إلى السيد المنفلوطي

بقلم: همس بدر الدين*

 هُناك في البعيد وبعد عشرات السنين أكتب إليك عبر عبراتك التي سكبة عبراتي في غسق الليل رثاء لي ولمن أوجعه الزمان.
إن تجارب الحياة يا سيدي لا تنفك تتكرر، وكأنها تسألك إن كنت تعلمت من كل الأحداث الماضية، متعة حقيقية حين تدرك أن الجميل أصبح أجمل فقط لأنك قررت الانتباه والإبصار لحقيقة ما جرى وبالخصوص عدم اتهام الآخرين أو الحكم عليهم فإنك لا تعلم ما طوته نفوسهم بين جنباتها.
لكن الحق سبحانه لا يستتر عن رؤية مدركه ولا تخفى عليه من مخلوقاته خافية. وإنما الحجب على أبصار الخلق وبصائرهم، فالعادة جارية بأنه لا يخلق لنا الإدراك لما وراء الحجب، وكذلك إذا حلت الغفلة القلوب استولى عليها الذهول، وانسدت بصائرها، وانتفت فهومها.
وفوقنا حجب ظاهرة وباطنة، ففي الظاهر: السماوات حجب تحول بيننا وبين المنازل العالية، وعلى القلوب أغشية وأغطية كالأمنيات، والإرادات الشاغلة، والغفلات المتراكمة.
ولكن وزيرا أديبًا عقبك في الزمان قال ” وعُدتُ من المعاركِ لستُ أدري علامَ أضعتُ عُمري في النِّزالِ “غازي القصيبي.
فَرحتُ أقلبها في عقلي أيستحق عمري أن أمضي به في النزال؟ إن ‏الأمور لا تزداد سوء، إنما تتكشّف ويجب علينا أن نتمسّك ببعضنا البعض، ونواصل سحب الحجاب للكشف عن الباقي.
إننا في الحياة حين نسمح للأخر أن يكون هذا لا يعني أننا نوافقه فيما يفعله، إننا فقط نراقب ذاتنا من خلال فعله وتلك هي العبرة.
قال أحد العارفين:
“كل شيء يأتي بوقته، عندما تكون ناضجًا، وجاهزًا، كل شيء يأتي عندما تستحقه ” إذا لماذا كل هذه الحروب ألا يكفينا ان نعيش بهدوء وسلام؟ وننظر ما كان الدهر مبديه.
ثم أين سنكون بعد مئة سنة؟ أكان يستحق، أهذه الحياة تستحق أن نمضي دقيقة بألم وحزن ودمع منسكب وحروب لا تنتهي تأكل من أنفسنا؟
أجلس الآن في الشرفة المظلمة بعد أن فرغت من عبراتك اتبصر بها
برفقة قهوتي، لا ضوء سوى ضوء البرق، فالسماء على وشك أن تمطر أستطيع أن أشعر بقلق تلك الطيور التي تلتصق على أعشاشها..تحديدًا في تلك الشجرة التي أراها أمامي الآن ..عارية الأوراق كما يعري الزمان أيامنا.
أعشق تلك اللحظة التي تكون السماء فيها على وشك أن تمطر حينما أقف على شرفتي فجأة، فيلفني ذاك الهواء الرطب، ويتخلل مسامات جسدي وحتى رئتاي المختنقة بغصص لا تنتهي ..استشعر الهواء، وكأنني لن أشعر به مرة أخرى ..أمد يداي للخارج مغمضة العينين لأتحسس تلك القطرات الصغيرة والباردة جدًا ..وكأنني سأموت بعد هذا الشعور ..وكأن كل ما بي يصرخ ويردد أطيلي الوقوف واتركينا لنسيم المطر نحن في حاجة للتنفّس.

كاتبة سودانية*

4 thoughts on “إلى السيد المنفلوطي

  1. انسجمت في همساتك العليلة.. وغرقت بين سطورك الانسيابية
    فهنيئا لك ذلك القلم وادامه الله عليك

  2. انسجمت في همساتك العليلة.. وغرقت بين سطورك الانسيابية
    فهنيئا لك ذلك القلم وادامه الله عليك

  3. مبدددددعه ياهمس كما عهدتك
    انار الله دبك دومآ واسعدك ف الدارين
    الى الامام والله معك……. ❤️

  4. مقال جميل ورائع ،استحضرت معه الشخوص والحكم ،والامثولات القديمة ،اعادني الى ذاتي ذكرني بامنياتي ورغباتي وعثراتي ،وارسلني الى المستقبل صارخا ،حقا ماذا تريدين ؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *