رؤى

 

بقلم: ابتهال العتيبي*

يظلّ الإنسان في صراع بين التطوّر المتسارع وبين إنسانيته، فالحضارة تتطلب منه الإقدام ومواكبة ما يحدث حوله، يذوب بها ويتناسى روحه مصدر وجوده.
لا شك بأن من لا يكون ابن عصره كالذي بُعث من مجرة أخرى، وبين إعادة إحياء الذات والتغيرات من حولنا وبين المادة والروح يبزغ مصطلح الحضارة والثقافة، وكيف نكون مزيجًا بينهما، لنواكب عصرنا، وننهض بمجتمعنا، ونتعرف على ذواتنا.
عندما نسلك طريق الثقافة هناك أدوات تُعيننا على تَعبيد طريقنا وعدم الوقوع في حُفر الأوهام، وأفكار الغير، وثورة التكنولوجيا التي تسرق منا التّفكّر والتدبّر.
أهمها صفاء الذهن، وسلامة القلب، وخلو النفس من شوائب العنصرية، لنتقبل فكر المختلف، فنتعرف على ثقافته، وطقوسه، وجنونه، ورؤيته المنبثقة من بيئته؛ لنستطيع الاختيار والتعبير من منظورنا الخاص عما حولنا، ننشئ ثقافتنا الخاصة، نعلّم ونتعلم.
بعكس الحضارة التي تفرض قوانينها وسيطرتها لتسير مع المجتمع وفق ما يخدم الجميع، تنساق في دروب تبحث عن الكمال المادي، والتجرد من القيم الإنسانية.
كن مساهمًا في بناء مجتمعك، دولتك، العالم، ولكن لا تنس بصمتك التي تضيف ولا تمحو، تعمّر ولا تدمّر، تشعرك بأهمية وجودك وجوهر كيانك.
الثقافة تربّي بداخلنا الحدس، اكتشاف المجهول بالمعلوم، بشغف طفل لا يتوقف عن البحث والسؤال، يتعلم من الجاهل قبل العالِم، يُركّز فيما حوله بصفاء بصيرته، فينفصل عن جميع المشتتات؛ بذلك يوقف تدفق الأفكار لتصبح نظرته أشمل وأعمق، فيشاهد التفاصيل الصغيرة والصورة الكبيرة ويدمج بينهما، لتبدو الأحداث متصلة، فيخرج برؤية جديدة، يصنع من خلالها فكرًا، ويهدم صنمًا، ويضع أساسًا ليبني عالمًا قابلاً لتشكِيل في كل لحظة وعي.
الحضارة، بلا ثقافة تقتل الإنسان بداخلنا وتحوّلنا لمومياء يسير بلا إدراك لما يُقدم عليه، يظن بأنه يساهم في تكوين مجتمع وهو يفعل العكس.
بالتوازن بين الثقافة والحضارة نصل للوعي الكامل بالقيمة الإنسانية وأثرها في صنع عوالم ترتقي بناء ماديًا وفكريًا وروحيًا، أي منظومة التكامل البشري.

كاتبة سعودية*

4 thoughts on “رؤى

  1. مقالٌ جميل ذو أسلوب رشيق وممتع، ومنسوج من رِحم الواقع، ومُطعَّم بمفردات جميلة، ويهم كل إنسان عاش في العصر الورقي الماضي والعصر الالكتروني الحاضر.

    تملك الكاتبة تفكير عميق أطل من نوافذ كلماتها، عندما دعت إلى الموازنة بين متطلبات الروح وابتكارات التقنية، فلا يطغى أحدهما على الآخر، حتى لا يفقد الإنسان نفسه.

    جُعِل المجدُ لكِ جناحًا
    والخلودُ سماءَ

  2. دائما ً تتحفنا الكاتبة المبدعة ابتهال العتيبي بمقالاتها الرائعة والمنسكبة من مداد الفكر الراقي المستنير .. لله درها من مبدعة .!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *