الأكثر مشاهدة

إعداد_أمينة فلاتة في سجلات الأدب لجأ العديد من الأدباء والمثقفين إلى استخدام الأ …

الأسماء الأدبية المستعارة بين الأسباب الخفية و التداعيات العلنية

منذ سنة واحدة

1211

0

إعداد_أمينة فلاتة

في سجلات الأدب لجأ العديد من الأدباء والمثقفين إلى استخدام الأسماء المستعارة خصوصًا في بداياتهم، الأمر الذي فرض العديد من التساؤلات عن خلفيات الظاهرة السابقة وتداعياتها اللاحقة والتي تراوحت بين السر والعلن، فرقد الإبداعية تسبر خفايا وأسباب تلك الظاهرة مع نُخبة من الأدباء من خلال المحاور التالية:

برأيكم ما هي الأسباب خلف استخدام الأدباء لأسماء مستعارة، وماهي الإيجابيات والسلبيات المترتبة على ذلك؟

هل استخدام الأسماء المستعارة وسيلة لإخفاء الاسم عن مقص الرقيب أو تحررٍ للفكر أو تجنبٍ لهجمات النقد، أم هناك انعكاسات أخرى  يتحاشاها المثقف؟

ما هي الأسس والأصول الثقافية التي من الممكن أن يلجأ فيها الأدباء لأسماء مستعارة؟

لا نزاهة في مستخدمي المعرفات الوهمية  

يعلق الكاتب والروائي عمرو العامري على طرح فرقد بقوله 

في اعتقادي أن المسبب الأول للاختباء خلف اسم مستعار هو الخوف، الخوف من الحقيقة الخوف من المجتمع الخوف من المواجهة، والأنثى عندما تكتب تحت اسمٍ مستعار تفعل ذلك بدافع الخوف من الزوج أو الأهل أو المجتمع، والرجل عندما يستعير اسماً هو يخاف من شيء ما، وقد يكون أيضًا عدم الثقة في الطرح أو المواجهة، و- شخصياًقد أتفهم ذلك أحياناً من أجل الأنثى وفي فترة معينة ولأسبابٍ مجتمعية ولكني لا أقره بتاتاً للرجل، ومن أولى أبجديات الثقافة والمثقف هي الشجاعة والوضوح والموقف والدفاع عن الموقف، ولهذا ففي أدوات التواصل الاجتماعي – مثلاًنرى من يكتبون بأسماءٍ مستعارةٍ تلوناً في المواقف وعدم احترام لغة الطرح والحوار تبلغ حد الوقاحة (مساحات تويتر مثالاً) لأنه أو لأنها تختفي أو يختفي خلف اسمٍ مستعاروفي ظني لا إيجابيات له، وشخصياً لا أتحاور مع أي اسمٍ مستعار أو صاحب كنية.

وإن سلّمنا باستخدام الأسماء المستعارة فرضاً في الإعلام الرسمي فما هي حجة الأسماء المستعارة في أدوات التواصل؟ ثم ولِمَ أحياناً التسمّي بمعرفٍ نسائي لاسم ذكوري؟ المبدع لا يفعل ذلك لأنه سيخسر إبداعه، والمثقف حريٌ به أن لايفعل ذلك، وكل مستخدمي الأسماء والمعرفات الوهمية هم مرضى نفسيين أو غير نزيهين.

وعن الأسس والأصول الثقافية التي من الممكن أن يلجأ فيها الأدباء لأسماء مستعارة يقول الأستاذ العامري:

 في نظري لا مبررات البته، كنا نلتمس العذر لمن يفعل ذلك في زمنٍ سابق أما الآن فما هي المبررات؟

الاسم المستعار وسيلة حضور للمرأة

ويخصص د. حسن النعمي حديثه عن المرأة وأسباب تسترها خلف الأسماء المستعارة  بقوله:

استحضار واقع المرأة من خلال الكتابة استحضار استثنائي، لأن تقاليد المرأة مع الكتابة لم تكن دائماً في حالة نمو طبيعي، بل إن اقتراب المرأة من الكتابة – مجرد الكتابة – كان مذموماً في تراثنا، وهو ما يزال في دائرة المراقبة في وقتنا الحالي، من هنا حدث التماهي مع (التقنيع) من خلال ابتكار آليات تساعد على الحضور الأدبي دون الوقوع في خطر المواجهة. وإذا كان هناك كاتبات قد غامرن بالحضور دون أقنعة، فإن ذلك لا يلغي بقاء القناع بوصفة سمة مرافقة للكتابة النسائية، ليس محلياً فحسب، بل وحتى عربياً.

ولعله من المفيد أن نركز على تجربة الكتابة النسائية في السعودية للتدليل على هذه الظاهرة في مجتمع ما يزال يوصف بالمحافظة رغم مظاهر التمدن المختلفة. الموضوع الذي سأتناوله قراءة ثقافية أكثر منها نقدية، مع الإحاطة ببيان القاعدة والاستثناء في ذلك، أي قاعدة اضطرار الكاتبات للتخفي بالأقنعة، واستثناء كشف القناع ودلالة هذا الكشف في سياق العلاقة مع المجتمع. ولعله من المفيد أن نحدد مفهوم القناع الذي نتناوله بالقراءة. فالقناع حائل بين الذات الكاتبة وبين مجتمعها. ولأن ذاتها مقنعة فموضوعها منزوع القناع بالضرورة. وهي الغاية التي تكتب من أجلها من تتوشح بالقناع، بل إن صنيعها هذا يُعد إنكاراً للذات التي يراقبها المجتمع، فإذا بها تنتصر على مجتمعها بالخروج إليه بفكرها لا بهيئتها.

وقد تنوعت أقنعة الكتابة حسب تموضع المرأة في سياقها الثقافي والاجتماعي. فهناك قناع يمثل الوجود الخارجي للكاتبة، وهناك قناع ذكوري يمثل دعم الرجل لحضور المرأة، وهناك قناع يمثله لجوء الكاتبة للاسم المستعار، وهناك قناع يمثله الرمز الأدبي أو التناص التاريخي لتغريب الكتابة عن واقعها. مع التسليم بوجود هذه الأقنعة بمستويات مختلفة، فإن ذلك لا يلغي بدء حركة التمرد على القناع حين مزقت المرأة الكاتبة أقنعتها، لكن هل بلورت خطابها بعيداً عن قناع ذاتها وأزمتها الوجودية مع الرجل؟ ولمقاربة هذه الإشكالية، سأركز على نمطين من الأقنعة، هي السائدة وهي الأكثر اتصالاً بالمعطيات الاجتماعية: الأول، قناع الاسم المستعار، والثاني قناع الكتابة الذكورية.

قناع الاسم المستعار:

المرأة تكتب لحاجة أبعد من الإبداع، تكتب لبلورة الذات النسوية في مقابل المجتمع الذكوري. فهي كتابة تبحث منذ البدء عن هوية الذات، وعن هوية الدور الاجتماعي، كتابة البحث عن الحقوق في مجتمع ينتقص من حقوقها. ولما كانت المرأة – تقليدياً – تمثل حد العيب الاجتماعي، ومقياس الشرف، كان حتى مجرد حضورها بالاسم يمثل انتهاكاً لشرف العائلة أو القبيلة. فالكاتبة أمام خيارين إما ألا تكتب، أو تكتب باسم مستعار. وخيار عدم الكتابة هو حكم بالفناء عليها، ولذلك فهو خيار مستبعد عند الكثيرات ممن يواجهن هذا التحدي. من هنا يصبح اللجوء لاسم مستعار وسيلة من وسائل الحضور، ليس مهماً في ذاته، بل في تمكين الكاتبة من التعبير عن فكرها دون التصادم مع امتدادها العائلي والقبلي. إذ ضرورة البوح بالفكر في هذه الحالة أهم من إثبات الذات أمام المجتمع.

يرصد الدرس التاريخي للأدب السعودي أن أول ظهور رسمي للمرأة كان مع طلائع الجيل الثاني في الستينات من القرن العشرين، عندما ظهرت كاتبتان باسمين مستعارين هما: (نداء، وغادة الصحراء). وهذا يشير إلى عدم تقبل المجتمع بعد لظهور اسم نسائي أدبي. وفي الستينات الميلادية أيضاً أصدرت (سميرة بنت الجزيرة العربية) سلسلة من الروايات تحت الانتساب لبيئة الجزيرة العربية دون أن تحدد انتماءها العائلي. ورغم أن تجربة سميرة بنت الجزيرة العربية تشكلت خارج حدود وطنها، إلا أنها عندما أرادت أن توجه خطابها لمجتمعها كان خيار الاسم المستعار حاضراً. إذن، هل جاء هذا الاستخدام لضرورة، أم لإثارة المتلقي؟ قد تختلف الدوافع غير أن تقنية القناع تبقى علامة بارزة دالة على جدل العلاقة بين حضور الكاتبة وغيابها.

وفي مطلع الثمانيات تظهر شاعرة متميزة تتعاطي كتابة القصيدة الحديثة، بروح حداثية منحازة لجدارة الإنسان بالحياة الكريمة. ظهرت قصائدها تحت اسمين مستعارين؛ مرة باسم (غيداء المنفى)، ومرة ثانية (غجرية الريف)، وتغيير الاسم المستعار يدل على مزيد من التخفي، فربما أن الأول قد افتضح أمره، فجاء الثاني ليؤكد لعبة القناع.
ولم تجد الشاعرة تبريراً بكشف اسمها الحقيقي فيما بعد سوى أن “ الظهور بالاسم الحقيقي (هيا العريني) جاء بمحض المأزق الذي وجدت نفسي قد سقطت في مستنقعه سواءً كان هذا المستنقع حلواً أو مالحاً. جاء أثناء الإعلان عن الأمسية ونشرته بعض الصحف وانفرط بعد ذلك العقد”وربما يجادل البعض أن ذلك كان في بداية عهد المرأة مع الكتابة، غير أن واقع الحياة الأدبية يعكس ظاهرة الاسم المستعار بوصفة وسيلة لتمرير خطاب غير سائد، ينطبق على الجنسين، لكنه يصبح في حق المرأة الكاتبة أحق بالحضور. فإضافةً لدوافع متجددة تبقى دوافع التخفي بفعل سطوة القبيلة والعائلة قائمة. ففي تجربة الكتابة بعد عام 2000م نرصد ظهور أكثر من رواية تحمل أسماء مستعارة؛ منها: رواية (القِران المقدس) ورواية (الآخرون)، الأولى لطيف الحرج، والثانية لصبا الحرز، وهما اسمان مستعاران. ومبرر ظهورهما جاء عطفاً على ما تحمله الروايتان من كشف للتابو، والخوض في محظورات اجتماعية ودينية. فخشية الكاتبات هنا مركبة، خشية من مواجهة المجتمع الذي تمت تعريته، وخشية من المساس بمكانة العائلة، من هنا يحضر القناع لتمثيل دور الحماية والستر، وهو ما يقي من سطوة الهيبة الاجتماعية التي تلاحق الكاتبات، حيث يفتقرن للسند الاجتماعي الذي يمكن أن يدعم أو يتغاضى. وإذا كان بإمكان الرجل أن يتعايش مع هذه الاشكالات الاجتماعية، فإنها قد تأخذ منحىً آخر.

الملاحظ في قناع الاسم المستعار أنه ظرفي ينتهي دوره بانتهاء ظروف وملابسات ابتكاره من أجل التخفي. فمعظم الأسماء المستعارة تكشف قناعها إما طواعية مثل سميرة بنت الجزيرة العربية التي قدمت نفسها بعد إصداراتها الأولى باسمها الصريح (سميرة خاشقجي)، أو عامل الزمن يتيح فرصة للظهور، وفي هذه الحالة يكون الاسم المستعار قد غلب، وانتهت وظيفة القناع إلى سمة أدبية مرافقة للاسم الصريح. فغادة الصحراء كشف اسمها على أنها (الأميرة مشاعل بنت عبد المحسن)، وغيداء المنفى على أنها هيا العريني، التي انقطعت عن النشر سنوات طويلة قبل أن تعود باسمها الصريح. ما الذي تغير؟ هل تغيرت التجربة الاجتماعية من حولها، أم رغبة في الحضور الصريح واستدراك ما فات؟ فمنذ التصريح باسمها شاركت في أمسيات متعدد في أندية أدبية في الرياض والمدينة.

لا يوجد سبب مقنع  للمقايضة بالإسم الحقيقي

ويجيب الشاعر شفيق العبادي على محاور القضية بقوله: 

لم تكن ظاهرة الأسماء المستعارة من قِبل بعض الكتاب محصورة بمدى زمني أو جغرافي محدد بل تشابكت لتصبح من أبرز الظواهر القابلة للحفر والتقصي بصفتها مفردة مفتوحة على مروحة من التأويل لأسماء تشعبت جذور مسبباتها، وشكل كل واحد من أصحابها علامة استفهام انطلاقاً من ظرفه الثقافي والاجتماعي. وقد استقصت كثير من الكتابات هذه الظاهرة لأسماء أدباء وكتاب مشهورين عبروا عالم الكتابة على جسر من حجارة، أسماء مستعارة بامتداد التاريخ الإنساني حتى أن بعضها صادرت الاسم الحقيقي لتستأثر هي بالصدارة،  إلا أن ثمة سبب مضمر قد حمل كثيراً من الأدباء على ركوب هذه الموجة وهو خلق هالة من الغموض والدهشة حولهم لاستفزاز وتحفيز بؤرة التلقي واستثارة أسئلتها المفتوحة وملاحقة كافة التفاصيل الموحية لظلال الاسم. لكن إذا كان هذا يصنف من الإيجابيات التي قد تخدم الكاتب إلا أن ثمة سلبيات من أبرزها ضياع حقوقه لقابلية السطو على نتاجه وانتحاله، والمراوحة في مجاهيل التاريخ في حال انعدام اللحظة المناسبة لتجلية اسمه الحقيقي لأي ظرف من الظروف.

ولم تقتصر ظاهرة انتحال الأسماء المستعارة من قبل الكتاب على سبب واحد فمن خلال استقصاء أسماء الكتاب الذين اتخذوا أقنعة، حيث شكلت للبعض مساحة فائضة من حرية التحرك من خلال انتحاله لأكثر من اسم كوّن كل منها سيرة حياة كاملة منها عالم الاجتماع والفيلسوف، والشاعر والناقد الأكاديمي. أي أن التحرر الفكري هو أحد العوامل لإخفاء هوية الكاتب. وقد يكون السبب هو تشكيل الكاتب لأسلوبه الخاص في زاوية قصية من الظل من خلال اختباره أنواع أدبية وأساليب فنية قبل اعتماده أسلوبه الخاص في سجلات الأدب. كما أن بعض الأسباب  كبالون اختبار لردة فعل المتلقي بعيداً عن الاسم الحقيقي المحمول بإنجازات الكاتب، وقد يكون أيضاً – وهو الأهم – احتيالاً على مقص الرقيب والهروب من شفراته المسننة، وهناك أسباب يطول سردها تضيق بها هذه المساحة الضيقةوبالطبع رغم وجود أسباب قد تكون وجيهة لركوب موجات الأسماء المستعارة استطاع البعض جرّ الأقراص إلى ناره و اختصر البعض من خلاله مسافات للوصول لغايته واكتشف آخرون أسلوبهم الخاص بعيداً عن كشّافات الظهور المحرقة إلى آخر تلك الأسباب، إلا أنه لا يوجد سبب مقنع يحمل الكاتب للمقايضة باسمه الحقيقي والتخفي وراء جدران الأسماء المستعارة مهما رجحت كفتها حيث يتعارض ذلك مع روح المغامر والمجالد التي تسكن كل مبدع.

الاسم المستعار اختيار حر وجسر للعبور

وترى القاصة استبرق أحمد من الكويت أن كل اسم مستعار أراه قناع له صور متعددة، نرتديه وفق  كوامن مبرراتنا، فما سبب وجود قطعة قماش سوداء ضئيلة تحيط برأس شخصية “زورو وتكسبه اسمه المغامر؟ لماذا انحازت الشعوب القديمة لأقنعة تحمل مضامين فكرية أو عشائرية ولا تغفل إسباغ اسم وعنوان لمن يرتديها؟ و كم مرر القناع/الاسم على الوجوه الراكدة تعابيره وحكاياته، فمن ينسى  المسرحيات الإغريقية و لعبة الممثل ؟ القناع/اسم مستعار / جسر للعبور عما نريده ونتعمده، وسيلة تحجب أو تظهر ما نتمناه، اختيار حر و طليق بعيداً عن القيود التي تنشأ بين الكاتب وبين ذاته، في رغبته بعدم الإفصاح والإضمار لأفكاره خاصة المضادة للسائد في مجتمعه، وببساطة قد يكون وسيلته للابتعاد والفرار المؤقت عن اسم خائب ولصيق لم يختاره،  فالاسم هوية أيضًا.

في بداياتي، وجدت في الآلهة منيرفا حلاً يمثلني، ربة الحكمة و الفنون الوحيدة المولودة من رأس أبيها، وكان اختيارها تحيّة لوالدي المتوفى، أما الاسم المستعار الذي له وجه الرقة والضباب فكان يدعى”سديم، واخترته لإسدال غلالة التخفي بعيداً عن دائرة العمل، محاولة لإغماض عين الرقيب فيها، اسم  لم امتلكه طويلاً، لكنه وشم نصوصي في كتاب تجارب الشباب الصادر عن منتدى المبدعين الخاص برابطة الأدباء، فظل يذكرني به كلما جاءت فرصة لاستذكار التجارب البعيدة لنصوصي.

المستعار يمنحنا الحرية ويحرمنا تخليد أسمائنا

وتعدد الأديبة فاطمة وهيدي من مصر مسببات هذه الظاهرة حيث قالت:

لا تُعد ظاهرة استخدام الأسماء المستعارة من قِبل الأدباء (رجال ونساء) في مجال الفكر والإعلام والأدب ظاهرة جديدة، فقد انتهج هذا النهج الكثير من الأدباء، في الشرق والغرب، قديماً وفي العصر الحديث.
ويظهر جلياً أن كثيراً من الكُني والاسماء المستعارة لكُتاب ذوي شهرة كبيرة أضحت لها الغُلبة، بحيث لم يعُد يُعرف الاسم الحقيقي للأديب، ف (موليير) الأديب الفرنسي المشهور ماهو إلا اسم مستعار، كذلك (فولتير)، أما الكاتب المعروف (جورج إليوت) ما هو إلا اسم مستعار للكاتبة الإنجليزية ماري آن إيفانس، وقد ذكرت بعض المصادر الإحصائية أن الكُتاب الاسكوتلنديين هم الأكثر استخدامًا للأسماء المستعارة، يليهم البولنديين، ومن أكثر الأسماء المستعارة شهرة في الأدب العربي نجد الأخطل الصغير (الشاعر اللبناني بشارة الخوري) والشاعر الكبير أدونيس (علي أحمد سعيد).

وإذا تحدثنا عن أسباب استخدام الأدباء أسماء مستعارة، نجد أن الأسباب تختلف، فقديمًا كانوا يستخدمونها لأسباب متعددة ومتنوعة مثل: من كانت كنيته بسبب عاهة أو عيب جسدي مثل الأعشى، أو كلقب يدل على الاستخفاف أو الاستهانة كالحطيئة، أو ما أشتق من حرف الشاعر كالرفاء والثعالبي.

أما أسباب اعتصام بعض الأدباء في العصر الحديث خلف قناع أسماء مستعارة قد يكون تسترًا لعدة أسباب.
فقد يكون جنس الأديب دافعا لذلك، فهناك كاتبات شهيرات برزن في عملهن الأدبي تحت أسماء رجال؛ وذلك هرباً من سطوة المجتمع الذكوري، وحتى يستطعن التعبير بحرية.
وقد يلجأ بعض الكُتاب إلى اسم مستعار حتى يكتبون بحرية بعيداً عن ثقل النقد والتوقعات مثلما فعلت (جوان رولينغ) مؤلفة سلسلة هاري بوتر، عندما نشرت أعمالها التالية مستخدمة اسم (روبرت غالبريث)

وكثيراً ما تلجأ المرأة الكاتبة إلى اسم مستعار حتى تعفي نفسها من الحكم المجتمعي المؤلم أو للهروب من الصراع الدائم مع طموحها الذي يسببه عدم المبالاة بقدراتها الفكرية وانجازاتها مثلما حدث مع الكاتبة المصرية عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)

ويظهر ذلك بوضوح في كتاب (غرفة تخص المرء وحده) لمؤلفته فرجينيا وولف، والتي افترضت وجود أخت للكاتب الشهير شكسبير، تمتلك نفس قدراته الإبداعية وموهبته الأدبية، وتساءلت هل كانت ستحظى بنفس مكانته الأدبية وحريته الفكرية؟!

وعلى عكس ما تم طرحه فيما سبق نجد أن البعض يستخدمون أسماءً مستعارة خوفاً من الشهرة كما حدث مع الكاتب (تشارلز دودسن) مؤلف (أليس في بلاد العجائب) والذي كان يُدرس الرياضيات في جامعة أكسفورد، وكان يخشى على مكانته العلمية.

وقد لجأ الكثير من الكُتاب لاستخدام أسماء مستعارة هروبًا من القمع السياسي وبطش السلطة وحماية لحرياتهم الفكرية وسلامتهم الجسدية.
والاختباء خلف اسم مستعار لا يعني أن يكون الكاتب ضد السلطة السياسية؛ فقد يكون من صفوف السلطة، ويستلزم وجوده التعبير بحرية عن بعض الآراء الفكرية والفلسفية ألا يعلن عن اسمه الحقيقي.

ومن غرائب الأسماء أن البعض لم يكتف باسم واحد، ومن أشهر الأمثلة الكاتب البرتغالي (فرناندو بيسوا) والذي استخدم أكثر من ٧٥ اسمًا مستعارًا.

ويتضح لنا أن استخدام اسمًا مستعارًا قد يمنحنا حرية في التعبير عن أفكارنا ولكنها تحرمنا من تخليد الاسم الحقيقي للأديب وكأنه يكتب بحبر سري.

خلف المستعار لن تكون ذا قيمة

ويلقي الكاتب والروائي علي الزهراني اللوم على مستخدمي تلك الألقاب والمسميات بقوله: 

الاختباء تحت ظل شجرة الخوف: هل نحن نملك الشجاعة في مواجهة أنفسنا أولًا: ثم مواجهة الآخرين، وما الذي يجعلنا نستظلّ تحت شجرة الخوف ولا نبرحها حتّى لا يرانا الآخرون ثانياً:  إن مواجهة النفس مهم جداً، ترك مساحات لنعبّر عنها مما نشعره بداخلنا هو منطلق الصراحة وإن خاننا ذلك في مواجهة النفس بالنفس، لا نستطيع أن نلجم الآخرين بأن ينتقدوا تصرفاتنا العفوية منها والمعلنة ولم ولن نتعلّم في طريق حياتنا والتي يكسوها الكثير من المشكلات، والصعاب، والآهات، والآلام، من كل هذا وأكثر فالأخطاء التي تسببت بنا أو من خلال أعمالنا أقوالنا أفعالنا هي الواجهة الحقيقية لأنفسنا ولا نستطيع أن ندسّ رؤوسنا في التراب كالطاووس، إذًا المواجهة مع أنفسنا هي بداية الصدق والصراحة والانطلاق للنجاح ومن صور ذلك أسماؤنا في كتابتها في مواقع التواصل الاجتماعي البعض بل لنقل الأغلب يخفي اسمه الصريح وينزوي خلف أسماء مستعارة ما أنزل الله بها من سلطان، والسؤال هنا والذي يطرح نفسه لماذا نهرول ذؤابة بعمل أكثر من حساب بمواقع التواصل الاجتماعي وخلف أسماء مستعارة دون أسمائنا الصريحة؟ خصوصاً من يتلمس خُطاه على طريق الإبداع بحجج أظنها واهية ؟
من ضمن هذه الحجج في بعضهم أنه يتخفّى باسمه المستعار حتى لا ينتقد ويكتب ويقول كل ما في خاطره وإن وجد في كتابته خطأ لا يلومه مَنْ يعرفه ! والسؤال الآن وكيف يا من وضعت اسمك مستعارا تتعلّم من أخطائك، فكل المبدعين بدأوا من خطأ يبدع لاحقاً لولا تعثرنا لما استطعنا الوقوف من جديد، خذ مثلاً واحداً حين كنّا أطفالاً هل وقفنا هكذا فجأة ؟! بل حبونا ثم سقطنا مرات ومرات حتى كسبنا مهارة التسنّد على الجدار أو بمساعدة والدينا حتى تمكنا من المشي على قدمين دون مساعدة أحد، كتابة أسمائنا الصريحة في حساباتنا هو السير على طريق النجاح والإبداع والتفوق بإذن الله، أيها المبدع والمبدعة لن تكون ذا قيمة إذا اختفيت خلف اسم مستعار بل اسمك الصريح هو أول طريق الصدق والتألق.

المصارحة والمواجهة تحرر من سيطرة المستعار 

وترى الروائية ليندة كامل من الجزائر أن الأسباب خلف استخدام الأدباء لأسماء مستعارة: الاسم المستعار، هو الجهة التي يلتجأ إليها الكاتب، في الغالب في بداية مشواره الإبداعي، طبعاً يختلف الأمر هنا بين الكتاب، حسب الجنس  الأكثر استعمالاً، النساء في الغالب تلجأ لكتابة اسم مستعار تحت نص من نصوصها، عند نشره في مجلة، أو جريدة، تحسباً، لردود الفعل على المستوى الشخصي أو العام، هناك كاتبات يخفين مواهبهن من أقرب الأقرباء، حتى تحفظ نفسها من أي رد فعل سلبي تجاهها، قد تتحرر في كثير من الأحيان، من النقد السلبي لسلوكها أو لأي نص تكتبه، نص عاطفي، نص سياسي، نص ناقد للوضع الحياتي، لواقع اقتصادي ،تعلمي ،..
ربما الهجوم يكون حسب الجهة الأقرب لها، خصوصاً إذا كانت تعيش وسط عائلة محافظة، ترفض رفضاً تاماً الاعتراف بمواهبها، أو قدرتها على الكتابة، الكتابة حالة شعورية تعري الكاتب عن كل الضغوط، وإلا لن تكون كتابة إبداعية، قد يخفي الكاتب اسمه ربما في حالة الخوف من سلطة معينة، سلطة المجتمع، المحافظ، سلطة النظام الحاكم، وغيرها.
– إيجابيات الكتابة باسم مستعار

أظن الكتابة باسم مستعار تعطي للكاتب حرية أكثر وتترك العنان لقدراته في الابداع، لكن عندما يصبح اسم المستعار رائجاً، سيجد صعوبة في تأكيد على هويته الحقيقية، قد نجد نفس الاسم لدى العديد من الكتاب، وهنا سيواجه مشكلة إثبات هويته الحقيقية، اظن أن الكتاب إن لم يتحلَّ بروح المصارحة، ويصارع كل الضغوط التي تمارس عليه؛ فإنه سيظل تحت سيطرة الأسماء المستعارة، التي في الغالب تثير نوع من النفور حسب رأيي، لأن الكتابة بالاسم الحقيقي تبين مدى القوة التي يتحلى بها من إيمانه بموهبته، إلى الايمان بأفكاره وطرحها دون مراعاة لأي رأي، فقط ربما يحتاج إلى أن يمتلك قوة الرد والدفاع عنها، وهل هناك دوافع تتعلق بتخويف الأديب من هجمات النقد، لقد اكتست الكتابة اليوم نوعاً من الحرية، وأصبحت متاحة للكثير من الناس، ولم يقتصر أمرها على كاتب معين، وأظن هذا الاكتساح  قائم على غياب النقد الأدبي، الذي يمكن من خلاله تصفية الجيد من الرديء، لهذا أصبحت الكتابة تتعدى الأسماء المعروفة، أظن غياب النقد أدي إلى استسهال عملية الكتابة، وبالتالي لا يوجد خوف من النقد لدى الكتاب الشباب، أظن أن الكتاب أصحاب الأسماء البارزة من تخشى النقد، وهذا النقد يختلف حسب الجهة الناقدة، بل هناك ما يسمى النقد المحاباة .لا أعتقد أن الكتاب يخفون أسماءهم خوفاً من النقد الغائب.

وعن  الأسس والأصول الثقافية التي من الممكن أن يلتجأ فيها الأدباء لأسماء مستعارة تقول الكاتبة ليندة:
أظن أن هذا يدخل في شخصية الكاتب في حد ذاته، من اختيار الإسم المستعار، لأن افكاره لا تتماشى مع ضوابط المجتمع، مخالفة للأعراف، مخالفة لواقع سياسي، وغيرها.
ربما خوفاً، ربما قلة شجاعة، ربما تعود إلى تركيبته النفسية، وخوفه من الفشل ككاتب، خوفه من أن نصوصه لا تصل إلى المستوى الذي يتمناه، وهناك بعض الأسماء تختفي حين لا تجد لها مكاناً، وبعضها يفصح عن نفسه حين يجد رواجاً  لنصوصه. تبقى فكرة الأسماء المستعارة تحقق حرية أكثر للكاتبة، في طرح أفكاره دون رقابة الاجتماعية، سياسية، أو ثقافية.

المستعار يكون لخدمة الأدب وليس للتناحر والتجاوز 

ويشاركنا الحوار حول طرح فرقد الدكتور هاني الغيتاوي من جمهورية مصر بقوله:
بادئ ذي بدء أود القول بأن ظاهرة الأسماء المستعارة هي ظاهرة عالمية تضرب بجذورها في عمق التاريخ الأدبي العالمي، ونجد صداها يدوّي بشدة في أدبنا العربي القديم والحديث. وتعني هذه الظاهرة استتار الأديب أو الكاتب خلف اسم مستعار بهدف عدم إظهار هُويته الشخصية نظرًا لظروف وأسباب عدة، كانطوائية الكاتب وخجله ورغبته في عدم الظهور، أو لخوفه من النتائج التي تترتب على نشره لمؤلفه وخاصة إذا كان يعرض فيه لحياته الخاصة، مما يجعله يقدم على التستر لتلافي الاصطدام بالمجتمع والاصطدام بعائلته، وقد يكون الباعث للتخفي والاستتار هو ضيق هامش حرية التعبير نتيجة عسف السلطة والممارسات الأمنية والبوليسية، كذلك وجود أوضاع سياسية خانقة تحول بينه وبين التعبير عن خلجات نفسه ووثبات وجدانه، وتنطوي هذه الظاهرة على إيجابيات، منها حماية الأديب إذا كان بالفعل يعيش في مجتمع سلطوي أو أوضاعه السياسية غير مستقرة ومضطربة، وقد يرى الأديب في هذا الاستتار مشروعًا خاصًا به يفرد فيه لطموحه الخاص، وقد يروم فيه طموحًا عامًا كرغبته في إحياء الأدب وتجديده، ومن سلبيات هذا الاستتار، يظهر مدى معاناة الأديب من الناحية السيكولوجية فيعمد إلى النفاق الذاتي، كما أنه يبين افتقاره للمواجهة، كما أنه يجعله يجنح إلى التجاوز وعدم تحري الموضوعية، قد يكون التستر وسيلة لإخفاء الاسم عن مقص الرقيب، ربما لجرأة ما يقدمه ومعارضته للسلطة الدينية أو المجتمعية أو مناهضة السلطة، وقد يكون تحرراً لفكره الذي يراه سوف يتقيد إذا أعلن عن اسمه الحقيقي، وأرى وجود اعتبارات أخرى، قد تكون تسويقية وإعلانية، وقد يكون الباعث لفت الانتباه، أو التأكد من جودة ما كتب أو الخوف من النقد، أرى أن الأسس والأصول التي يلجأ إليها الأديب إلى استخدام اسم مستعار هو أن يلجأ إلى ذلك مع اعتزازه باسمه الحقيقي وعدم التنكر له، وهذا ما فعله الشاعر والمفكر على أحمد سعيد الذي اشتهر باسمه المستعار ( أودونيس ) فقد اختاره بملء إرادته. كذلك استخدام الاسم المستعار يكون بهدف السعي إلى إيصال رسالة الأدب وليس استخدامه كوسيلة للتناحر أو تغليب فئوي أو حزبي، كما يكون الاستتار بهدف الاخلاص لرسالة الأدب وليس بغرض الإيذاء والتجريح والتجاوز.

الحل توثيق الإبداع تحت المسمى المستعار والأصلي 

ويشير الأديب والشاعر مجدي نضر خاشقجي إلى أسباب التخفي خلف المعرفات الوهمية بقوله:

تتعدد الأسباب حول استخدام الأدباء لأسماء مستعارة فقد تكون نتاج رغبة شخصية من الأديب لاسم أو لقب محبب له أو غلب شهرةً له والأمثلة كثيرة: أحمد شوقي (أمير الشعراء)، حافظ ابراهيم (شاعر النيل)، البارودي (شاعر القلم) ،خليل مطران (شاعر القطرين) واطلق أيضًا على جبران خليل جبران، بشارة الخوري (الأخطل الصغير)، وبعضهم استمر في استخدام الصفة التي وُسم بها وأصبحت ملازمة له.

والبعض الآخر اختار اسم محبب له كنسبة إلى  مدينته أو حتى البلد فقد كان يطلق على جبران خليل جبران أيضًا لقب (عبقري بِشِري) نسبة إلى مدينته.

والبعض اختار اسم مستعار لعدة أسباب أخرى، البعض منهم لعدم تقبل مجتمعه لأفكار قد تكون جنحت عن جادة الصواب في حينها حسب عقلية من حوله، أو أن يكون ذا صفة اجتماعية أو عائلية لا ترى مناسبة أن يكون من بين تلك الفئة من ينسب للأدب أو الشعر؛ بالتالي تصبح الرقابة المجتمعية عائق أمام الإبداع لاسيما وهي تخضع لمتغيرات كثيرة حسب الفهم والذوق العام والقدرة على فهم النص.

وإن كان ذلك سيتسبب في ضياع ما سيكتبه لصعوبة العزو للكاتب الأصلي مستقبلاً مما يفتح الباب واسعًا لكل مدعي أو أفَّاق. وقد يكون الحل لذلك في وجود مراكز متخصصة لتوثيق الإبداع مرتبطة بالجهات الثقافية يتم فيها تسجيل وتوثيق الإبداعات تحت المسمى المستعار والأصلي وتتم أعمال تلك المراكز بالسرية لمن أراد ولا أعتقد أن هذه الفئة التي تستخدم أسماءً مستعارة تشكل أكثر من ١%.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود