مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

شمعة أحمد جعفري* في الرابعة عشرة، ولم يكن له قدٌّ يستطيع بلوغ النخل، ولا مخاطبة …

العاصفة

منذ سنة واحدة

290

3

شمعة أحمد جعفري*

في الرابعة عشرة، ولم يكن له قدٌّ يستطيع بلوغ النخل، ولا مخاطبة الأرض الصلبة بفأس القوة، قالها لأبيه غير ممازح: “أريد أن أتزوج”! تشَّكل الضحك عاصفةً عمَّت المجلس، وترقَّق له أبوه في الكلام، لكن دوامة السخرية ابتلَعت في قرطاسها كل حديث.. احمَّرت الوجوه من شدة القهقهة حتى لم تدع للعيون تجاويف تبيت فيها، وازرقَّت الشفاه وكان عهدها –قبل كلام سعيد- أن تحمَّر.. “ابن عبد الرحمن يريد أن يتزوج؟”، قالوها ولم يفتحوا فما ! “إنما سميتك سعيدا لتسعد”، قالها أبوه وهو ينخرط في نوبة الضحك معهم. في الليل اقترب من فراشه، وسأل ولده الذي لم يستطع بلوغ النخل ولا مخاطبة الأرض بالفأس: “تحبُّها؟!” – “نعم”، ابتسم وتدثَّر من الخجل تحت الملاءة. أكمل: “وهي تعرف أنني أحبها”. – “ما زلت صغيرا” ، قالها الأب مبتسما لا ضاحكا ! فيرد الابن: “اخطبها لي، ولنتزوج بعد أن أنهي دراستي”. وعده أبوه إن تفوق في دراسته وأنهى ثانويته، فسيسمح له بخطبتها بعد عامين، ولم يخف بعد أن خلَّف ابنه وراءه تعجبًا زاره، وضرب أخماسه في أسداسه: “لا حول ولا قوة إلا بالله.. هم جيل، ونحن جيل”! عرفت جدران ذلك الحي، والمتلصصون، والفضوليون، وأصحاب الهمة، وطار الخبر، غير أن الناس يتناقلونه بخافت الصوت، وبهادئ النبرات: “سعيد سيتقدم لخطبة العنود.. الله يعينه”. ولما وفى الولد بوعد النجاح، لم يدع لأبيه المتعجب غير ارتداء الجلباب. سأله التريث، فلم يرض ابنه، وذَّكره برغبته التي أثارت عاصفة الضحك في تلك الليلة، وأنه (بعد عامين من الحادث) ما تغير قلبه، ولا تبدلت مشاعره.
عاصفة أخرى صحبتهم في السير، كادت تعيدهم إلى بيتهم.. يسيرون فلا تتحرك أقدامهم في غير موضعها، يقول عبد الرحمن لولده: “إنها يد الرحمة ترجونا أن نرجع.. فلنعد”! لكن وجه الابن الذي خلا من كل بسمة قطع كل كلام! كانت الأشجار ملقاة على جوانب الطريق، كأنها جثث قتلى بعد قتال طويل، والشارع خال.. خال إلا ممن تدثر بعباءته وغطى وجهه، وتحت ملابسه يرتعد ويرتعش. وعمدة الحي منتظر على باب دار أم العنود، يأخذ بيد عبد الرحمن وسعيد، ويهز الثلاثة رؤوسهم، ويجلسون دقائق ليخرجوا. مغاضبًا كان ينظر عبد الرحمن لولده آسًفا نظر الولد إلى أبيه مربتًا على الكتفين تقدمهم العمدة.. انتهت الحكاية، وظل الانتقاص الذي تعرضوا له، والرفض البات من الأم محور حديث أسابيع وأشهر. وستبقى صورة العنود، وهي تضحك في وسط الرجال وأمها محفورة في ذهن سعيد، رافضا أن يتجاوزها، منتظًرا موقًفا أمام رب العالمين لينتصف المظلوم! عمّ الحي الهدوء والسكينة بعد أن أخذ أهله قيلولة من مشَّقة الترميم، وذات صباح، وقد تغير وجه الأرض، ارتفع صوت من نافذة منزل بالحي: “سرقونا.. حسبنا الله ونعم الوكيل”. كان منزل العنود. – “هل من أحد تشكين فيه؟”، سألوا الأم فأجابت باسم ولد عبد الرحمن. هو الذي طمع في ابنتي، عرف أنني امرأة ترملت باكرا وليس لنا بعد الله من أحد، فاستغل خروجنا عند أمي، وسرق مدخرات عمر كنت أريد أن أتركها لابنتي المنقطعة! قالت ذلك، وأَّمنت البنت!
– هل أنت متأكدة؟

– نعم متأكدة.

ومضى العمدة يقدم رجًلا ويؤخر أخرى!

ولما أخبره بطلب حضوره لأمر عند أم فلانة، شمر ساعديه، وأشار لأبيه أن هيَّا، وظنا أن الصلب لأن، وأن الجليد سال، وأن العاصفة قد ابتلعها قلب الأرض الطيبة. وقال سعيد: “والله لا أنسى ضحكتها، ولا استهزاء أمها”! لكنه من صدمته عند السؤال، لم يدرك إلا “حسبنا الله ونعم الوكيل.. أنا ابن عبد الرحمن أسرق؟!”، “إن كنت فعلتها فالله يعلم ويرى… وإن كانت هي اتهمتني وظلمتني فالله يعلم ويرى”. لكن أباه على عجل همس في أذن العمدة بأن سيأتي له بالمال، وإن لم يكونا سارقين، لأنه يعرف لسانها، ويعرف قدر نفسه! نادى العمدة سعيًدا.. الطفل الذي صار شابا، القصير الذي صار على ارتفاع نخلة، الضعيف الذي أصبح على مقدرة الفأس الذي يضرب وجه الأرض، وقال له: “يا بني، الديان لا يموت، وأنت والله تستاهل كل خير، ولعل يأتي يوم تقول فيه العنود وأمها: ليتنا أنصفناه مرتين!”. وقبلت الأم ما لا تعرف وابنتها أن سعيًدا أنظف من أن يمد يدا عليه!

وبعد صمت العاصفة تقدم لها شاب كان لمحها في طريقه؛ طلب شربة ماء، وتجاذب معها أطراف الحديث، وتزوجا، وانقلب الحال، وارتفعت الأسهم، واشتريا سيارة، وتغيرت دار الأم وازينت، عام واحد ظهرت فيه النعمة، وتغير لون البيت! كانت سعادة متسرعة، وضحكة في يوم حزن، ورمدا في ربيع العمر!

وعادت العاصفة التي كانت خفتت في موعدها من العام التالي، ولم تهدأ مثل سابقتها، وفي مثل اليوم الذي سرق فيه منزلها، سقطت الأم مغشياً عليها، جلطة في المخ، وكسر في الظهر من شدة الوقعة، وفقدان الكلام.

الفتاة تنادي أمها/ ظهرها وسندها، فلا تجيب بغير دموع لا تستأذن لحظة النزول، وإذا بالفتى يستأسد، والنذل يكشف عن صفحته، والعنود ما معها إلا رقَّتها وصوتها المرتعش. تزوج عليها، وأخذ ما أعطى، وعاد في هداياه، وانقلب السحر على الساحر.. وخلت الدار إلا من طفلتين، تداوي كل منهما الأخرى، وإن بلغت إحداهما في السن عتيا!
أما سعيد، فما زال يعطي العمدة ليمنحه العنود وأمها ما تعيشان به، وأزال من قلبه كل حقد تجاههما، وتزوج.. هذه المرة فتاة في سن العقل، وأرسى حياة في ميزان الرصانة والاعتدال. يمر بأبيه في طريقه، يلثم يديه، ويسأله عما ينقصه، فيرفع الأب يده إلى السماء، ويقول له: “إنما سميتك سعيدا لتسعد”! وهدأت العاصفة، وظهرت الشمس، وأنبتت الأرض بعض زهورها المختبئة!

 

*كاتبة سعودية

التعليقات

  1. يقول رزقه شراحيلي:

    رائعه ومبدعه للأمام دائمًا بارك الله لك خطاك

  2. يقول فاطمة الجباري:

    بارعة في التقاط الأحداث وتصوير المشاهد مبدعة في تسخير الكلمات وكأنما سلسلة من الدر الثمين قد انتظمت في معاني الجمال متألقة أستاذة شمعة ..

  3. يقول محمد المنصور الحازمي:

    نص جميل من سياقه يمكن اسقاطه على ظواهر لاتخلو منها بيئة اجتماعية ، التراكيب اللغوية جيدة
    الإسراف بالفواصل في لقطة واحدة يمكن ترشيدها كي ينطلق السرد .. بالمجمل الفكرة مترابطة خلت من تدخل الكاتبة وهذا ما اسهم نقل الصورة كاملة .. امتناني لتألقك .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود