الطفل والكتاب .. ابتعاد غامض وتقارب مفترض

مختصون يؤكدون أهمية القراءة في بناء جيل معرفي

الطفل والكتاب .. ابتعاد غامض وتقارب مفترض

 

إعداد – مضاوي القويضي

يعد الكتاب من أهم الأدوات التي تصقل شخصية الطفل وتبلور سلوكه وتحدد بوصلة وجهته الثقافية وقبلته المعرفية في إطارات مختلفة من الارتباط مع العلم والترابط مع المعلومة وفي مسارات مختلفة من هوية الذات وهواية النفس.

وفي إطار السعي الدؤوب لصناعة جيل قارئ  في زمن سطوة التكنولوجيا والثورة والتقنية حتى على عالم الطفولة.

فرقد، سبرت أغوار الموضوع في تحقيق صحفي تناول أبعادا عدة للوصول إلى خلفيات العلاقة بين الطفولة والكتاب وانعكاساتها في دروب القراءة والتعلم والنمو المعرفي والتفاعل السلوكي من خلال أسئلة عدة تتمحور في:

كيف يتم ربط الطفل بالكتاب وكيف نبادر لتوفير بيئة ثقافية لإنتاج مجتمع؟ إنتاج طفل قارئ؟  هل للمكتبة المدرسية دور وكيف يتم

وهل هنالك قصور في الإنتاج الخاص للطفل من قصص وخلافها وكيف ننمي هذا الجانب؟

وما دور الأسرة في توجيه أبنائها نحو الكتاب وهل أثرت وسائل التواصل الاجتماعي في سحب الأطفال إلى معسكراتها التقنية؟

وكيف يكونا القراءة والكتاب نواة لنشاطات اجتماعية وهوايات أخرى  محببة للأطفال؟

 

بدايةً تحدث الناقد والمستشار صالح الورثان بقوله:

سبحان الذي علم بالقلم، علم الإنسان مالم يعلم، لاشك أن القراءة محور ارتكاز صناعة الوعي الإنساني، والارتقاء المعرفي، والطفل بطبعه وفطرته شغوف بالاطلاع على محيطه، والنهم مما يعتبره جديداً على عقله ونفسيته؛ من هذا المنطلق فإن الطفل وبهذه التركيبة يعيش أهم مرحلة للتعامل مع الكتاب حسيا ومعنويا وثقافيا؛ أي أن الكتاب مصدر المعرفة، والرصد الفكري المستجد لديه. ومن هنا فإن القراءة للطفل، هي مشروع بناء الإنسان وتحديد توجهاته المعرفية والثقافية، وهي المدخل الرئيس للانطلاق صوب خوض التجربة الحياتية بما فيها من علم ومعرفة وتجارب ومحطات.

وأجزم يقينا.. أن الأسرة بكاملها مسؤولة عن تنمية حب القراءة لدى الطفل؛ لاسيما في ظل ما يكتنفه ويختطفه من ألعاب إلكترونية ومسليات وبرامج وتطبيقات التواصل الاجتماعي! ولأن المسؤولية أصعب من ذي قبل بحكم وجود الفضائيات والإعلام الجديد، كان لزاماً على الوالدين مشاركة الطفل في مشوار القراءة، وخلق بيئة محببة ومحفزة لنفسية الطفل ليتعود على حب القراءة بدايةً بالقرآن الكريم والأحاديث؛ ونهايةً بالقصص المصورة والجاذبة للتساؤلات الذهنية الكامنة في عقلية الأطفال.

وبلا ريب؛ فإن المكتبة المدرسية أهم بيئة لتنشئة الأجيال على حب الاطلاع والقراءة ومطالعة الكتب بمختلف أنواعها ، (الخاصة بالطفل).

إذن تتقاطع المدرسة مع الأسرة في هذا الدور المهم، ولذلك أقترح أن يتم التخطيط بين المدرسة وأولياء الأمور في إيجاد برامج ومشاريع ومسابقات من شأنها جذب الأطفال لهذا المسار التثقيفي الذي يلعب دوراً في تشكيل شخصية الطفل، وتحديد مسار نجاحاته المستقبلية. ومهم أن يشرف على هذه الخطط والمشاريع المختصون في مجال تربية الأطفال لتكون على أسس منهجية وعلمية مبسطة. ولا أرى أن ثمة قصور في الإنتاج الخاص بكتب الأطفال؛ بل هو غزير ومتنوع ومكثف؛ لكن المشكلة ليست في الإنتاج بل في تحفيز الأطفال على حب القراءة؛ وإبعادهم بطرق علمية عن وسائل التواصل التي غزت عقولهم؛ بل تسببت في تشتيت تركيزهم، وأثرت على ما أسميته بناء شخصية الطفل في مراحل حياته الأولى، وهي الأهم والأساس في تحديد هوية التنمية وبناء المجتمعات.

 

من جهتها قالت الكاتبة والمهتمة في مجال أدب الطفل فاطمة يعقوب خوجة:

أعظم منحة يقدمها الآباء لأبنائهم هي: توفير بيئة مناسبة لعقد صداقة بين طفلهم والكتاب.

هذه الصداقة تبدأ من الشهور الست الأولى لحياته، باختيار الكتاب المناسب لعمره، من حيث نوع الخامة المنتج منها الكتاب، والصور والموضوع

الأهم أن يرتبط الكتاب في مرحلة الطفولة المبكرة بالمتعة، والسعادة؛ فالطفل الذي يحتضنه أحد الوالدين ويقرأ له كتابا، طفل حاز حظوظ الدنيا كلها.

 

وعن كيفية توفير بيئة ثقافية لإنتاج مجتمع طفولي قارئ؟

– أكدت أن يتوفر الكتاب المناسب لعمر الطفل في كل مكان يتواجد فيه الطفل: البيت والمدرسة والنادي.

– أن يجد كتاب الطفل الدعم من جميع المؤسسات الحكومية والأهلية، بحيث يستطيع الأهل شراؤه لأبنائهم بسعر معقول.

– أن توفر وزارة التعليم لمكتبات رياض الأطفال والمدارس الابتدائية قصص الأطفال -على الأقل- القصص الحائزة على جوائز (لأنها قصص منتقاة، وقد مرّت على لجان تحكيم عديدة).

– أن تكون مكافآت الأطفال في المدارس الابتدائية ورياض الأطفال من القصص.

 – أن تنسق المدارس مسبقا قبل زيارة طلابها لمعارض الكتاب بأن يشتري كل طفل في المجموعة قصة مختلفة عن زميله، وتشجعهم على الاستعارة من بعضهم، وتبادلها فيما بينهم. عندها سيكون بين الأطفال قواسم مشتركة من الاهتمامات.

 – أن يستفاد من احتفالية اليوم الوطني بتوفير القصص التي تتحدث عن القيم الأخلاقية والاجتماعية كهدايا لأطفال المدارس الابتدائية ورياض الأطفال.

وحول دور المكتبة المدرسية أشارت خوجة إلى أن المكتبة المدرسية لها دور هام؛ قد تكون جاذبة للطفل وقد تكون طاردة حسب الكتب المتوفرة، ومدى ترحيب أمين المكتبة، والأنشطة المحفزة للقراءة فيها.

وعن القصور في الإنتاج للطفل قالت خوجة: أعترف ككاتبة أدب أطفال أننا في الوطن العربي عامة نعاني من قصور في كمية المنتج الجيد المقدم للطفل والذي يغذي عقله وروحه وخياله، ويشجعه على الإبداع والإنجاز.

وأضافت عن دور الأسرة في  هذا الجانب بقولها :حين ينشأ الطفل في بيئة تتوفر فيها مكتبة -ولو صغيرة جدا- وكتب -غير الكتب المدرسية- ووالدان يقرآن ويوليان القراءة جزءا من وقتهما. المتوقع أن تكون لدى الطفل مشاعر إيجابية نحو الكتاب والقراءة.

كما أن للأسرة دور كبير في تنمية التذوق الفني، والثقافي للطفل؛ بتنظيم زيارة للمكتبات العامة، أو المتاحف ومتابعة الأفلام الوثائقية.

وعن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في سحب الأطفال إلى معسكراتها التقنية؟ أكدت أن الأطفال صنع بيئتهم، ونحن مَن فرض وسائل التواصل على صغارنا لنسلم من إزعاجهم وصراخهم!

الحقيقة المسلّم بها، أنه لا يلزم أن نحظى دائما  بطفل غير متطلب، أو مسالم على الدوام، لكننا نحظى كوالدين بأجور مضاعفة، ومكانة عالية في التوجيهات الربانية، لأجل صبرنا على تربية أبنائنا.

فمعنى أن أكون أبا أو أما: أني -وبمحض إرادتي- قد وقّعت على وثيقة أتنازل فيها عن جزء من وقتي لأبنائي، وأنه لم يعد ملكا لي وحدي.

بالتالي فليس من الأمانة بعد ذلك أن أسلمهم ساعات طويلة لأجهزة التواصل الاجتماعي تروح وتجيء بهم، لأسلم أنا من  أصواتهم وضجيجهم.

 

من جانبها أكدت أستاذ الصحة النفسية والإرشاد النفسي المشارك بجامعة جدة الدكتورة الجوهرة عبد الله الذواد:

تعتبر القراءة إحدى وسائل الاكتساب المعرفي ووسيلة التواصل بين الحضارات ومعرفة أفكار الآخرين. كما أن لها أثرها المباشر في صقل وتنمية شخصية الفرد وللأسف يشترك الكبير قبل الصغير في البعد عن الكتاب والقراءة ومع أننا امة اقرأ… “اقرأ باسم ربك الذي خلق” لكننا لا نقرأ

١-  ولخلق بيئة تهدف  إلى الاهتمام بالقراءة لنبدأ بالأسرة والمدرسة فهما المؤسستان الأكثر تأثيرا على النشء  فكلاهما يتكاملان معا وكل له دوره المؤثر . وعلى الأبوين تهيئة مناخ يحبب الأبناء في القراءة بتوفير الكتب والصحف والمجلات والقصص المناسبة حتى يرى الطفل ويتعايش مع هذه المصنفات.

2- والمدرسة لابد إن تجهز مكتبة يرتادها الطلاب ويكون هناك لقاء يتم فيه مناقشة قصة ومعرفة تفاصيلها بمشاركة الطلاب هذه واحدة من صور ربط الطفل بالكتاب.

٣ – وحتى تتكرر هذه الصور  لابد أن نبادر  لتهيئة العقول قبل الميول ونوجه أبناءنا إلى قراءة الكتب والقصص الهادفة وذلك بأن نخصص ركنا ومكتبة مصغرة تحتوي العديد من الكتب والقصص والمجلات المصورة التي تحمل صفحاتها أدبا رفيعا وأهدافا وقيما سامية، ويشارك الأبوان الأبناء في الاختيار والقراءة والمناقشة مع التشجيع وبث التنافس بين الأخوة والأخوات ومكافأة الذي قرأ وأنجز. وكذلك في المدرسة يتاح للطلاب الاختيار من مكتبة المدرسة واستعارة الكتب والقصص والمحافظة عليها.

٤- لنتبع قاعدة العرض والطلب مما لُوحظ أن كتابة القصة للطفل والكتاب المشوق للطفل قليل ويفتقد كتاب الطفل إلى عنصر التشويق والإمتاع وهذا احد أسباب العزوف عن القراءة عند الأطفال ونتمنى أن تكون هناك لجان متخصصة يشترك فيها المتخصص اللغوي والخبير النفسي لتقديم نماذج لكتب وقصص  مشوقة وهادفة للطفل.

٥-  لقد فقدنا أبناءنا وأخذتهم وسائل التواصل وباعدت بين أفراد الأسرة كبيرهم وصغيرهم ولم يعد للكتاب أو القصة أي اهتمام فظهر جيل متعثر كتابيا وقرائيا وثقافيا وهذا هو التأخر الثقافي بعينه.

٦-  من الضروري الاهتمام بأبنائنا وتنمية حب القراءة لديهم .  ولتحرص المدارس فيما بينها لإثارة المنافسة بين الطلاب وتقديم مكافآت مجزية تزيد اهتمامهم وحرصهم، وربط قراءة قصة هادفة وتلخيصها ضمن معدلاتهم الدراسية.

كما لا يفوتني توجيه مراكز الأحياء أو الأندية الأدبية أو المهتمين بموضوع القراءة بأن يخصصوا عربات متنقلة تزور الأحياء والحدائق العامة تستهدف فئات الأطفال وتقدم لهم الكتب المبسطة والمشوقة والقصص الهادفة وتتم إعارتها لهم وتبادلها وتقديم حوافز وهدايا لهم. 

كيفية إعادة الطفل للقراءة والثقافة؟

في حين أضاف الدكتور عادل عامر، قانوني ومدير مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاجتماعية وعضو المجلس الأعلى لحقوق الإنسان ومن المهتمين بأدب الطفل:

إنّ ترسيخ عادة القراءة في ناشئتنا هي من أهم السلوكيات التي لابدّ من غرسها في نفوس أبنائنا، وهذا الاهتمام بالقراءة يساهم في تنمية ثقافة الأطفال الذاتية. إنّ ثقافة الأُمّة ما هي إلّا مجموعة من الطرق والوسائل التي تتضمَّن أساليب الإدارة وآلياتها، ونمط التفكير، وآداب السلوك والمعتقدات، فالطفل ينجذب إلى كل ما هو كبير ويمثل القوة، لأنه يشعر بصغر حجمه في هذا العالم الذي يتميز بكبر كل شيء من حوله، وبرؤيته الشخصيات الضخمة من الديناصورات التي تبتلع كل ما يقف في طريقها فهو تنفيس لما يدور بداخله بأن يصبح يوما ما كبيراً يقوى على أداء ما يفعله الكبار المحيطين به، ويبتلع مثلما تبتلع الديناصورات الأشياء من حولها.

إنّ الأخلاق والقيم التي تحكم الجماعة، وكذلك اللغة، ونمط العيش بما يتضمّنه من علاقات وأنظمة سلوك بين الأفراد من جهة وبين الأفراد والجماعة من جهة أخرى. لكنّ مَن يتأمل واقع المجتمعات العربية القدرة على القراءة هي حاجة حيوية للغاية، فهي تمهد الطريق للنجاح في مختلف المجالات سواء في المدرسة حيث بناء الثقة بالنفس، أو في خلق فرص عمله حيث تحفز الطفل على بناء توقعات عالية لنفسه في المستقبل، وهي بذلك عامل أساسي لتحقيق ذاته.

ومَن يتابع الدراسات والتقارير التي أُجريت في السنوات الماضية عن واقع القراءة وتأثيراتها يدرك التراجع الذي تشهده القراءة بشكل رهيب في كافة البلدان العربية يُضاف إليه قلة عدد المكتبات وتضاؤل أعداد دور النشر وهذه مؤشرات خطيرة تدل على الإهمال الذي تناله القراءة في زماننا من أبناء الأُمّة.

أمّا هذا الخمول والإهمال الذي يتصف به الإنسان العربي تجاه القراءة فيُهدّد الأُمّة بحدوث عواقب خطيرة في المستقبل كفقدان الهُويّة وضياع الموروث التاريخي الأصيل وضمور الأُمّة عن إنتاج المعرفة والوصول إلى القدرات العالية في التصنيع والإنتاج وإيجاد الأعلام الفاعلين في شتّى مجالات الحياة. القراءة عادة ومهارة تُنمى عند الإنسان، ولا تظهر فجأة بأن يستيقظ الإنسان من نومه ليصبح قارئاً، فهناك مراحل عدة يمر بها الشخص تؤدى بمرور الوقت إلى أن يصبح قارئاً مستقلاً ولديه الطلاقة في القراءة السريعة.

لا يخفى ما للمدرسة من دور فاعل في تشجيع الأطفال على القراءة وتحفيزهم على الاهتمام بها. ولا شكّ أنّ دورها متمم لدور الأسرة ومصاحب له. وبالتفاعل بين هاتين المؤسستين والتنسيق نحصل على مخرجات فاعلة وجيدة، التحدث عن الكتاب أمر هام، لا يقل في أهميته عن قراءته، وهذه هي النصائح التي تتصل بزيادة مهارات الطفل وقدرته على الفهم وفي التفكير النقدي: سؤال الطفل عن الكتاب أو القصة التي يرغب في قراءتها، والأطفال تحب أكثر قراءة مجلات الأطفال فلا مانع من البدء بها، والمداومة على شرائها للطفل، فهي من الوسائل التي لا تقل فاعليتها عن الكتب الأخرى في تنمية عادة القراءة لديه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *