الأكثر مشاهدة

أحمد بنسعيد* مقدمة يحتاج منا أطفالنا عددا من الكتّاب يتخرجون كل سنة. ليملأوا الف …

اكتب أيها الكاتب، أنت لها

منذ سنة واحدة

422

0

أحمد بنسعيد*

مقدمة
يحتاج منا أطفالنا عددا من الكتّاب يتخرجون كل سنة. ليملأوا الفراغ الحاصل، ويخاطبوا الطفل بلسان عصره المتجدد في كل وقت وحين في زمن أصبح يعرف سرعة متسارعة.
طبعا لا يبدأ هؤلاء الكتّاب من فراغ، بل يستفيد –ولا بد- اللاحق من السابق. استفادة مبدع وليس تقليد ببغاء. انطلق أيها الكاتب وغص في عوالم الأطفال، وافرض طريقتك في الكتابة، فالتفرد موجود بين بني البشر منذ أقدم العصور. واحترم كل أشكال الكتابة، شرط أن تكون موفقة في القرب من الطفل، خالية من السرقة وشوائب الأخطاء اللغوية والعلمية والنفسية والتربوية…
الأسلوب المتفرد:
قرأت جملة مهمة مفادها ما يلي (يبدأ أسلوبك حين تنسى أساليب الآخرين) التقليد أصل في الإنسان الذي يقلد المشي متعلمًا المشي، ويقلد الكلام متعلمًا الكلام وهكذا… وكذلك الكاتب فقد قلد كتابة الحروف –صغيرًا- وتعلم ضم الحرف للحرف، والجملة للجملة، والفقرة للفقرة… ولكن الكتابة التي نقصدها الآن ونحن كبارًا تسمى (الكتابة الإبداعية)، وليست نقل الخط من مكان ولصقه في مكان آخر.
حين يحدد الإنسان هدفه في الحياة، ويقرر أن يصير كاتبًا للأطفال، ويبدأ ويسمى (كاتبًا مبتدئًا)، فهذا ليس مبررًا أمامه لكي يعود لمرحلة طفولته ناقلًا لاصقًا… إن استمر على هذا فعن قريب سيُفضح أمام الجميع، وتكون انتكاسة له وصدمة لمتابعيه. والأوْلى أن يصير ملاحظًا مطلعًا لأنه دخل بحرًا يقال له: (الإبداع) في الكتابة.
فيلاحظ طرق وأساليب من سبقه، قارئًا ومطلعًا ومجربًا… فيستفيد من هذا ومن ذاك باحثًا عن نفسه. قد يكون الكاتب موهوبًا، نابغة في مجاله فيجد نفسه سريعًا مختصرًا الكثير من الوقت، وقد يطول به مقام التقليد فيقلد ويقلد.. ولا يشبع من التقليد.
انطلق أنت لها
ترى ما هي الكتابة للطفل بالضبط؟… هل هي حضور الورشات؟ هل هي قراءة مستمرة لا تنتهي عن أدب الطفل؟ هل هي جمع باقة هائلة من الكتب الخاصة بأدب الطفل كجمع الطوابع البريدية؟…
الجواب عن هذه الأسئلة واضح للعيان؛ إننا نتحدث عن عملية (الكتابة للطفل) وهي كما حددها عدد من الكتاب ببساطتها وبدائيتها التي قد تبدو للمتفلسفة عقولهم غير مقنعة: الجلوس أمام الحاسوب أو أمام الأوراق للكتابة للطفل.
إذ ما جدوى أن أحضر عشرات الورشات، وأقرأ المئات من كتب أدب الطفل، وأجمع الآلاف من الكتب… ولا أجلس للكتابة للطفل؟…
في مجريات (أسبوع الكتابة للطفل) عبّر لي البعض عن تهيّبهم الكتابة للطفل، خائفين أن يكتبوا كتابة رديئة ضعيفة للطفل… هذا الأمر يؤرقهم كثيرا، فأقول لهم: (اكتبوا كتابة رديئة، ثم بعد انتهاء (الأسبوع) شذبوها ونقحوها وانتقدوها كما يحلو لكم، فالأسبوع هو للكتابة فقط، انتهز لحظات هذا (الأسبوع) المخصص للكتابة فقط، اكتب –الآن- دون تفكير كبير، اترك قلمك يتحدث عن طفل وعالمه…)
إن عملية الكتابة تمر بمراحل عديدة، حتى تصل للمرحلة النهائية… الكتابة الأولى ينتظرها نقد وحذف وتشذيب وتعديل وتصويب وتزيين… وشكل وضبط وتقليب…
عودة للاختزال
وإن كنت تحرص أن تسمع مني نصائح في الكتابة للطفل؛ فإني أنصحك نصيحة لا أزال أكررها وأرتضيها وأعمل بها وأحبذها في الكتّاب وأنصح بها من استنصحني، أني لا أطيل في وصف المشهد، مركزًا على الأحداث. فمثلًا عند الحديث عن (شروق الشمس) لا أستعمل عشرات الجمل للدلالة على ذلك. وأكتفي بقولي: (أشرقت شمس الصباح) وأنتقل للحدث الثاني، بلغة واضحة بسيطة تخدم السرد في عمومه. وتوضح الأفكار والأحداث المتسلسلة بشكل منطقي غير مشوش.
الكاتب في هذا العصر يسعى لتكوين عقول مفكرة من خلال الحدث والسؤال والعقدة والحل وانعدام الحل… وليس لملء العقل باللغة، الموجودة في القواميس. غرضه إضافة لتحقيق المتعة تأسيس جيل مفكر مخترع مكتشف منتج … من خلال نسج الحدث واللعب باللغة لعبًا جديدًا ودقيقًا مع مراعاة توازن الاحتياجات الطبيعية للإنسان عقلًا وجسمًا ونفسًا وروحًا.
نعم هناك مواقف تستوجب الإسهاب قليلًا في موقف معين؛ مثلًا لقاء الابن بأمه بعد غياب دام عشرين سنة، أو شخص أصابته إعاقة أقعدته فجأة بعد صحة وعافية… ولكن ما بال (شروق الشمس)؟ إلا إذا كان موضوع الحكاية هو (الشمس، وشروقها) في حد ذاته. أما إذا كان الموضوع هو صراع حول لعبة ما ككرة القدم أو الغميضة… واستعمل الكاتب نصف صفحة أو صفحة لوصف شروق الشمس، فهذا إسراف بيّن. وضياع للجهد والوقت، ومساره في غربال النقد: الحذف.
حين يفقه الكاتب عصره، وحاجات الأطفال في عصره هو، حين يعلم أن الكتابة الآن أصبحت متبوعة بالسمعي-البصري التحريكي المسرحي… فإنه ينتبه بالتالي لحروفه وكلماته ولا يقدم للقارئ والمتابع إلا ما يسهل عليهم العملية برمتها: قراءة وتفعيلًا…

خاتمة
نعم أنت لها أيها الكاتب، ثق بنفسك واكتب للأطفال لا تتردد، ولكن لا تقلق على كتابتك وتظن أنك ستأتي بالجيد من الكتابات منذ اللحظة الأولى، نعم طبعًا قد يحدث هذا للمتمرسين الذين قضوا في الكتابة للطفل دهرًا، فيأتون بالجيد من الكتابات مع خطوطهم الأولى، ولكنه أمر نادر لا يحدث في كل الأحوال.
وقد علمتنا الصنعة أن نصبر على أعمالنا طويلًا كتابة وإعادة كتابة مرارًا وتكرارًا لتصير تحفًا وتنقش في صفحات مستقبل التاريخ، خاصة أننا نكتب للطفل في كل زمان ومكان، الطفل الإنسان الذي يتجاوز كل الحدود، هذا الكائن الذي يستحق منا أن تقدم له الأجود والأفضل في مختلف أعمالنا.

*كاتب للأطفال_ المغرب

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود