قراءة في ديوان (بياض الأزمنة) للشاعر السعودي علي الدميني.

بقلم/ رشيد الخديري*

ديوان بياض الزمنة قصائد بلون السيرنادا

لا شك أن كلَّ شاعرٍ حديث يسكنه شاعر قديم، مناسبة هذا المفتتح، كون الشاعر السعودي المجدِّد علي الدميني، يكتب من الماضي لاستشراف الحاضر والمستقبل، بيد أن هذا التواؤم بين الشعرية العربية في مختلف مخاضاتها العسيرة في صعودها ونزولها، في مدها وجزرها، تراهن على الهجس والانكتاب والتموقع تحت الأضواء الكاشفة. غير أن المنجز الشعري “بياض الأزمنة” يتشكل في مادته الكتابية على وتر الحنين. الحنين بمفهومه الكوني الشاسع إلى الشعريات العربية التي أسست لكيان الفرد والأمة، وانتقلت بالشعر إلى فضاءات أرحب للبوح الشفيف.
علي الدميني شاعر التقاطعات..
وأحسب أنها تقاطعات تخرج من رحم الشعر إلى الشعر، من غواية إلى أخرى، ومن نزيف إلى نزيف، ووحدها البياضات من يُرَمِّمُ شروخ الذاكرة وتصدعاتها، أو قل هي مسارب شعرية تتسع وتتهادى محدثة في النفس بهجة ورنينا، وبين هذا وذاك، تمتد هذه الحوارية المنغومة الهاجسة بأحلام الطفولة وفيض الزبد وروائح التاريخ المنسي وهمس العيون والمطر الهاطل من عيني صبية تصطاد الغمام ذات فجر ساحليّ، هكذا، فالقصيدة عند الدميني تصير خليطاً عجائبيا ومجازيا من البياضات وما يتركه النزيف من جراحات لا تندمل.
إن “بياض الأزمة” وغيرها من الأعمال الشعرية لعلي الدميني، لا تنفك تمنحنا ولائم متعددة للكلام/ والكلام بعد الكلام، إنما، هو هجس بما يجول في الذاكرة، أو قل النسيان الذي يُولِّدَ قصائد بحجم الغمام والكون. في هذا العمل الشعري، يبرز صوت علي الدميني ضاجاً بالمنمنات والموسقة والكثير من السوناتات، وكأن القصائد كُتبت ذات مساء خرافي من مساءات أكتوبر، حيث الليل أطول من مقدمة ابن خلدون، والقناديل مشتعلة ورائحة البنفسج البري والمطر والأشجار في غمرة رقصها الحزين الموجع، يقول الشاعر:
مطر صحونا
وغمام حنون
وأنا بين ليلين
من رقة وجنون
والقوافي تشب الهوى
في محار العيون
ليت لي من أنا فارسا أرقا فأكون (ص: 09)

ما يدفع القصيدة حتى تكون في أوج نبضها وعنفوانها وألقها، هو انهمامها بعلائم الوجود والهوى المستبد بروح الإنسان، ما يُكتب من الروح، لا تمكن لرمشة العين أن تمحوه من الذاكرة، ولا غرو، أن الشعر في كلياته، نتاج لهذه الذات الممهورة بالقلق والتوجس والفيض العرفاني. إننا نتصور القصيدة ملاذاً آمناً للكثير من المشاعر المتخفيَّة في الدواخل، شرارة واحدة فقط منها، ونلعن كل الظلام المحيط بنا، بل نحمل الظلام على الرحيل طواعية عن دواخلنا وذاكرتنا، ولست هنا، في مقام الدفاع عن الشعر أو ما شابه ذلك، فالشعر أكبر مني!! ما ينبغي التأكيد عليه ونحن بصدد الغوص بين ثنايا “بياض الأزمنة”، هو أن الشاعر على الدميني مسكون بهوى القصيدة وفخاخها وتحبير البياضات بما يلزم من مجاز وكنايةٍ ومقامات مثل طائرٍ يصدح بكل مكنوناته ويُعلن عنها حتى انبلاج الغسق. في قصيدة “البياض”، يحملنا الشاعر عبر ترنيمة حزينة (البكاء، الجراح، الحبر، التصابي..) إلى عوالم شفيفة شفافة، وكأنَّما، هي رحلةٌ نحو أقاصي الذاكرة والذات والجراحات المقيمة في الإنسان.
إن علي الدميني لا تهمه حروب الأزمنة الحديثة وتطاحناتها، بل بقيَ مفتتنا بهذه البياضات التي تمتد في شرايينه وروحه وقلبه، لتتحول هذه البياضات في الأخير إلى أوتار مخضبة بالحنين والموسيقى والإنشاد، يقول:
وترٌ يجرُّ عشيقةً تنعي أساورها وتجرح في التراب
عرائس الإنشاد
مملكة لهودجها
فما أبقى الغبار لها سوى التذكار
والزمن المعلق بالحجارة
(ص:20)

أناشيد السيرنادا هي ميسمُ هذه التجربة الشعرية، وقد أشرنا آنفاً إلى عدد تقاطعاتها مع الشعريات العربية. نحن نتحدث هنا، عن التناصات التي أقامها الشاعر مع مجموعة من العوالم الشعرية: لو أنَّ الفتى حجر، العامرية، القطا..)، وفي ذلك إشارة إلى قدرة الشاعر المعاصر على الإقامة في الشعر، والتَّوحد فيه، وملاك القول، إن هذه التجربة الشعرية للشاعر السعودي علي الدميني تُقَدِّمُ نفسها تجربةً مكتملة ناضجةً سواء في بناءاتها النصية، حيث المزاوجة بين الشعرية العربية بين الشطر والسطر الشعريين، في إشارة إلى هذا الامتداد الذي يَحفُّ القصيدة العربية في أبعادها المختلفة والمتعددة، أو بعدها المقروئي/ القرائي، حيث نلمس أن الشاعر له مخزون قرائي مهم، مكَّنَهُ من الارتقاء بالقصيدة في صورها ومجازاتها وحواراياتها، ليسهل دخولها إلى القلب بدون استئذان، أما على المستوى التيماتي، فإن تيمة العشق هي التيمة المهيمنة والأساس في هذه التجربة الشعرية، لكن، هذا لا يعني البتة التَّطرق إلى مواضيع ذات صبغة قومية، كالقضية الفلسطينية ذلك الجرح الغائر الذي يقض مضجع كل إنسان عربي، ولا شك إذن، أن هذه المأدبة الشعرية في مساربها وعلائمها غنية وتحتاج إلى دراسة مطولة تشكل كل الأعمال الشعرية، لأن تجزيء الدراسة والاكتفاء بمقاربة عمل شعري واحد، تبقى دراسة مبتسرة ولا تمنحنا صورة كافية عن أهم معالم هذه التجربة الشعرية.

 

  • شاعر وناقد من المغرب، له عدة دواوين شعرية وإصدارات نقدية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *