الأم و تنشئة الأبناء

بقلم: حصة بنت عبدالعزيز*

أبدأ مقالي بقوله تعالى:(الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌعِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌأَمَلاً)

أبناؤنا زينة الحياة الدنيا وخليفتنا من بعدنا وأمانة في أعناقنا أوصانا الله تعالى ورسوله الكريم بهم، وسوف نُسألُ عنهم يوم القيامة، ويكفانا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:كفى بالمرء إثمًا أن يضيِّع مَن يعول”  فالضياع قد يكون أخلاقيًا، أو دينيًا، وقد يكون نفسيًا، أو ماديًا.

عزيزتي الام:

الحب هبة ونعمة من الله على الإنسان منذ أن خلق الخليقة، فإن النصيب الأوفر من هذه النعمة يكون لمن هو مؤهل لها من حيث التكوين، ألا وهي المرأة دون الرجل؛ لأنها منبع الحب ونهر متدفق من الحنان والعاطفة ومهما قست فالأم لا تتكاسل في  العطاء بل تزداد وتحن أكثر من الرجل؛ لأن البارئ عز وجل أخصها بالعاطفة والحنان، فهي تغرس حب القيم الدينية والأخلاقية  بنجاح وبطريقة لاإرادية في نفسية طفلها وهذه حقيقة أكدتها الشريعة وتعاليمنا الدينية، فذاكرة الطفل صفحة بيضاء إذا لم تُملأ بالمفيد فستمتلئ بما هو موجود حوله بالاكتساب.

الطفل مقلد ومبدع في تقليد أبوية فلا بد من مراعاة سلوكياتنا وأخلاقنا أمامهم لنزرع  فيهم القيم والأخلاق الحميدة، ونوجههم التوجيه التربوي الصحيح، لنجني منهم ثمرة ما زرعناه فيهم مستقبلًا نحن والمجتمع والوطن بشكل عام.

عزيزتي الأم:

     الأطفال يملكون طاقة لا محدودة من الحركة والذكاء والكلام ومعرفة ما يدور من حولهم، وقد توقعك تصرفاتهم العفوية في إحراجك مع الغير، وهنا لابد منكِ التصرف السليم من ضبط النفس وكظم الغيض وعدم تعنيفهم، لكي لا تنكسر شخصيتهم أمام الآخرين؛ لأنه لا يدرك معنى لتصرفاته العفوية التي بدرت منه سواء في طريقة كلامه أو أكله، فالطفل غير مبالي بتلك التصرفات التي تصدر منه.

عزيزتي الأم:

  قبل نثرالبذورعلينا أن نختار الأرض الصالحة للزراعة، ثم المناخ المناسب لنموها حتى نضمن بإذن الله محصولًا سليمًا خالي من الآفات، يسُرُّ القلب والعين، والاقتداء بهدي المصطفى عليه الصلاة والسلام وكيف ربى أبناءه ليوجهنا في تربيتنا لأبنائنا وتحسين سلوكهم.

عزيزتي الأم:

سوف أسرد لكِ قصة حصلت مع إحدى الأمهات في تقويم سلوك طفلتها…

فقالت: تجربتي مع إحدى بناتي التي تبلغ من العمر الخمس سنوات، فهي تملك ذكاء وسريعة البديهة لما يدور حولها وأيضًا كثيرة الكلام (بالعامية) ثرثارة لا تكف عن الكلام ربما كانت رغبتها حب الاستطلاع واستكشاف العالم من حولها، وقدرتها العالية على التواصل الاجتماعي فهذا شيء جيد يصدر من طفلة بالنسبة لعمرها، وبعد التحاقها بالمدرسة ولله الحمد كانت متفوقة في دروسها، والكل يثني على أخلاقها العالية؛ لأني زرعت فيها الثقة لما وجدته فيها ولكن هناك خصلة بقية عالقة فيها وهي الثرثرة الزائدة بمناسبة وغير مناسبة والجميع يشكو من ذلك، فهي تحب الكلام وإظهار معلوماتها وذكائها، مما أوقعتنا في كثير من الإحراج مع الأقارب  والجيران، حينما نتحدث في شيء تقاطعنا وتكشف المستور من الأمور التي لا يحق للآخرين الاطلاع عليها ، فكم أفشت سرًا من  أسرارنا الأسرية ومع ذلك فالمحاولات مستمرة لإصلاحها وتقويم سلوكها فهي صغيرة في سن الطفولة وحب الظهور وإثبات الذات أمام الآخرين.

فسألتها كيف عالجت الأمر هل بالحكمة والروية أم بالتعنيف؟

فقالت لي أن لديها إحدى قريباتي اخصائية خدمة اجتماعية، فأطلعتها على المشكلة، فوجهتني توجيهًا سليمًا، وقالت لي: أن أستمع لها حينما تتحدث وأوظف كل كياني لها لي اشعرها بأنها محط اهتمامي، وأخبرها بألا تفصح عن أي شيء حتى تٌسأل، وبهذا تعززين في نفسها الثقة بالتوجيه والمراقبة والتواصل معها وهكذا اجتازت هذه المشكلة ولله الحمد، ومع نموها أصبحت أكثر إدراكًا للأوضاع، والآن هي طالبة جامعية ذكية فصيحة اللسان يعتمد عليها في أمور كثيرة.

لذا ينبغي الصبرعلى الأطفال، ومعالجة مشاكلهم بروية وتأنٍ ولطف، وحنان بعيد عن القسوة، والاستماع إليهم ومشاركتهم أحاديثهم. ونخبرهم أن هناك أوقاتًا لا يمكننا الاستماع إليهم لتعبنا أو لانشغالنا وعليهم احترام ذلك.

عزيزتي الأم:

اعلمي أن الأم والمعلمة مربيتان للطفل فلابد أن يكون هناك حلقة وصل بينهما ليتعاملا مع الطفل بنفس الوسائل والخطوات العلاجية الصحيحة.

كاتبة سعودية*

8 thoughts on “الأم و تنشئة الأبناء

  1. مقال جميل جداً و أكثر من رائع يوضح دور الأم كيف تزن الأمور بحكمة وروية في تنشئة الأبناء دون تسرع وغضب
    تحياتي لأديبتنا الراقية الأستاذة حصة بنت عبدالعزيز

  2. قلم نسائي مميز في منهجه وتفاعله مع الحياة الإنسانية المحلية بإختلاف ظروفها ومواقفها بالإضافة إلى مساهمات شعرية تستدعي الاهتمام والإعجاب والمتابعة…
    اجمل الاماني بدوام التقدم والازدهار استاذة حصة.

  3. بالفعل الوعي الاسري مهم جدا تجاه الأطفال بالتحديد
    موضوع جميل وهادف استطاعت من خلاله الكاتبة حصة ايصار رساله مجتمعية مهمة
    نحتاج لمثل هذه الاقلام الواهية والقادرة على وضع النقط فوق الحروف
    تحياتي لقلمك اديبتنا الجميله

  4. طرح جميل وهادف من الأخت “حصه” نسأل الله أن يبارك فيك ويرزقك ما تتمنين، وأن يرحم والدينا ووالديك وأن يغفر لمن مات منهم وأن يرحمهم ويغفر لهم ويسكنهم فسيح جناته وأن يطيل في عمر من بقي منهم على طاعته. 🌹 🌹

  5. مقالة رائعة توضح دور الأم في شفافية جميلة ورؤية واضحة ،وهو ما ينبغي للأم إدراكه ومعرفته.
    سلم فكرك .

  6. مقالة جميلة أستاذة حصة وواقع نعيشه جميعاً وكفى بنا قول الشاعر :
    الأم مدرسة إذا اعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق
    رحم الله أمهاتنا وجزاهن خيراً على ما فعلنه في تربيتنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *