بصمات للزمن المسافر

*محمد بن عصبي الغامدي

في الطريق القديمة وتحت انقاض الجدران المتهدمة لا زالت هناك رائحة عطر تتحدث عن عروس عبرت من هنا الى زوجها في زفة رائعة من نساء القرية ….
هناك في أعلى الجدار زهرة قد تفتحت بعيدا عن أيادي العابثين تنتظر من يمد لها يده ثم يحييّها بابتسامة رقيقة ويقطفها ..
بين الأعداد الكبيرة من موظفي الشركة فتاة تتجرع غُصصها واحدة تلو الأخرى .. الزوج المقعد ينتظرها كي تقدم له الغداء وكذلك الأطفال الجياع العائدين من المدارس، وهي لا تملك إلا ريالاً واحداً تريد أن تشتري به خبزاً… إنها صعوبة الحياة في الزمن الذي لا يرحم.
من بين اللذين يسيرون في جنازة العم إسماعيل طفل لم يبلغ العاشرة من عمره، كان يبكي بحرقة، اقتربت منه وسألته،  لماذا يبكي؟! … وأنا أعلم أن الميت لا يمت له بصلة، فقال لي بأدب أن الصلة بيني وبينه ليست صلة قرابة بل صلة المعروف، كان كلما قابلني يضع في جيبي ريالا أو ريالين لأنه يعلم أني يتيم لذلك فأنا أبكيه …
فتح نافذة الغرفة بهدوء كان يسمع أغاني فيروز تنبعث من الغرفة المقابلة في العمارة الأخرى، فتح نصف درفة النافذة….هناك فتاة جميلة تمشط شعرها وتتناوله من يد الى أخرى وتتزين، و تردد مع فيروز بعض أغانيها بهمهمة صوت عذب ….. في تلك اللحظة كان هناك صوت رجل يصرخ، أين أنت يا بنت الكلب ..؟
تمنيت أنني لم أسمعه…. لمن تتزين هذه الفتاة.؟ للأسف لمن لا يعرف قيمتها ..
بين أزهار حديق البيت كانت هناك زهرة غريبة اللون مددت يدي إليها لأقطفها فأثرت أن أدنو منها أولا كي أشتم عبيرها ..
كانت رائحتها منعشة جداً، فقلت في نفسي لا ينبغي لي أن أقطفها فلعل هذه الزهرة تهل أوراقها وبذورها ثم تنبت أزهارا أخرى …. هكذا فكرت ..
سافر يبحث عن عمل يقضي في أيام الاجازة الصيفية.. عندما وصل الى المدينة كان الصيف قد انتهى وعاد أدراجه الى القرية .. هل كانت الرحلة بعيدة أم أن الزمن قد اختصر عليه عناء صخب المدينة ..
عاد الى زوجته بعد سفر طويل حاملا معه نقودا كثيرة ….لابساً ثوبه الأبيض الجديد .. لكن زوجته لم تجد معه زجاجة العطر التي كانت تنتظرها ..
ذلك الجرح الذي أحسه ينزف دائماً لا أريده أن يشفى ..إنه يذكرني بأيام كنت فيها سعيدا رغم كبر جرحي..
كانت الطريق وعرة والأمطار تتساقط بغزارة والانحدار يجرف المياه في طريقه وهو عائد الى بيته بعد رحلة صيد، الوقت بعد صلاة العصر، آوى الى صخرة كانت بجانب الطريق ليحتمي بها من المطر، كان قد تعب من المسير، فغلبه النوم ونام، ولم يستفق إلا بعد منتصف الليل، كان الظلام حالكاً والمكان مخيف فاستوى جالساً واخذ يتلو القرآن بصوت مرتفع حتى عادت الطمأنينة إلى قلبه .. ومع بزوغ الفجر عاد إلى بيته…

*قاص من السعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *