شعرية الغربة في قصيدة “سفر اللجوء”

بقلم: د. مصطفى الضبع*

 

تمثل الغربة واللجوء علامتين شعريتين لهما حضورهما في الشعر العربي، وتقوم العلامة الثانية “اللجوء” بمثابة العلامة الكاشفة عن مجال حيوي يعبر تمام التعبير عن وضعية إنسان العصر الحديث في بحثه عن مساحات رؤية يكون من شأنها الكشف عن مساحات حركته أو مساحات توقه للخلاص من أوضاع ليست مقبولة يوضع فيها في عصره الحديث أو تجبره عليها ظروف حياته العصرية.

شعريا لم يعرف الشعر العربي صيغة اللجوء [1]، وما ورد منتميا للجزر اللغوي جاء بصيغة الفعل (لجأ) الذي في الشعر العربي (95) مرة، منها إحدى وستون مرة في القديم، أربع عشرة مرة، منها في العصر العباسي والباقي موزعة على بقية العصور قديما، فعلى سبيل المثال وردت المفردة عند جرير ست مرات وعند البحتري ثلاث مرات، وبقية المرات في العصر الحديث (34 مرة) وهو ما يعني كونها مفردة حديثة بامتياز، مفردة يكشف تكرارها عن طبية اللحظة التاريخية المعيشة.

قصيدة “سفر اللجوء” [2]، تمثل علامة على عصرها ونصا يحمل طابع الحياة الإنسانية، القصيدة واحدة من قصائد الشاعر المغربي أبو فراس بروك، يحيلها عنوانها إلى نوع خاص من النصوص التي تطرح الغربة بمفهومها الحديث، غربة الذات التي تجبرها على اللجوء ولو مجازا إلى عالم خاص يرى الحياة بصورة لها طابعها الانعتاقي، لذا من الملاحظ أن المفردة في حركتها عبر الشعر العربي برزت بوصفها علامة لغوية تشارك في تشكيل المعجم الشعري لعدد من الشعراء من أصحاب الشخصيات الخاصة ، أو هؤلاء من شعراء الطراز الخاص : البحتري – ابن الرومي – المعري – الشريف الرضي – الفرزدق – جرير – رفاعة الطهطاوي – علي محمود طه ، وغيرهم .

بوصفه فعلا إنسانيا في سياق القصيدة الشعرية يطرح الشعراء اللجوء عبر صيغتين:

  • صيغة مباشرة تدل عليها مفرداتها.
  • صيغة غير مباشرة تدل عليها تقنيات القصيدة.

وهو مفهوم قديم طوره الشاعر الحديث جامعا بين الصيغتين مبرزا فعل اللجوء منذ العتبة الأولى للقصيدة (العنوان)، جاعلا منه سفرا يقيم منه مجالا حيويا لمكاشفة العصر عبر السبيكة الجامعة بين مفردتيها (السفر – اللجوء) حيث الأولى في إضافة الثانية إليها يمنحها بعض التخصيص، ويجعل منها نظاما يفرض نفسه على القصيدة، فالشاعر لا يخبرنا عن سفره للجوء بقدر ما يجعلنا ندرك السبيكة بمثابة التقنية التي يكتب بها الشاعر أكثر مما يكتب عنها.

تتشكل القصيدة من مجموعة من الحركات الإيقاعية التي تتشكل وفق حركة إيقاعية داخلية، تفرضها ظروف العلامة الشعرية، وتحيل إلى علامة لغوية تنقل المشهد من حركة إلى أخرى تالية، وفي الوقت نفسه تعمل على إحداث التماسك النصي الداخلي للقصيدة، فالمقطع الأول يعتمد ضمير الغائب:” 

لَمْ يَقْتَرِفْ دَمْعَـةً…لَكِنْ بَكَى حَــزَنـَا
وَكُـلّمَا قُلْتُ: يَكْفِي..!
زِدْتـُهُ شَجـنـَـا

فِنْجَانُ قَهْوَتِـهِ السَّمْـرَاءِ
فِي يَدِهِ،
يُتَرْجِمُ الْوَجَعَ الشَّعْبِيَّ
والمِحَنَا

قَدْ كان يبحثُ
عن أرْضٍ لِتَحْضُنَهُ
مَا بَيْنَ مَــوْتـيْنِ،..أضْحتْ أَرْضُـهُ كَفَنَا

مَا عَادَ يَشْعُـرُ..
مُذْ أَلْقَتْ رَصَـاصَتَهَا،
نَـامَتْ رَصَاصَتُهَا فِي صَـدْرهِ زَمَـنَا”

لا يكتفي الشاعر بطرح عدد من الصور التي من شأنها التعريف بالشخصية التي يقدمها شعريا عبر الصور الدالة ، وإنما يقيم معها حوارا دالا وكاشفا من شأنه التعريف بالشخصية وتقديم مشهد يكتسب حيويته من حركة الأفعال التي يستهلها بالفعل المنفي المؤهل لعكسه مستقبلا (لم يقترف) ، وما بين الإثبات والنفي يطرح الشاعر مجموعة الأفعال : بكى – يترجم – يبحث – عاد يشعر ، تلك الأفعال المسندة للذات في محاولتها الوقوف في وجه اللحظة التاريخية ، في مقابل أفعال تمثل نوعا من المجابهة ، مجابهة الذات والحد من فعلها ، وهو ما يمثل نوعا من تأهيل المتلقي لاستيعاب فعل اللجوء أو تمثله عبر القصيدة .

الشاعر هنا لا يقدم الإخبار عن الحالة بقدر ما يجسدها لتمثلها والوقوف على تفاصيلها ، فهو يصور غياب الشخصية عبر ضمير الغائب كما يطرح فعلها الحقيقي في إدراك طبيعة دورها التوعوي ، فهو يترجم الوج الشعبي بوصفه ضميرا لمجتمعه غير أنه يجابه برصاصة تنام في صدره زمنا ليجعلنا نكتم الأنفاس في محاولة للتعرف على فعل الرصاصة ، مطلقا حزمة من الأسئلة عن أثرها و هل أودت بحياته مثلا ، ويتركنا الشاعر لاهثين وراء البحث عن حقيقة ما يحدث وينتقل الشاعر بعدها إلى المشهد التالي الذي يستهله بطريقة تشويقية مغايرة للأولى ، عبر السؤال :

منْ أنتَ؟
“كَيْفَ عَـبَرْتَ اليمَّ دُونَ هُدىً
وأيّ بَوْصَلَةٍ قَـادَتْ خُطَاكَ هُـنَا؟

قَالَ الْغَـريبُ: أَنَا اْلمَنْفِيّ مِنْ وَطَنٍ
مِنْ المَنَافِي، إلَى المَجْهُــولِ يَــدْفَـعُـنَا”

فيكون السؤال الأول سؤالا عن الذات: من أنت؟، ويكون كاشفا عن الذات المخاطبة للمرة الأولى تصريحا بكنهها (قال الغريب)، مما يجعل من العلامة الشعرية بطاقة تعريف توجه المتلقي لكونها علامة مفصلية تحول الانتباه في بقية القصيدة إلى الغريب جاعلة منه وسيلة وعي ينتقل المتلقي إزاءها من خانة الهو إلى خانة الأنا عبر  صوت الغريب الذي يتردد عبر التلقي الذي يجعل من المتلقي صوتا يكرر صوت الغريب في كل مرة يحدث التلقي أو يطلق المتلقي صيحة الغريب : أنا الغريب، هنا يتفرق صوت الشاعر لا ليضيع ولكن ليثبت عبر  بقائه في أصوات الآخرين وتكراره عبر تكرار الحالة وتمثل المتلقين لها عبر الزمن ، وهو ما يعمل على أسطرتها صعودا بها إلى حالة تتجاوز واقعيتها إلى كونها حالة أعلى من مجرد تعبير عن الغربة التي يتفكك مفعولها في صوت الغريب:

أَنَا اْلمَنْفِيّ مِنْ وَطَنٍ

مِنْ المَنَافِي، إلَى المَجْهُــولِ يَــدْفَـعُـنَا” ذلك الصوت المطروح عبر تركيب دال في تشكله ومن ثم في معناه وما يطرحه عبر سلسلة من العلامات اللغوية:

الضمير (ضمير المتكلم أنا) وهو مبتدأ خبره المنفي (اسم مفعول وقع عليه فعل الفاعل ) وتعريف الطرفين (المبتدأ والخبر ) يمثلان أسلوبا للتوكيد والقصر ، غير أن التأكيد لحالة النفي لا يتوقف عندها وإنما يتجاوزها بما يؤكدها أيضا عبر شبه الجملة (من وطن ) في تركيبه من حرف الجر الدال على الانفصال أولا والاجتزاء ثانيا (لم يستخدم الشاعر عن الدالة على الانفصال فقط) ، غير أنه في سياق التأكيد يكشف عن سر النفي وفاعله (الوطن ) نفسه الذي يتشكل من المنافي المتعددة الدافعة إلى المجهول ، و قد أحسن الشاعر حين شكل الصورة من صيغة تتوالى ثلاث مرات (شبه الجملة : من وطن + من المنافي + إلى المجهول ) بوصفها مجموعة من الصيغ الدالة على معانيها والهادفة إلى تحريك ذهن المتلقي إلى فضاءات ثلاثة (وطن – المنافي – المجهول ) وعند المجهول يكون الدفع أقوى مما يتوقعه أو يستطيعه الإنسان لذا يكون منطقيا أن ينتقل المشهد إلى اللجوء لله تعالى :

الله
يَا وَاهِبَ الطُّـوفَــانِ هَـيْبَتهُ :
مَنْ يُقْنِع المَاءَ أَنْ لَا يُغْـرِقَ اْلُمُــدُنَـا ؟

فَــ”نُــوحُ” حَــارتِــنَا خَـارت قُــوَاهُ،
فَــلَمْ يُتْمِـمْ سَـفِـينَـتَهُ حَتَّى يُـخَـلّصَــنَا

وَاْلمَاءُ يَعْـلُـو.. وَمَا فِي البَحْـرِ مِنْ جَـبَلٍ
نَـأْوِي إِلَـيْهِ،
وَلَا شَـطٍّ فَـيَعْـصِـمنَا

وَشَـهْقَةُ الأُمِّ تَعْـلُو: اُنْجُ يَـا وَلَـدِي
وَلُعْبَةُ الطِّفْلِ تَحْـكِي كَيْفَ وَدَّعَـــنَـا

______________________

* أستاذ البلاغة والنقد بكلية الآداب، جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل.

الهوامش:

[1] – وردت الصيغة مرة واحدة في مقطوعة لابن رشيق القيرواني في معرض التعريض بأحدهم وذمه:

ما فُــــــــلانٌ إِلّا كَجيفَةِ كَلبٍ             وَالضَروراتُ أَلجَأَتنا إِلَيهِ

فَمَن اِضطَرَّ غَيرَ باغٍ وَلا عا            دٍ فَلا إِثمَ في اللُجوءِ عَلَيهِ

[2]https://fargad.sa/?p=3944

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *