خطة هروب من المنزل

بقلم: أ. نهى صبحي

توسلتُ كثيرًا إلى والدايّ ألا يتركاني وحيدًا بالمنزل، فعقب خروجهما توالت الطرقات وأنا أصرخ «من بالباب؟» سؤال لم أتلق إجابة عليه، فقررتُ ألا أستجيب للطرقات المتتابعة، غير أن الطرق تواصل بعصبية تصل إلى حد الهستيريا، كررتُ السؤال وبصوت أعلى «من على الجانب الآخر؟ هل أنت لص؟ أنا لست وحيدًا بالمنزل، معي والداي وأخوتي».
عندما لم أسمع ردًا تحولت حالة التحدي التي سيطرت على صوتي في البداية إلى خوف، لم يكن فزعًا بقدر ما كان قلقًا من أمر غامض لا أملك له تفسيرًا، زادت من حدته أجواء الكآبة التي تسيطر على تلك الليلة الشتوية المبللة بسيل من الأمطار الغزيرة التي لم تتوقف منذ كنت بالمدرسة وصوت المدير الجهور الذي يتماشى مع صوت الرعد، لكن من هذا الذي يمكن أن يخرج في هذا التوقيت العاصف؟ ما الذي جلبه إلى منزلنا هذا؟ هل كان يراقب المنزل ويعرف أن البيت ليس به إلا طفل صغير فخطط إلى قتلي أو خطفي أو ضربي وسرقة المنزل؟ الأسئلة تتابع فتزيد من إحساسي بالحيرة والتوتر، ليتني كنت قادرًا على إقناع أمي بأن تصطحبني معهاـ وسأرفض البقاء وحيدًا.
الحروب التي خضتها من قبل كنت فيها أقل توترًا، قائدًا على جيش تألف مني ومن أصدقائي الدمى، كنا نطوح أيادينا في الهواء فنرعب الأعداء العماليق، أقف على ناصية تلة سريري وعصا الله في يدي. وفي الموقعة الأخيرة صحتُ في جنودي الذين لا ينطقون، ولا يقدرون على النطق في حضوري، اقتربنا من أعداءنا، فلا تضعفوا قلوبكم، ولا تخافوا ولا ترتعدوا ولا ترهبكم كثرتهم، وإنا لمنتصرون، وانتصرنا فعلًا لأننا كنا نرى خصومنا ونعرفهم، ونعرف آخرتهم، ومدى تجبرهم حال أن خسرنا ووقعنا أسرى في أيديهم، لكنّ الآن كيف لي أن أواجه المجهول الذي يترصد بي من وراء الباب؟
يعلو صوت الطرقات من جديد ليخرجني من تساؤلاتي إلى حيز قلق أكبر، على مقربة من الباب توجد نافذة، قررتُ أن أستجمع قواي من بين رعشات جسدي المتعرق رغم أن الثلج يكسو معالمه، فنحن في ليلة باردة، وأنظر منها ربما تتضح لي الرؤية وأعثر على حل اللغز.
كنتُ، من قبل، إذا رفعت يدي بسيف من ورق تُغلب الأعداء وتنهزم جيوشهم، وإذا خفضتها سالت بركتي على رجالي الذين وقفوا بجواري في المعركة، بالمناسبة أين أتباعي الآن؟ أخ، صارت يديّ ثقيلتين ثابتتين مطرحهما، أعرف أن شرًا كثيرًا يقف كخفاش في الظلام، رغم أن النور حلو وخير للعينين أن تنظرا الشمس فينطفئ لهيب الأشرار وتخمد نارهم.
الظلام يسيطر على كل شيء ويخفي أي معالم، صوت المطر على الزجاج يمنح المشهد كله جوًا بوليسيًا، أتخيل الواقف على الجانب الآخر مرتديًا معطفًا يخفي ملامحه وقفازين يمكن أن يكونا وسيلة لاتقاء البرد أو عاملًا مساعدًا لارتكاب جريمة مرتقبة! ضاع دمك هدرًا، قلت لنفسي، فقد استعد الخصم جيدًا حتى لا يفلح أحد في الوصول إليه، رغم توتري كنت أجيد تصور المشهد لكن ما خطته؟ تنتابني رعشة لا أعرف هل هي نتاج خوف أم برد؟ تعلو الطرقات من جديد ومعها يتكرر السؤال: من بالباب؟
إذن، لا سبيل للمواجهة، الجري نصف الرجولة، وفي هذه الحالة لا مانع أن تصير رجولة كاملة، لذا قررت أن أضع خطة هروب من المنزل، ألا أبقى وحيدًا أبدًا، وبدت الخطة واضحة متقنة في رأسي، على أن أنفذها في غير مرة، لأنّ والداي ما زالا بالبيت.

كاتبة مسرحية وقاصة من مصر*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *