الأكثر مشاهدة

إدهاش القص (1) قراءات لقصص المشاركين في الأمسية الافتراضية zoom د. عائشة يحيى ال …

إدهاش القص (1)

منذ سنة واحدة

418

0

إدهاش القص (1)

قراءات لقصص المشاركين في الأمسية الافتراضية zoom

د. عائشة يحيى الحكمي*

 ● قصة أحلام صغيرة جدًا – نزار الحاج علي.

العنوان (أحلام صغيرة  جدًا)  جملة اسمية  مكتملة الأركان  تشير الأحلام إلى الأمنيات والطموحات  المضمرة البسيطة تتسابق نحو مدارج الذاكرة القريبة، ينظر إلى الأحلام والطموحات بإيجابية إذا  تحققت تجعل الحياة أفضل، وقد تساعد على دعم الإنسان وإلهامه ببعض الأفكار الإيجابية  التي تسهم في اتخاذ القرارات وقد تنتهي الأحلام  إلى السراب.

مفردة (صغيرة) تخبرنا أن أحلام البشر تولد صغيرة وتبقى صغيرة تتابع مراحله، ويكون دور الحالم برعايتها وتعهدها ومراجعتها إلى أن تتحقق، فلو كانت الأحلام كبيرة  لكان العكس. 

تتسم جملة العنوان  بالشاعرية والرقة والوضوح ومن ثم يتوقع من عنوان كهذا أن يكون وفقا لسياق الفكرة  والحدث. النص قصير جدًا مكون من ست كلمات، العنوان جملة طويلة نسبة إلى مساحة النص احتلت النصف تقريبا؛ يعني ذلك أن العنوان بهذه الصورة جزءا من الحدث  مكونًا نسيجًا  يتسرب في ثنايا الشخصية المضمرة، والأحلام المضمرة  نابت عنها النقاط الثلاث لاستدراج المتلقي إلى ممارسة لعبة التأويل، وملء الفراغ، ومما يعمق البعد الشاعري في العنوان وصفه بالقصير جدًا، والاختزال يتمثل في الإشارة إلى شخصيتين: الرئيسة امرأة بالضمير (هي) وراوٍ من الخلف  يشير إليه الضمير في (قلبي) يتألم لألمها، اختزال الشخوص في ضمائر يناسب تقنيات القص القصير جدًا.

النص ذو طابع اجتماعي واقعي  يتطرق   القاص فيه إلى صورة مصغرة من معاناة امرأة وحيدة  بينها وبين نافذتها  علاقة حياة  ترى خارجها عالمًا يختلف عن عالمها الصغير جدًا، فلكي تصنع السعادة لنفسها تعمل على إطعام العصافير فتشغل نفسها  بتسهيل الغذاء للعصافير فتفتت قطع الخبز إلى قطع صغيرة حتى لا تواجه معاناة مثل معاناتها مع الحياة  فتستشعر مشاركتها لحياتها الصغيرة المحجوبة خلف النافذة وتعيش معها الحرية والانطلاق ولو بالنظر، واستشعار السعادة بين الطرفين وهذه أحدى ملامح العطاء بين الإنسان والطبيعة.

● قصة أحلام صغيرة جدًا – نزار الحاج علي.

حكاية النص حكاية (حب) اتكأ فيها القاص من أول عبارة على التناص بينه وبين شوقي:

نظرة فابتسامة فسلام           فكلام فموعد فلقاء

شوقي  جعل الحب ست مراحل  بينما  يختزلها القاص في ثلاث مراحل  بحكم طبيعة القصة القصيرة جدًا إذا كانت شاعرية النص الشعري تعتمد التكثيف اللغوي  فإن النص القصصي القصير جدًا أكثر تكثيفًا  بدلالة  انتقاء القاص أهم ثلاث كلمات في المراحل  بما فيها البداية والنهاية  (نظرة ابتسامة  لقاء) يتأمل القاص النهاية العكسية لتلك السلسلة تأسيس وبناء حالة الحب، ويكون انهدامها  بهجر ثم ندم  وما بين بداية وتطور الحب ونهايته المأساوية.  يشتغل السارد محاورا نفسه/مونولوج، ليكشف تفاصيل درامية الحدث. وحين نبحث في المعاجم عن دلالات مقدمات الحب ونهاياته نجد أن الحب معنى للخيال و الغفوة والحلم.

 ثم يختم النص بقفلة تتسق مع البداية  حين يدرك المرء أن (الحب أعمى)  وهو تناص آخر لتكون قصة (جوهرة) قصة تناصية باقتدار استطاع القاص فيها التعامل مع فكرته وتحاورها مع أفكار الآخرين،  وذلك لاتساع ثقافته،  فلو راجعنا  رمزية المقولة (الحب أعمى) لوجدناها حكاية طويلة تعود إلى  القصة  المعروفة في الموروث.

إن القاص قد نجح في توظيف الشعري والنثري  في نص من الصعوبة أن يحتمل هذا الكم الأفكار المختلفة.

كما نلحظ تمازجًا بين الشعر والسرد على مستوى المضمون أكثر منه على مستوى الجوانب الفنية؛ الصورة والإيقاع.

● قصة هواء – نزار الحاج علي.

العنوان مفردة (هواء) نكرة  محددة الدلالة  بصورتها الصوتية الماثلة فهي تطرح عدة تساؤلات من أولى النظرات، من مثل:

– أي هواء سأجد في النص؟ سؤال أو فخ يحتمل  توقعات عدة، و أولها احتمالية الهواء الطبيعي في إطار جيولوجية الأرض وهو (الغاز)  أكسير الحياة،  وحين ننطق المفردة صوتيا تلوح صورتها الهندسية عند كتابتها (هوى) وهو الحب الإنساني المتعلق بالقلب، والبعد الفلسفي لهواء وهوى أن الهواء يحرك كل شي في الطبيعة والهوى يحرك القلب فقط، فيمكن أن يعيش الإنسان يأخذه الهواء في كل اتجاه دون هوى. ويجره الهوى إلى النزوات والهيام. 

وهنا المتلقي سيتكبد المتاعب في (هواء النص) باحثا عن الإجابة المقنعة وفقا للنسق اللغوي الدلالي  للقصة القصيرة جدًا التي ترسم خطابها على (الإيهام) والتمويه.

وبحذر تستدعي تفاعل القارئ واجتهاده في المواءمة  بين  الدال  والمدلول. وقد فتشت كمتلقٍ لأجد ست علامات في النص تتعالق مع (هواء)؛ علامات مفتاحية  وجهت  بوصلتي نحوها: (رياح، جزيرة، غابة) فإذا (هواء) تحتمل ما يتصل باستراتيجيات  الشيطان في فتنته للبشر على الأرض التي تصرف  وقته ليؤلف ويخترع الوسائل التي يستسلم فيها الإنسان لقبضته، فإنها هنا مثل الهواء حين يطوح بالأشياء كيفما شاء إذ لا حول لها ولا قوة لأنها فقدت قدرتها على الثبات شأنها شأن بني آدم.

الرجل والمرأة  (ثم يلقي بكما…) فيخرجان من مواقفهما إلى أخرى  في ارتباك وضياع لأنهما قد تركا له التحكم في حياتهما  فإذا سمحا له التحكم في مساراتهما  فتشتبك كل الأهواء لتطوح بهما من جزيرة إلى أخرى  وكلما اشتدت رياح الفتن عليهما وبينهما كلما  أسهم ذلك في التشتت والاغتراب  إلى أن يحترق بناء الحياة المشتركة.

 وضرر الشيطان على البشر يشتمل على ضرري؛ الدين والدنيا. فيخسرون خيري الدنيا والآخرة.

  الأمر الآخر هو حركة الطبيعية، لقد حاول القاص إدخال القارئ في مغارة فكرة فلسفية أزلية في مقارنته السالفة  فاختزل القصة الكاملة في  عبارات  مكثفة  قصيرة ومفردات منتقاه بعناية   مثل: (الجزيرة)  الشكل الأصغر كمساحة رمزية للأرض؛ الشكل الأكبر  وكذلك مفردة (بكما) إشارة إلى بطلي الأرض (آدم وحواء) كما نلحظ تحقيق النص لاشتراطات  القصة القصيرة جدًا، فتحقق التوظيف المقنن لكل دال ومدلول  وفق رؤية مكثفة  وحبكة  واقعية  متماسكة في سياق منتظم بل  في خطة غير قابلة للإطالة  أو التفكك ليصنع لقصته نهاية  جيدة  (حتى تحترق الغابة) قائمة على تتابع أفعال وتراكيب سردية.

 ● قصة تراب – نزار الحاج علي.

بنظرة سريعة في عبارات ودلالات النص سنلحظ تقاطعه مع نصوص تراثية وعموم القراء قد عرفوا حكايات الموروث العربي القديم.

 لهذا يظهر لنا التماس بين قصة (تراب) وحكاية (الحلاج) المفكر التأملي المتصوف في العصر العباسي  وصورتها الحديثة مسرحية (مأساة الحلاج) لصلاح عبد الصبور  وهذا التقاطع الأول لنص (تراب) مع حكاية الحلاج  في مفردة  (الكلمة) ودلالاتها .

قادني هذا الحدث الصوفي في مسرحية الحلاج  إلى التفكير في سياقات النص القصصي (تراب) الذي ختمه القاص بقفلة  غير متوقعة (للكلمة وزن) المتأصلة في ذهن المثقف القديم والحديث جريا على المثل الشعبي (الكلمة اللي تستحي منها بدها)؛ أي قلها ولا تبالي.

تقاطع آخر في (نهر الابتلاء) فما وجه الشبه بينه وبين النهر قوله تعالى:  ( إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني…)؟ تجمع التفاسير على أن ذلك النهر يقع بين الأردن وفلسطين  وقد ابتلى الله به أولئك الأقوام.

حكاية النص حكاية صراع بين طرفين مبهمين دون الخوض في تفاصيلهما، ويحتد العراك بينهما إلى أن ينعدم الهدوء، فيحلمان بحدوثه ولكن لا يحدث.

لقد وصف القاص حالتهما بأنهما يشعران (بحاجة الهدوء) ومطلب هذا الاستعمال أن يتسق مع سياق استمرارية الصراع.

يتألف النص من (29 كلمة) عشرة كلمات أفعال مضارعة تؤكد تجدد الحدث واستمراره.

افتتح السرد بـ (تمضيان/يقضيان)  واستخدم الصراع في وضح النهار؛ زمن المعاش ففي كل نهار يحدث ذلك وفي نهاية الأمر مصيرهما إلى (تراب) وهو الموت الذي ورد في مأساة الحلاج المهم هو التبليغ وإيصال الكلمة فتخلد صاحبها ويبقى أكثر تأثيرًا، أما الجسد فمنتهاه إلى العدم.

ويختتم النص بتوجيه الطرفين إلى طاولة الحوار وللكلمة دورها في بناء الفكر والتواصل والاتصال ، وللحوار البناء العقلاني قوة  تتغلب على احتدام الخلافات.

هنا كلمة النص  تبني، بينما كلمة الحلاج قتلته، (وللكلمة وزن) وهي قفلة موافقة لتقنيات القصة القصيرة جدًا وللبعد الفكري العميق في توظيفها.

*ناقدة وأكاديمية سعودية 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود