الوداع الأخير

بقلم : أ. محمد منصور*
اي بني كفاك سفرا” ، وحان لك أن تستقر بين أهلك وعشيرتك، تغيب عني طويلا، ولا أكحل عيني برؤياك، عشر سنوات مضت على رحيل والدك إلى ربه، وها أنا أنتظر، لم يبق في عمري أياما بقدر ماعشت سنين، يا أماه ماذا أفعل، الأولاد في الجامعات والمدارس ومصاريف الحياة أصبحت باهظة، وزاد بعبئها ويلات الحرب وتهجيرنا القسري، بتنا ندفع أجرة البيت، وفي كل سنة بازدياد، راتبي هنا لم يعد يكفي، وهذه الفرص التي تتاح لي تنقذني من العوز، كنت أحسب أن أيامنا الجميلة ستدوم هناك، في موطننا، بين أشجار الجوز واللوز والزيتون والتين، الرمان والخوخ والتوت، وعرائش العنب الجميلة، هناك في الحوض حيث شجرة الياسمين التي تفوح عطرا على البيت، ألم تشتاقي إلى تلك البقاع يا أمي، قبر أبي هناك في تلك الربوة، تحت شجرة الزيتون، ماذا نفعل يابني انه قدرنا، وابحث عن عمل آخر هنا حول عائلتك، يكفيك غيابا شاقا، لا لا يا أمي لا أستطيع، سوف أذهب في نهاية الشهر تنتهي اجازتي، والمشروع هناك ينتظرني وقد وقعت عقدا ولايصح الضرر، لا لا .لن أدعك تذهب، ابق هنا إلى جانبي لا أدري لعلك ان ذهبت فلن تراني مجددا، ماذا تقولين يا أمي صحتك جيدة والحمد لله، أنا صبورة على الأوجاع يابني، لم أعد أستطيع النهوض بمفردي، أصبحت أريد من يساعدني، لقد تجاوزت الثمانين، ألا تذكر أيام الحصاد، كنت شابا” صغيرا” تساعدنا، كانت عطلة الصيف جميلة، تنتظرها بفارغ الصبر، رحم الله تلك الأيام يا أمي كنت شابا” ولا أعرف أن جيراننا الذين هاجروا قبلنا كانوا من مذهب آخر، كنا نلعب وأطفالهم في تلك الحقول حتى المساء، وكل يعود لبيته متعباً، لقد حركها الشياطين تلك الفتنة العظيمة، لا أدري لماذا عصاني قلبي يا أمي، السيارة في الخارج تنتظرني لتوصلني للمطار، نظرت اليه قبلته وبكت، اذهب يابني وفقك الله ورضي عنك، لم يكن يعلم أنه الوداع الأخير، بعد أيام تدهورت صحتها، نقلها أحفادها للمشفى، عرفت أنه الفراق، نظرت إلى السماء بكت، رباه عشت دهرا في طاعتك فارض عنهم واقبلني في رحمتك، لاتخبروا والدكم بالأمر، يوم يعود سوف يزورني، وليزرع على قبري شجرة زيتون ..سأكون بانتظاره …هذه المرة لن يسمع صوتي . قولوا له أن لايبكي ..البكاء يعذبني ولن يعيدني إليه .. شجرة الزيتون كبرت على القبر ..ومازال حفيدها ينتظر عودة والده ..لكنه أيضا لن يعود ..يقولون أنه اختفى وسط الصحراء ..في وعكة حرب …

قاص من سوريا*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *