مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

محمد جبران* كانت الساعة الثامنة ليلا عند دخولي المدينة للمرة الأولى، أخذتني الده …

عندما يزورك الوجع مرتين

منذ سنة واحدة

351

0

محمد جبران*

كانت الساعة الثامنة ليلا عند دخولي المدينة للمرة الأولى، أخذتني الدهشة؛ شوارع فسيحة، بنايات مرتفعة، واجهات زجاجية مصقولة، لافتات دعائية مشعة، سلاسل من الفلل المكسوة بالرخام تصطف على جنبات الشوارع الخلفية.

هناك في البعيد؛ إشارات ضوء حمراء تومض باستمرار من أبراج عالية … هذه هي المدينة التي طالما سمع عن بذخها ابن القرية الصغيرة، التي تنام في أحضان الظلام ما أن يختفي النور خلف جبالها العظيمة! انحرف السائق إلى طريق فرعي صغير، ظل يضيق كلما تعمقنا داخله … هل تركنا المدينة خلفنا واتجهنا إلى بلدة أخرى؟ طرأ السؤال في خاطري ونحن نتقدم ببطء شديد عبر شوارع ظهر عليها التعب والانهاك والعتمة، لم أدر أن هناك وجه آخر للمدينة!
تغير نمط البيوت، أصبحنا داخل حي شعبي مزدحم بالبشر، بيوت متهالكة، تتداخل وتتشابك في غير انتظام.

وضعت حوائجي القليلة في بيت أحد المعارف، وقفت أمام النافذة أتطلع إلى حشود المارة القريبين من يدي، استمعت بفضول إلى لغطهم، وإلى ضجيج منبه السيارات الذي لا يمل من الصراخ. كان الجو ساخنا، صاحب المنزل اضطر إلى إغلاق النافذة عند تشغيل المكيف، هديره المتواصل عزل صخب الخارج نهائيا.

قبل أن أخلد إلى النوم، بقيت منتعشا، في تجربة أولى، تحت تدفق مياه الدش الدافئة. كان موعدي في اليوم التالي الساعة الثامنة صباحًا في مبنى القبول والتسجيل في الجامعة. أحد الأصدقاء ممن سبقني إلى الالتحاق بالجامعة، كان هو دليلي وواسطتي. توجهنا إلى مكتب العميد بعد تعثر أوراقنا في مكاتب الموظفين، أدخلنا سكرتيره مباشرة، أذهلني مكتبه الفاخر، كان رجلا ضئيلا وسط كرسي مكتبه العملاق، لم ينظر إلينا، وقع أوراقي وناولها صديقي في صمت. انتهت إجراءات التسجيل وتم قبولي في إحدى الكليات العلمية.

مر الفصل الدراسي الأول ثقيلا، لم تكن قاعات الكلية الصامتة ومعاملها الباردة التي أرغب الدراسة فيها، كنت أتمنى الالتحاق بكلية الآداب، أشعر أنني أستطيع خلالها التغلغل في نسيج المجتمع الكثيف والمعقد وفهم أسراره، مما اضطرني فيما بعد إلى تغييرها.

كل شيء في المدينة كان جديدًا ومثيرًا؛ المحلات التجارية، الازدحام، المطاعم، الأجواء الرطبة، انكسار أمواج البحر… غیر أنھا بلا مطر ولا عصافير ملونة ولا سماء زرقاء كسماء القرية الباردة. لفت انتباهي أجساد الأفريقيات المكتنزة، وهن قابعات طوال النهار خلف حاويات النفايات في ظاهرة غريبة جمعت بين الجوع والامتلاء. في المساءات، كثيرا ما كنت استرق النظر إلى ما خلف أغطية النساء، إلا أنني لم أملك الجرأة للاقتراب منهن، حتى جاء ذاك اليوم الذي تأبطت فيه إحداهن ذراعي أثناء تسوقي في مركز المدينة الكبير، ذهلت من جرأتها.

أحسست أن أعين المتسوقين تنظر إلينا باستنكار، احتقن وجهي ورحت أنقل نظراتي بينهم بقلق. ضحكت من خوفي، كانت ضحكتها مغرية، أخذت تربت على يدي لتخفف اضطرابي. قبضت على معصمي وجرتني إلى ممر صغير خال من الحركة. أزاحت الغطاء الشفاف عن وجهها، أثارني جمالها، صرخت في ذهول؛ يا الله … ما أجملك، بدت أنيقة وناعمة. استجمعت شجاعتي، وحاولت تقبيلها، أدارت وجهها إلى الناحية الأخرى، كان عطرھا كثیفًا ومركزًا، لم أشعر بمثل هذه الرغبة منذ تلك اللحظة البعيدة التي تلقيت فيها أول قبلة.

سألتني: هل لديك سيارة؟
أجبتها بالنفي. ولا سكن بالطبع؟ ما زلت طالبًا في الجامعة. لم ترق لها إجابتي، أدركت بأنني مفلس، لا أملك شيئا سوى جسدي النحيل. اختفت ابتسامتها الواسعة، سحبت يدها بلطف وقالت: أشعر بأن أحدهم يراقبنا، الأفضل أن أذهب الآن، أعتذر منك، فرصة سعيدة. كدت أتوسل إليها لتبقى، لكنها غادرت، تركتني أنظر إليها في حيرة وحنق؛ ربما ذهبت للبحث عن زبون آخر تستدرجه إلى الرذيلة، يا لها من ساقطة! هكذا عبّرت عن إحساسي الشديد بالألم والخذلان. لم يمر ساعة على لقائي العاطفي حتى سمعت صوت عنيف لصرير عجل سيارة، تبعه صوت ارتطام … هرول بعض المتسوقون إلى مصدر الصوت، سألت حارس الأمن؛ ما الذي يحدث؟
أجاب باقتضاب: امرأة ُدهست. مكان الحادث يغص بفوضى بشرية؛ نساء، رجال، أطفال.
قلت لشاب يقف أمامي: هل ماتت؟ لم يعرني أي انتباه.
اتجهت إلى آخر، كانت عيناه تفتش عن حقائب النساء وسألته: هل ما زالت تتنفس؟
حدق في وجهي لحظة ثم هز كتفيه وقال: لا أعلم. لعنتهم جميعًا في نفسي. تسللت بين الكتل البشرية إلى أن واجهت المصابة. يا للمفاجأة، إنها تلك التي اصطحبتني قبل قليل.

كانت ممددة على الأسفلت بلا حراك، الدماء تسيل من أنفها. حدقت مندهشًا في وجهها الشاحب وحقيبتها الأنيقة وكعبها اللامع بجانبها. نقلني المشهد مع رائحة الموت إلى ماضي القرية، مستحضرًا ثياب شمس الرثة وحذاءها الممزق. شعرت لحظتها بأن جزءًا من روحي عاد؛ رأيتني فتًى في الخامسة عشر من عمره ينتمي بإحساسه الصافي والعميق إلى تلك اللحظة السحرية التي اقتحمت فيها شمس براءتي، لم يبق شيئا جرى بيننا إلا وطاف بمخيلتي، وكأنه الزمن الوحيد في حياتي. كانت تقول بابتسامة ودودة كلما رأتني أسير وحيدًا؛ كيف حالك يا طائري الجميل؟ كنت أبتسم في خجل وامضي في طريقي، ظلت ترقبني وأنا أكبر … كثيرًا ما كان ينعتها أهل القرية بالمجنونة.

الحقيقة أنها لم تكن كذلك، هذا ما أدركته متأخرًا، كانت تحتاج لشخص یعتني بقلبھا. اهمالهم لمشاعرها جعلها ترتعد عند كل انفعال وتفقد سيطرتها. بدأ الليل يشد أطراف ستارته حين أوقفتني، كنت عائدًا إلى المنزل آخر الغروب.

الدروب خالية من المارة، لا صوت، لا همس يسمع في الجوار. أخذتني إلى ركن صغير، أجلستني على مقعد حجري، جلست بجواري وقالت: اقترب مني، لا تخف، لقد أصبحت رجلا. تنهدت بعمق وقالت؛ انتظرت هذه الساعة طويلًا، لن افرط فيك حتى لو لقيت حتفي. بدا وجهها دائريًا وشفتاها غليظتان، عيناها واسعتان ومرتبكتان.

انحبس الريق في حلقي وقلت في نفسي: ما لذي تود فعله هذه المرأة؟! اسمع، بما أنك أصبحت رجلا، سأعترف لك، سأبوح لك بسر بقي زمنا في قلبي؛ أنا أحبك ولا أستطيع الاستمرار في إخفاء مشاعري تجاهك أكثر من ذلك، لقد تعبت من أجلك، هل فهمت؟ ماذا؟ نعم، أحبك.. أحبك، قالتها مرارًا.

باحت بكل شيء، لكنها لم تجد أي رد، كنت في حالة صدمة، فكرت في الهرب، لكن خفت من ردة فعلها، ربما ترتكب حماقة أكبر، -يا لغبائي، كنت حذرًا أكثر من اللازم وبعبارة أدق، جبانًا-.

توقفت عن محادثة نفسي.. سمعنا وقع خطوات قادمة، توقفت أنفاسنا، بلغت دقات قلبي ذروتها، وضعت يدها على صدري، مر أمامنا شبح، يبدو كشيخ يسير ببطء، لم يلتفت، ربما لم ينتبه لوجودنا.

 نهضت فجأة وكأنها تذكرت شيئا مهما … وقبل أن تغادر رمقتني بعينين تترجرجان بالدموع، كان فيهما رجاء بألا أنساها وألا أبوح بسرنا لأحد، هكذا فهمتها. اشفقت عليها ووددت لو رجعت وبادلتها القبلات والحكايات لكنها رحلت.

كان الظلام قد حل عندما غادرت. قمت من مكاني على مهل، شعرت بدوار، ملت بجسمي على الجدار، رأيت في وسط حشد الظلام القادم، عيون القرية الغاضبة تنظر إلى بشزر وألسنتها تمتد نحوي لتلسعني باللعنات، مشيت بخطوات صغيرة في الاتجاه المعاكس، وصلت البيت متأخرا، بقيت في الخارج إلى أن هدأ لهاثي. لم أذق طعم العشاء ولم يغمض جفني طوال الليل.

جلست أكرر المشهد عشرات المرات، كلما شارف على نهايته أعدته من جديد. لم أستطع التحرر من شهيتها، ظلت لحظتها تطاردني بعد أن تخطت إثارتها إلى ما وراء الجسد… إلى الروح. حتما ليس حلما عندما سمعت الناس عند بزوغ فجر الیوم التالي ينادون في فزع بعضهم بعضا، وعويل النساء يشق سكون الصباح وهم متجهون إلى بيت شمس.

سقطت شمس من الطابق العلوي ولفظت أنفاسها فورا، ودعت العالم بلا ضجة ولا صراخ ولا شهود، أو تفاصيل أخرى. أصبح الجسد الذي كان مشتعلا بالأمس، باردا بلا حراك. رأيت وجهها من بعيد، بدت لي عيناها تبحثان عني، ابتسمت لنظرتها وقلت بغير وعي؛ أحبك .. نعم أحبك بلا حذر ولا تحفظ، أحبك بلا خوف ولا تردد … فقدت السيطرة على دموعي، بكيت … وظللت انتحب في صمت. تهادى إلى سمعي صوت امرأة كانت تهمس في أذن صاحبتها: الحمدلله، بموتها ارتاحت القرية من جنونها.

انتابتني حالة كره وحقد تجاه تلك الشريرة، القيت عليها نظرة ازدراء وقلت: هذه تهمة حقيرة، لم تكن مجنونة، كانت مرعوبة من ألسنتكم الطويلة واتهاماتها اللعينة. تقدمت خطوة باتجاهي وقالت بنبرة ساخرة: أعلم يا صغيري مدى حزنك على فقدها، لأنك لن تتذوق طعم شفتيها الشهي بعد اليوم … لكنني أشفق عليك كثيرا لو علموا أهلها فيما بعد.. غمزت لي بزاوية عينها الخبيثة ثم أدارت ظهرها وابتعدت.

تجمدت في مكاني، لم أعد أملك القدرة على الكلام، ظلت تدور التساؤلات في مخيلتي: هل عرفت هذه الحيزبون ما دار بيننا بالأمس واطلعت على سرنا؟ هل هي الشبح الذي مر من أمامنا؟ هل ستفعلها وتذيع الخبر وسط الناس؟ …
أيقظني من الماضي اصطدام أحدهم بكتفي … ما تزال المرأة ممددة على وجه الشارع، الناس تغادر المكان، لا أحد يهتم بها، جلست بجانبها، نظرھا ملتصقا بالأرض، لمست جبینھا، كان باردًا … في الجهة المقابلة، تقف هناك وحيدة، شابة لها وجه نحیل وعينان حادتان، ظلت تصرخ باتجاھي؛
هيه … اطمئن، ستقف على قدمیھا، وتذھب إلى مكان آخر لا تحتاج فيه للبحث عن علاقات رديئة في الممرات الضیقة. لا بأس … لقد أعتدت الأمر. أجبتها بنبرة خافتة.

*كاتب من السعودية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود