سردية المواطنة في التراث الشعبي المقدم للأطفال

جاسم محمد صالح_العراق
كاتب متخصص في أدب وثقافة الأطفال

التراث الشعبي هو الروح النابضة في جسد المجتمع والمعبر الحقيقي عن آماله وتطلعاته نحو الغد المشرق وهو لسان حال الجماعة ويتم التعبير عنه من خلال الفرد حينما يتعرض المجتمع إلى تهديد خارجي فتكون الحاجة ملحة لطرح حكايات وقصص وأحداث تستنهض الهمم وتقوي العزيمة وتشد الناس بعضا إلى بعض بغية الوقوف بوجه الغازي , حيث تنتشر هذه الخطابات بين الناس كانتشار الغبار في الهشيم وتحقق فعلها الذي أُوجدت من اجله , وعلى مر التاريخ المشرف لامتنا العربية وجدنا حكايات كثيرة ركزت شكلا ومضمونا على تعزيز روح المواطنة واستلهامها في نفوس الناس.

إن مسؤولية إعادة استلهام روح المواطنة من التراث الشعبي تشكل واجبا وطنيا وأخلاقيا على جميع المهتمين بأدب وثقافة الأطفال من خلال:
1. نشر القصص والحكايات الشعبية التراثية ذات الروح الوطنية في المناهج المدرسية بأسلوب جميل وشيق ومبسط قريب من أذهان الطلبة.
2. قيام الفضائيات بإعادة التركيز على هذا التراث الشعبي الوطني وإعادة طرحه بأساليب مختلفة منها:
أ‌- إجراء حوارات مع المختصين في هذا المجال.
ب‌- تقديم حلقات او مسلسلات او أفلام تستلهم البطولات الوطنية والتركيز على فعلها وفائدتها للمجتمع حاضرا ومستقبلا.
ت‌- طبع الكتب والروايات الموجهة للأطفال والتي تتناوب شخوص وأحداث التراث الشعبي واستلهام قيمة الوطنية والإنسانية.
ث‌- ابتكار لعب الكترونية تتخذ من أبطال الحكايات الوطنية أبطالا يدافعون عن وطنهم وقيمهم.
ج‌- إجراء مسابقات سنوية للكتابة في مجال التراث الشعبي الوطني : (قصة، رواية، قصيدة، سيناريو، أغنية، قطعة موسيقية، مسلسل، فلم…الخ) وطبع هذه النتاجات في كتاب لتكون في متناول الأدباء والكتاب والمختصين والتربويين.
ح‌- إقامة مهرجانات مسرحية تدعو الى حب الوطن والتضحية من اجله وتعزيز روح المواطنة والانتماء من خلال نصوص تُكتب لهذا الغرض.
إن استلهام التراث والاستفادة منه في تنمية الروح الوطنية وتعزيز روح المواطنة ليست تخلفا او عودة إلى الوراء كما يحلو للبعض أن يقول ذلك تحت كثير من الحجج والتصورات غير المعقولة منطلقين من مفهوم التطور التقني وعصر الانترنيت وشبكات التواصل الاجتماعي وما شابه ذلك.
إن التمسك بالتراث لا سيما الوطني منه هو تعزيز للهوية وتفعيل لروح الانتماء المواطنة , فاليابان وهي من أكثر بلدان العالم تطورا على الرغم من تطورها اللامحدود فإنها متمسكة بتراثها وحكاياتها وتقاليدها المجتمعية وأزيائها ولغتها مع سعة وغزارة نتاجها العلمي والثقافي والتقني،  وكذلك الحال بالنسبة للصين وكوريا وماليزيا وكوريا الجنوبية والسبب الحقيقي في تمسكهم هذا أنهم عرفوا قيمة التراث الشعبي وأهميته في بناء الإنسان، فحصنوا شعوبهم من الحملات المعادية التي تستهدفه تمكنوا من جعل أبناء تلك الشعوب مواطنين لا احد يستطيع ان يزايد على وطنيتهم على الرغم من أن أكثر موروثاتهم الشعبية لا ترتقي أبدا إلى الكم الهائل من الموروث الشعبي الوطني في العراق من خلال الرسالة التي أؤمن بها واعمل على تحقيقها ونشرها بين الأطفال وهي استلهام التراث الشعبي في العراق وإعادة صياغته لتعزيز روح المواطنة في الأطفال والفتيان وقد كتبت مجموعة من الروايات من أهمها:
1- رواية (الليرات العشر) عن سيرة البطل الشيخ شعلان أبو الجون أيام ثورة العشرين ضد الاحتلال الانكليزي.
2- رواية السيف عن سيرة البطل الشيخ ضاري المحمود الزوبعي الذي قتل القائد الانكليزي لجمن أيام ثورة العشرين ضد الاحتلال الانكليزي .
3- رواية (الحصار) عن سيرة البطل( نجم البقال) الملقب بـ( نجم الدليمي) الذي ثار على الاحتلال الانكليزي في ثورة النجف .
4- رواية (حميد البلام) عن شخصية البطل (عبد علي الأخرس) الذي حارب المحتلين الانكليز في ثورة العشرين وتحديدا في شارع الرشيد قرب جامع الحيدر خانه .
5- رواية (صالح الخراشي) عن شخصية (صالح الخراشي) الذي قتل الحاكم العثماني في منطقة سجارية في محافظة الانبار .
6- رواية (الصفعة ) عن شخصية البطل (محمد العبوسي) الذي حارب الاحتلال العثماني حيث وشى به احد اليهود واعدم في القشلة على اثر تلك الوشاية .
7- رواية (منقذ اليعربي) هي رواية عن شخصية اسمها منقذ اليعربي وتجري أحداثها في زمن احتلال المغول لبغداد سنة 656هـ / 1228م , حيث يقوم هذا البطل في الدفاع عن بغداد وتجنيد المتطوعين للدفاع عنها واسترجاعها من ايدي المغول .
8- رواية (الخاتم)  هي رواية تراثية شعبية عن الفتى لبيب وكيف وقف مع أبيه بوجه التاجر الغريب الذي لا يمتلك وطنية وانتماء للوطن الذي يعيش فيه.
9- رواية ( حميد البلام ) وهي رواية تتحدث عن بطولة اهل الموصل الشجعان وثورتهم ضد المحتل الانكليزي في ثورة العشرين.
هذه الروايات ذات حس تراثي وشعبي استلهمتها من التراث الشعبي ومن التاريخ السياسي والاجتماعي للعراق تصرفت في بعضها وأضفت لبعضها وعمقت من فعل بعضها وحركتهم النضالية والسياسية لكي تكون قريبة جدا من الأطفال والناشئة .
ان مناهجنا الدراسية هي أقرب الوسائل لاستلهام التراث الشعبي من أجل تعزيز الهوية ورفع درجة الارتباط بالبلد والتاريخ والحضارة والهوية، وهنا أستذكر قصة عن قائد الأعداء الذي لا يعرف طريق الوصول إلى المدينة التي يريد احتلالها فصادف في الطريق رجلا كهلا مع طفل صغير من نفس المدينة وحينما طلب قائد الأعداء من الشيخ أن يدله على المدينة التي ينوون احتلالها ولا يعرفون الطريق إليها، طلب الشيخ من القائد أن يقتل الطفل قبل أن يدلهم، وبالفعل قام قائد الأعداء بقتل الطفل وبعدها طلب من الشيخ أن يدله على الطريق قال له: لا يمكن أن أدلكم حتى وإن قتلتموني، وحينما سأله القائد عن سبب قتل الطفل؟!، أجابه الشيخ: خفت أن لا أجيبكم وتقتلوني ويدلكم الطفل بعدي.
وهنالك أيضا قصة (الصياد والقطاة) التي تستدعي سرب القطا إليها وتوقعه في شرك الصياد، وصادف أن أحد الرجال شاهد ما يحدث فطلب من الصياد أن يبيعه القطاة بأي سعر كان وحينما اشتراها منه بثمن عال ذبحها بالسكين، فتعجب الصياد من فعل الرجل فأجابه الرجل على الفور: إنها طير خائن ولا يستحق العيش أبدا، لأنها تخون أبناء جنسها، وهي خيانة عظمى تستحق عليها الموت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *