترة الجامعة حين انشغلت بقراءة القصص في مجلة “القاهرة” ودوريات الإبداع والثقافة المختلفة مثل “الكرمل” و”إبداع” و”أدب ونقد”، وغيرها، أما الرواية فجاءت متأخرة بعد عشر سنوات من محاولة كتابة نصوص قصصية كنت أرى فيها محاولات لتجريب قدراتي في الكتابة الأدبية، وحتى اخترت من بين أكثر من 50 نصا كتبتها خلال تلك الفترة، عشر قصص مثلت كتابي الأول؛ الذي صدر في نهاية العشرينات من عمري، وبعدها جاءت الرواية، بعد محاولات مختلفة عديدة أيضا أسفرت في النهاية عن روايتي الأولى (كهف الفراشات).

– قال الكاتب صنع الله إبراهيم، أنّه عند بداية تأليف كتاب، ينهي كل مواعيده؛ ليتفرغ للكتابة. هل لك طقوس في كتابة الرواية؟ وهل للرواية اختلاف عن كتابة النصوص الأخرى؟

• يظل وضع الأستاذ، والصديق الكبير صنع الله إبراهيم بمثابة الظرف النموذجي للكاتب، كما أتمنى أن أوفره لنفسي يوما ما، وهو القدرة على التفرغ التام للكتابة. هذا نموذج نادر في الوسط الأدب العربي، لأن صنع الله يعد كاتبا متفرغا بشكل حقيقي، لا يلتزم بمواعيد عمل محددة، أو بوظيفة إلخ. بالنسبة لي، أنا أكتب في مقاهي خارج البيت، كلما أتيحت لي الفرصة، أي أنني أجاهد لكي أوفر يوميا بعض الوقت للكتابة، ولا يمكن أن أحصل على نفس قدر التركيز؛ الذي يتوفر لكاتب متفرغ تماما.
وبشكل عام فعملية الكتابة نفسها -مهما تغير شكل الوسيط- لها نفس الظروف تقريبا، لكن بطبيعة الحال سنجد مثلا: أن النص الروائي، قد يحتاج لفترات طويلة جدا لكتاباته، وبالتالي يحتاج للمعايشة، والانشغال المستمر بالشخصيات وتطورها، على عكس الدراما؛ التي تحتاج لقدرات أخرى، من بينها القدرة على العمل لفترات طويلة بشكل متواصل، كما قد تميل لفكرة الورشة أكثر من الرواية؛ التي تعد عملا فرديا بامتياز. أما القصة فهي أقرب للشعر من حيث احتياجها لنوع من الإلهام؛ الذي يبدو مثل دفقة شعورية. وفي النهاية كل شكل أدبي له قواعده الخاصة.

– ماذا وضعت لك الرواية؟

– المتعة، الشغف بمراقبة البشر، وملاحظتهم، من دون أن يشعروا بذلك، رؤية العالم بحياد، وموضوعية، زيادة القدرة على الوصف، والتأمل، وخلق لغة خاصة.

-إلى ما تحتاج كتابة الرواية؟

• الصبر والتأمل، وهناك مثال أردده كثيرا، أنني في بداية شغفي بكتابة الرواية، وتبيني لمدى صعوبة الأمر، سألت عددا من الكتاب الكبار، أذكر من بينهم مثلا: إدوار الخراط، ومحمد براده، وقد أجابني الأول، بأن كتابة رواية يحتاج لشجاعة، وكان علي أن أختبر معنى الشجاعة المقصود بنفسي لسنوات طويلة، لأدرك ما تحتاجه الرواية، كالتركيز، والقدرة على الرؤية في عتمة الخيال، ونحت عالم من العدم بصبر، ودأب، ثم تقديمه للعالم بشكل فني، وجعل اللغة أداة رئيسة في هذا المشوار الشاق.

– المحطة الثانية: التجارب تصنع المعرّفة.

– الكتابة صنعت لك فرصا، لحضور الملتقيات، والمسارح الأدبية، وتلقيح تجاربك بتجارب الآخرين. حدثني عن أثر الملتقيات، والمسارح الأدبية في حياتك؟

• منذ انتقالي للقاهرة للعمل بها، قبل أن اَنتهي من دراستي الجامعية، وفرت لي الصحافة فرصة عظيمة لهذا الأمر، فقد أتاحت لي لقاء نجيب محفوظ، لإجراء حوار صحفي، كما تعرفت بسببها على قامات كبيرة، كجمال الغيطاني، وإدوار الخراط، شكري عياد، فاروق عبد القادر، عبدالقادر القط، غالي شكري، أحمد عبدالمعطي حجازي، بهاء طاهر، أمينة رشيد، إبراهيم أصلان، المخزنجي، خيري شلبي، عادل السيوي، جابر عصفور، حلمي سالم، فريدة النقاش، رضوى عاشور، أليفة رفعت، فاروق شوشة، رجاء النقاش، فاروق خورشيد، يوسف القعيد، أهداف سويف، إبراهيم عبد المجيد، وعشرات من الكتاب العرب مثل ممدوح عدوان، محمد برادة، أمجد ناصر، قاسم حداد، سيف الرحبي، عبدالله الغذامي، بالإضافة إلى حوار شخصيات من ثقافات أخرى مثل جارودي، روبرت فيسك، وغيرهم كثر، لكن في الملتقيات أتيح لي أن أتعرف على أسماء كنا نسمع عنها فقط مثل محمد حسنين هيكل، أو محمود أمين العالم، أو سمير أمين، وكتاب من العالم العربي مثل أدونيس ودرويش وغيرهم، وكل من هؤلاء وممن لا أذكر الآن -بلا شك- فتحوا أفقا على أفكار جديدة، أو دعونا لتتبع أفكار، أو كتابات، أو كتب.
وككاتب -طبعا- أتيحت لي فرص لقاء الكثير من كتاب العالم، والمشاركة بخبرات من أهمها، وأقربها لقلبي تجربتي في ألمانيا كاتبا يومياتي في مدينة شتوتجارت بين فعاليات احتفاء معرض فرانكفورت بالكتاب وبالثقافة العربية، عام 2004.

– من خلال إلقائك واختياراتك للمواضيع والنقاشات مع القرّاء. أيهما كان أقرب ملتقى أو مسرح أدبي إلى قلبك؟

شخصيا شاركت في العديد من الملتقيات، ولكن في الكويت، أحببت تجربة المشاركة في ملتقى عرف باسم (ملتقى الثلاثاء) بقيادة الصديق الراحل الكاتب الكبير إسماعيل فهد إسماعيل، وخلال عدة سنوات قضينا وقتا رائعا في الإعداد، والمشاركة في هذا الملتقى، وحاليا أدير المشروعات الثقافية في منصة الفن المعاصر، وشغوف بتجربتي فيه.

– كيف تتخلص من تجربة تأليف كتاب إلى كتاب آخر، بفكرة، وطريقة تختلف عن السابق؟

• كان هذا الأمر في فترات سابقة يأخذ وقتا وجهدا، ولكني مع الخبرة أصبحت قادرا على كتابة أكثر من عمل في نفس الوقت، مثل الكتابة للناشئة ورواية للكبار، والتحرك بينهما من دون أن أفقد الخط المميز لكل منها.

– في أول لقاء لي معك، أخبرتني أن حياة الكاتب عبارة عن بحث مستمر، لكن لم تكتف بذلك، ثمّ قلت، إن الأسلوب واللغة هما شرف الكاتب. هل هذا ما كان يقصده الكاتب طه حسين؛ حينما قال: على الكاتب أن يكتب باللغة العربية، حتى يستطيع الجميع أن يقرأه، وألاّ تنحصر القراءة على فئة محدودة من الدول.

• لا، الأسلوب شرف الكاتب بأي لغة يكتب بها في الحقيقة، وجملة “الأسلوب شرف الكاتب” اقتباس اقتبسته من صديقي الكاتب الرائع مصطفى ذكري صاحب الأسلوب الخاص جدا بالمناسبة. أما بالنسبة لإشارتك لطه حسين فلا أعرف بالضبط السياق؛ الذي قال فيه ذلك، لكن يبدو لي أن تلك كانت دعوة للاهتمام باللغة العربية، وربما -كما فهمت- يقصد تجنب العاميات، وهي دعوة تجد هوى في نفسي بشكل عام.

– حدثنا عن تأثير الأسلوب، واللغة في مجالك الكتابي.؟

– حين تبين لي أنني في بداية الكتابة، أقلد أساليب الآخرين، مرة محفوظ، وأخرى إدوار الخراط. أدركت، -وذلك حين كنت في بداية العشرينات ربما- أن كل كاتب يجب ان يجد له صوتا يخصه، ولا يشبه أحدا آخر، وهذا ما يميز أي كاتب حقيقي، وبدأت في تتبع هذا الأسلوب في كتابات مختلفة، وكيف يفرض الأسلوب لغة محددة، فمثلا كانت كتابة الغيطاني ولا تزال، بالنسبة لي مدهشة جدا في فكرتها، وفي اقتراحها للغة خاصة جدا، خصوصا حين يكتب عن قصة عصرية، بلغة تخص زمن آخر، أو حين اقترح لغة التجليات؛ التي تمتح من الاعترافات الصوفية روحها، والتي طورها لاحقا في دفاتر التدوين. وهناك كتاب كثر أصحاب أساليب متميزة مثل دوستويفسكي، أو بول أوستر، والمخزنجي في القصة، أو كافكا. وغيرهم، هذا موضوع كتاب على أي حال.

– لقاء الكتّاب ببعضهم، هو لقاء العلم بالعلم، وهو ما يفتح للكاتب أفاقا أخرى. كلقائك بالراحل إسماعيل فهد إسماعيل، وصنع الله إبراهيم، وعبد الفتاح كيليطو… ماذا تعلَّمت منهم؟

• طبعا ليس بالضرورة أن يكون اللقاء بالكتاب مفيدا كما قد يبدو الأمر، إلا إذا كانت هناك مساحة خاصة بطبيعة الحال، بشكل شخصي، اقتربت كثيرا من محي الدين اللباد، صنع الله إبراهيم، إدوار الخراط، الغيطاني، حلمي سالم، فاروق عبدالقادر، بهاء طاهر، محمد المخزنجي، رضا البهات، عادل السيوي الفنان التشكيلي، قاسم حداد، وإسماعيل فهد إسماعيل. وهؤلاء -ربما- يكونون من أكثر من استفدت منهم، خبراتهم في الحياة، ملاحظاتهم في الأدب، أفكارهم. كان فاروق عبدالقادر له لقاء أسبوعي في مقهى التوفيقية، كنت أحرص عليه، رغم أنني كنت أزوره في منزله بين آن وآخر، وإدوار الخراط كنت اَلتقي به كثيرا في منزله، إضافة إلى لقاء أسبوعي كان يقيمه في منزله أيضا، ولقرب منزل صنع الله من مسكني في القاهرة أيضا، كنت أمر عليه بين آن وآخر، وهو نفس الأمر بالنسبة للراحل الكبير إسماعيل فهد. وكذلك كنت أمر بشكل دوري على حلمي سالم في أدب ونقد، ولكن في النقاش والحوار مع عادل السيوي متعة كبيرة؛ لأنه غزير القراءة، وموسوعي، ويقرأ بأكثر من لغة، ولا تتوقف معرفته بالفن فقط، وأفكاره في الثقافة البصرية مدهشة، وله تجربة في الترجمة عن الإيطالية، وفي إصدار مجلة “عين” التي كانت تهتم بالثقافة البصرية. كنت أمر عليه في مرسمه أيضا بشكل دوري. وكذلك لقاءاتي مع المخزنجي؛ التي تكررت سواء في المنصورة أو لاحقا في القاهرة، وفي المنصورة كنت التقي أسبوعيا بالصديق رضا البهات في وقت مبكر، فكان له دور كبير في توجيهي لقراءات، وأفكار مختلفة. وطبعا كانت هناك لقاءات أستفيد منها خصوصا من الصديقين مصطفى ذكري، وياسر عبداللطيف، وهو موسوعي، مطلع على الثقافة النخبوية، والشعبوية. وكذلك أستمتع بالحوار مع الصديقة منصورة عز الدين. وحاليا مع الصديق مهاب نصر، والصديقين عبد الوهاب الحمادي وسعود السنعوسي.

– كنت محاورا في بَعْض منصات الكتابة، ومن ضمنها كان الحديث عن ضفاف أخرى تضم مقالات نقدية عن إسماعيل فهد، وفلسفة بناء العقل النقدي. هل إدارتك لهذه الحوارات؛ كانت توقظ الفلسفة الذاتية لديك؟

• أريد أن أقول أن خبرتي في العمل الثقافي في الكويت، كشفت لي عن جانب يثير إعجابي بشدة، وهو وجود جيل جديد، مختلف، ومتميز، وأهم سماته القدرة على طرح أفكاره بوضوح، وعقلاني،ة وبأداء يتسم بالرقي، وبفهم معنى الحوار. أغلب أفراد الجيل لديه القدرة على التعبير عن فكرته بوضوح، وربما يعود ذلك لطبيعة الدراسة، لست أدري، وهذا الأمر لا يقتصر مثلا على مناقشة قضية فكرية، أو فلسفية؛ بل يجده المرء في مناقشة رواية، وكذلك في نقاش يتعلق بقصة مصورة (كوميكس)، وهذا ما يجعل العمل الثقافي في الكويت، ممتعا بالنسبة لي فعلا. لكن من جهة أخرى، أ اَعتقد أنه بالنسبة لطرحك أن العكس صحيح، أي أن شغفي بالفكر الفلسفي، يجعلني أبحث عن ‏الموضوعات؛ التي ترتبط بالفلسفة، بشكل ما. أحاول في إدارتي للفعاليات الحوارية ‏البحث عن أفكار فلسفية يمكن أن يخلقها النقاش.

– التقاء الكتّاب، يثبت الاختلاف الفكري بين الكاتب، والكاتب الآخر. هل هناك كاتب محدّد يشعرك بذلك، كلما التقيت به يزداد وضوح الاختلاف بينكما؟

• بشكل عام هناك اختلافات قد تأخذ شكل التباين بين رؤية جيلين لقضية ما، وأظن أن جيل التسعينات مثلا، كان يرى نفسه مختلفا عن جيل الستينات، من حيث تجنب السياسة والإيديولوجيا، وهناك انتقادات من هذا الجيل، لبعض أعمال، أو أفكار جيل الستينات، من دون أن ينفي ذلك -بالنسبة لي خصوصا- إعجابي بتجارب جيل الستينات الأدبية؛ التي أظنها استثنائية في النهاية، وبها تنوع في التجربة، ومحاولات لكتابة رواية مختلفة. لكن هناك -طبعا- في الوسط الثقافي العربي، تكوينات متباينة، تجعل الرؤى مختلفة جدا، وهو ما تجلى أكثر وضوحا خلال فترة الاستقطاب البشعة؛ التي يعيشها الشعب المصري حاليا بمن فيه المثقفين. شخصيا أنا الآن مختلف مع الكثير من أبناء جيلي، ومن المثقفين في الرؤى السياسية، لكن جماليا، وفنيا، هناك مشتركات عديدة.

– نجيب محفوظ في (أولاد حارتنا) ، وفرغلي (أبناء الجبلاوي).ماهي علاقتهما ببعض؟ هل أردت أن تكمل ما توقف عنده الكاتب نجيب محفوظ؟ أم وجدت أنّ (أبناء الجبلاوي) هي الجزء الناقص في (أولاد حارتنا)؟

• أبناء الجبلاوي هي رسالة فنية، من حفيد في سلالة الروائيين، إلى الجد المؤسس لهذا الفن في مصر، تقول أن نص المؤسس عاش طويلا وأثر في الأحفاد، أو بعضهم وأنا منهم، وأن جيلا جديدا يواصل المسيرة ولكن بأدوات جديدة، ورؤى مختلفة،، وبناء سردي غير تقليدي، أي أنها رسالة تشكر الجد بلون من الندية.

– مسميات الكتب شدّت انتباهي، خاصةً كتاب “جنية في قارورة ” لماذا هذا الاختيار؟ وهل التخيّيل يساهم أكثر في تكوين العناوين؟

يمضي الكتاب عادة -بالنسبة لي- وهو يحمل عنوانا مبدئيا، يبدو لي في البداية مستقرا، ونهائيا، ولكن خلال الكتابة، وأحيانا في نهاية الكتابة، تظهر جملة، أو تبرق كلمة تجذبني بقوة، لكي تصبح عنوانا بديلا، مع اعترافي بأنني بيني، وبين نفسي أعتبر موضوع اختيار عنوان لكتاب، أمرا شاقا، وربما مستحيلا، لأن أي عنوان، لا يمكن أن يعبر عن النص. لكن يبدو لي وكأن النص يختار عنوانه في النهاية بشكل ما.

المحطة الثّالثة : بعد البحث يتكوّن المعنى لدى الكاتب والقارئ 

– كيف كان لقاؤك مع الكاتب (ألبرتو مانغويل)؟

• أدين في فرصة اللقاء مع ألبرتو مانغويل للصديقة بثينة العيسى؛ التي حاورته في لقاء الإثنين، بمركز جابر الأحمد الثقافي بالكويت العام الماضي، وقد التقيته في مكتبة تكوين بالصدفة، واغتنمت الفرصة، لأعبر له عن إعجابي بكتبه عن القراءة والكتاب، وأخبرته أنني أدين له بكتابة مشهد في روايتي معبد أنامل الحرير مستلهما من كتابه المكتبة في الليل، وقد أبدى اهتمامه بذلك فوصفت له الأمر، والتبس عليه الأمر، إذ تصور أن الرواية ترجمت للإنجليزية، وأنه قرأ عنوانا لرواية عربية لها هذا المعني. لكن الحقيقة أنه قدم -في الأمسية التي أشرت إليها- محاضرة بالغة الفائدة، وقدم رؤى مهمة عن فهمه للكتابة، وتاريخها.

– المحطة الرابعة: التفكّر والفلسفة

– الأكذوبة السّردية، والحقيقية الروائية، تجربة (معبد أنامل الحرير)، (وهم الحدود المصنوعة بالدم)، (الرواية العربية الحديثة بين المسؤولية السياسية والجمالية)، (تجربتي الأدبية من التقليد إلى الإبداع)، (نجيب محفوظ عابر للأجيال)، (أعمالي لا تناسب كل أذواق القرّاء).
جميع ما ذكر كان نتيجة فكّر، لكن من بين هذه العناوين (أعمالي لا تناسب كل أذواق القرّاء). أليس الاختلاف كان سببا في إنتاجية الكاتب إبراهيم فرغلي؟

• صحيح، حين تبين لي أن الكاتب ينبغي أن يخلق له نبرة صوت خاصة تميزه، أحببت أن يكون لي أيضا أسلوب خاص؛ يميز كتابتي، يجمع البناء السردي التجريبي بالخيالي، ومحاولة تحويل الخيال؛ ليبدو واقعا، والواقع ليبدو خياليا، وهذه المحاولات التجريبية لا تناسب الكثير من القراء خصوصا من يبحثون عن حكايات تقليدية لن يجدوها في أعمالي، فالأمر بالنسبة لي ليس إجابة عن سؤال: ما الموضوع؟ بل: من أي زاوية ينبغي أن نرى الموضوع؟ وكيف نسرد الموضوع سردا لا يتماهى مع الواقع؟ لأن رؤية الواقع تحتاج لأدوات أخرى، تضع الواقع في موقع الاختبار والفحص. وهذا أيضا ما يجعلني ميالا لوضع النص السردي كله في موقع تأمل القاريء: من الكاتب؟ وما النص؟ أسئلة أحرص أن توازي أسئلتي الأخرى.

– المحطة الخامسة: مجرّد إنجاز يشمل الصورة، والصوت، ومن بينهما فترات زمنية.

– من بين آخر أعمالك ذات الصدى العالي، (رحلة الأندلس في خط ابن راشد) في إحدى المجلات.

• نعم نشرت رحلتي في اقتفاء أثر ابن رشد في مجلة الكويت مؤخرا، وهي رحلة مرت بمراحل عديدة، بدأت بقراءات عديدة حول سيرة ابن رشد، ثم لبعض آثاره، واكتشافي أننا بالفعل لا نعرف عن الرجل إلا شذرات و(كلاشيهات)، وانطباعات مبتسرة، تشبه ما قدمه يوسف شاهين في فيلمه عن ابن رشد. ومع تعمق البحث عن ابن رشد؛ الذي تبين لي أنه لا يزال يدرَّس بجدية في الغرب، وأن آثاره في تفسير أرسطو وصلت لنظرية في العقل باسم ابن رشد، قررت أن أزور المدينة؛ التي ولد، ودرس بها، وعاش فيها، قرطبة، وبعض المدن الأخرى؛ التي قضى بها جانبا من حياته مثل، إشبيلية التي قضى بها فترة قاض للقضاة، ثم إلى البلدة التي نفي إليها، على يد المنصور، وهو أليسانة، قبل أن يعفي عنه، ويذهب إلى مراكش. وأعتقد أنني لا بد أن أستكمل الرحلة بمراكش. ابن رشد فيلسوف مهم، ويحتاج لقراءات عربية رصينة، وهناك بعض الكتابات المهمة عنه بالفعل، من بينها كتاب: ابن رشد في مرايا الفلسفة الغربية الحديثة. لأشرف منصور، وعديد الكتب التي كتبها باحثون مغاربة، ولكن تحتاج للانتشار.

-أول تجربة لك لكتابة قصص الناشئة، كتاب (أراجوز البحر ). ماذا أضاف إليك؟

صحيح فقد كتبت ثلاث روايات للناشئة قبل هذه التجربة، ولم أجرب الكتابة القصصية لهذا العمر، وبالتالي كانت مغامرة؛ تحتاج للاحتشاد بروح القصة، والتكثيف. مع محاولة الاستحواذ على شغف قارئ هذا العمر؛ الذي يعد متطلبا بعض الشيء، وليس من السهل جذب انتباهه في ظل الميديا الجديدة، وقد حاولت فيها إضافة جانب حديث، لبعض الشخصيات التراثية الفنية المعروفة، أو مزج الواقع بالأسطورة في قصتين أخريين، ولا زلت أنتظر ردود فعل القراء الشباب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *