المقاربة الموضوعاتية، قراءة في نقد ما بعد الحداثة_العنود المطيري

          المقاربة الموضوعاتية

            قراءة في نقد ما بعد الحداثة

           العنود المطيري

 

تعد الموضوعاتية واحدة من أهم النظريات النقدية التي برزت في نقد ما بعد الحداثة؛ لأنها انبثقت من مقاربات النقد البنيوي لدى فلاديمير مروراً برولان بارت، و باشلار، وصولاً إلى الأب الروحي للنقد الموضوعاتي وهو “ريشار”.[1] وهذا يعني أن بوادرها ظهرت في أوربا وتحديداً إبان ستينيات القرن العشرين مع موجة النقد الجديد، و متجاوبة بشكل من الأشكال مع تيار(ما بعد الحداثة)”[2].

 أما في العالم العربي فقد ظهرت متأخرة عن نظيرتها في العالم الغربي؛ نظراً لشيوع المنهج السيميائي، فنجد من تأثروا به وقاموا بتطبيقه: سعيد علوش، في رسالته الجامعية: “موضوعاتية القدر في روايات فرانسوا مورياك”، والعراقي عبدالكريم حسن صاحب كتاب: ” الموضوعية البنيوية، دراسة في شعر السياب”، وسعيد علوش في كاتبه: ” النقد الموضوعاتي”، و عبدالفتاح كيليطو[3]، وغيرهم ممن اهتموا به ردحًا من الزمن.

وحري بنا قبل الولوج إلى المقاربة الموضوعاتية الوقوف عند دلالتها اللغوية، والاصطلاحية؛ كي نستطيع تبسيطها وتوضيحها للمتلقي.
إذ يُشتق مصطلح (الموضوعاتي) في الفرنسية من “التيمة”، ولها عدة معان مترادفة كالموضوع، و الغرض و المحور، و الفكرة الأساسية، و العنوان، و الحافز، و البؤرة، و المركز … إلخ”.[4]
أما عند جان بول ويبر فقد استعمله بشكل “انطباعي وعفوي”، إذ أطلقه على الصورة المتفردة و الملحة في تكرارها و اضطرادها، و إلحاحها في عمل أدبي ما”.[5]
والمتأمل الدقيق يلحظ تعدد مدلولات المفهوم اللغوي للنقد الموضوعاتي؛ نظراً لتعدد المشتقات، والدلالات النابعة من أصل الكلمة.[6]

وقد أدت إشكالية المصطلح التي لازمته عن كونه أحد المصطلحات غير الثابتة في حقل الدراسات النقدية المعاصرة إلى صعوبة وضع تعريف جامع شامل لمفهوم الموضوعاتية. و لكن سنحاول الوقوف عند بعض المصطلحات الأكثر تداولًا في توضيح هذا المصطلح. و يطالعنا في هذا الصدد الناقد سعيد علوش، إذ يُعرفه بأنه : ” هو التردد المستمر لفكرة ما، أو صورة ما، فيما يشبه لازمة أساسية و جوهرية، و تتخذ شكل مبدأ تنظيمي و محسوس أو ديناميكية داخلية، أو شيء ثابت، يسمح للعالم المصغر بالتشكل والامتداد”[7]
وإذا انتقلنا إلى باحث آخر، هو الدكتور جميل حمداوي، فسنجده يعرفه قائلًا: “هي التي تبحث عن في أغوار النص لاستكناه بؤرة الرسالة، مع التنقيب عند الجذور الدلالية المولدة لأفكار النص، قصد الوصول إلى الفكرة المهيمنة في النص، وتحديد نسبة التوارد لتحديد العنصر المكرر فكريًا، سواء أكان ذلك في الشعر أم في النثر”.
فالمقاربة الموضوعاتية للنص الأدبي تقوم على استخلاص الفكرة العامة التي تسيطر على العمل الأدبي من خلال النسق البنيوي، و شبكاته التعبيرية بحثاً عما يجمع شتات النص في لحمة هارمونية منسجمة انسجاماً تاماً. ولا يحدث ذلك إلا بالقراءة الفاحصة المتأنية للعمل الأدبي، التي ترصد جنسه، و نوعه، و مرجعياته التناصية و الفكرية، و تقصي لغته و أسلوبه بما يحويه من حقول دلالية تنتج من كلماته وعباراته، إضافة إلى النظر إلى صوره البلاغية المتكررة في النص الأدبي اضطراداً و تواتراً.[8]
وتكمن أهميته في كونه يتعامل مع مثلث العملية الإبداعية المبدع، و النص، و المتلقي”؛ لأنها معنية بموضوع النص/الفكرة، ومعنية أيضاً بتحديد البصمة الإبداعية للمبدع، وهذا بالإضافة إلى سماحها بمساحة الجهد الذاتي للناقد/ المتلقي”.[9]

وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى أنواع المقاربات الموضوعاتية في النقد الأدبي، وهي: نقد موضوعاتي ذاتي انطباعي، و نقد موضوعاتي موضوعي، وموضوعاتية مضمونية، وموضوعاتية شكلية. كما أن ثمة موضوعية تأويلية مرجعية، وموضوعية بنيوية وصفية.

والسؤال الآن: ماهي الركائز المنهجية في المقاربة الموضوعاتية ؟.
عندما يتناول أي باحث المقاربة الموضوعاتية النقدية لابد أن يعتمد ويرتكز على بعض الأدوات و المبادئ التطبيقية التي تعينه على تحقق القراءة الموضوعاتية. ولعل من أبزر المشتغلين على هذا النوع، هو الدكتور جميل حمداوي إذ ارجعها إلى جملة من الركائز المنهجية، وهي النحو الآتي:[10]
-القراءة العميقة للنص وتبدأ من القراءة الصغرى إلى القراءة الكبرى، والانتقال من انطباعات الذات إلى التصورات الموضوعاتية.
– استخلاص مكونات النص التناصية، وتقصي التيمات الأسياسية و دلالتها فهمًا وتفسيرًا ؛ من خلال الدلالات المحورية، و خصيصة التكرار بالاعتماد على الجانب الدلالي من خلال الحقول الدلالية والكلمات المعجمية، وأخيرًا ما في النص من صور منفصلة.
– فهم الأفعال المحركة و المولدة للمعاني في سياقاتها النصية المختلفة ومحاولة تأويلها، ثم التدرج من الداخل النصي إلى التأويل الخارجي والعكس، مع ربط الدلالات الواعية بغير الواعية.
– الانتهاء عند البنية الموضوعية المهيمنة، مع تجنب التزيد في التحليل الموضوعاتي،  و اللجوء إلى الإسقاط القسري المتعسف.
و من هنا، حريٌ على الناقد الذي يتتبع القراءة الموضوعاتية أن “يرصد كل مفاتيح النص، و رموزه الموحية إحصائياً و تأويلياً، و كل هذا يبدو من خلال السياق النصي، والمعنوي للكلمات، والصور المتكررة”[11].

و نصل الآن إلى ذكر بعض الإيجابيات التي تميز بها النقد الموضوعاتي، وهي : انفتاحه على المناهج النقدية الأخرى؛ بسبب مرونته، و تمتعه بالحرية في الوصف والقراءة، حيث استفاد من علم النفس والتحليل الفرويدي و التأويل الهرميو نيطيقي و البنيوية اللسانية والشكلانية. فضلًا عن استيعابه لحسنات النقد الأسطوري، و امتلاكه للحس الفلسفي و النزعة الصوفية. إضافة إلى اعتماده على التصنيف المقولاتي، أو ما يسمى بنقد الأفكار وتحديد التيمات الكبرى أو الفرعية، أو استخلاص المشكلات أو المسائل الهامة في الأعمال الأدبية، رغبة في دراستها دراسة علمية موضوعية أو دراسة شاعرية مرنة.

والحديث عن إيجابيات النقد الموضوعاتي يقودنا للوقوف عند ذكر بعض سلبياتها، فمنها: السقوط في الدراسة المضمونية السطحية الفجة، و إهمال الشكل عند الموضوعاتيين الذاتيين، إضافة إلى الميل إلى التأويل الفلسفي والماركسي والفينومولوجي الذي قد يتعارض مع خصوصيات العمل الأدبي و وظيفته الجمالية و الشعرية، و الإيغال المبالغ في استخدام الشاعرية المجازية، و تشغيل التجريد الرمزي.[12]

وأخيرًا، لعلنا نختم الحديث عن المقاربة الموضوعاتية بهذه الخلاصة من الدكتورة سحر شريف: ” بأننا لا يمكن أن ننكر قيمة المنهج الموضوعاتي و انتشاره في النقدين الأوروبي والعربي فهو قادر على التعامل مع النصوص و النظر الكلي إليها و تحليلها تحليلًا موسعًا بغرض الفهم و التفسير و إعادة الإنتاج”.[13]

 

 

 

الإحالات:

[1]- ينظر: سحر شريف: النقد الموضوعاتي للرواية السعودية المعاصرة،ط1، ( ملتقى النقد الأدبي، الدورة الخامسة، النادي الأدبي بالرياض)، ص 201

[2]- جميل حمداوي: المقاربة النقدية الموضوعاتية، شبكة الألوكة,www.alukah.net>bookfile> moqaraba

[3]- ينظر: خديجة ميموني: النقد الموضوعاتي في كتاب ” سحر الموضوع عن النقد الموضوعاتي في الرواية والشعر” لحميد لحمداني, (رسالة ماجستير،جامعة قاصدي مرباح ورقلة، 2017م)، ص: أ

[4]-جميل حمداوي : مرجع سابق

[5]-  ينظر: سعيد علوش, النقد الموضوعاتي،  ط1، ( شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع،  الرباط، 1989م)، ص:12

[6]- ينظر: سعيد علوش، المرجع السابق: ص 12

[7]- المرجع السابق: ص: 13

[8]- ينظر: سحر شريف، مرجع سابق، ص 203

[9]- سحر شريف: مرجع سابق,، ص 201

[10]- ينظر: جميل حمداوي: مرجع سابق.

[11]- ينظر: سحر شريف،  مرجع سابق, ص 203-204

[12]- ينظر: سعيد علوش: مرجع سابق، ص: 31-37

[13]- سحر شريف: مرجع سابق، ص: 271

 

*ناقدة من السعودية

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: