شعرية الغربة في قصيدة” سفر اللجوء” 2-2

بقلم/ د. مصطفى الضبع*

من اللجوء إلى الغربة تتحرك القصيدة، ناقلة وعي الذات بنفسها إلى وعيها بعالمها، ومقاربتها عالمها مستمدة تصوراتها من التجربة الإنسانية:

لَـمْ نُـتْـقِــنِ الدَّفْــنَ،
أُمِيُّـونَ فِـي بَـلَــدٍ
نَحْتَاجُ فِيهْ غُــرَاباً كَيْ يُـعَلّـمَـنَا”

وكأن الغربة كانت و ما تزال قدر الإنسان منذ وجد على الأرض، تستعيد الصورة مشهد أول صراع عرفته البشرية “صراع الشقيقين قابيل وهابيل” الذي أفضى لمقتل هابيل على يد أخيه، وهي جريمة ترتب عليها معرفة إنسانية تمثلت في معرفة الإنسان بالقتل، ومعرفته بالدفن أيضا، ونهو ما يؤكده القرآن الكريم في قوله: “فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ” (31/ المائدة)

يستعرض الشاعر المشهد الراهن، مشهد إنسان العصر وهو يعترف بكونه أميا لا يعرف كيف ينهي صراعه أو كيف يتحمل نتيجة تصرفاته، والشاعر يعتمد تقنية الحذف مستثمرا طاقة الحضور والغياب، بين مشهدين يستحضر الماضي ليدلل على الحاضر، ويذكر الحاضر ترسيخا لاستمرار الماضي ورسوخه وبقائه دون انتهاء فإذا كان الإنسان الأول قد ارتكب خطيئته وجاء الغراب ليمحو جهله بالأشياء فإن إنسان العصر مازال يفتقد معرفة الإنسان الأول دون أن يكتسب خبرة منطقية بفعل الزمن، وعلى الرغم من أن الشاعر يحصر الأمية في مكان “بلد” فإن الطاقة الرمزية للمفردة في سياقها يجعل منها مساحة حركة تنطبق على الكثير من البلدان، فليست القضية تخص ذاتا محددة في بلد محدد بقدر ماهي تخص العالم في إطلالة الشاعر عليه ومكاشفته إياه، والشاعر يستثمر الطاقة التعبيرية والدلالية لضمير الجمع المتكرر في نهاية الفواصل الشعرية إحدى عشرة مرة: يدفعنا – يخلصنا – يعصمنا – ودعنا – يعلمنا – أخرسنا – غدنا – تدوخنا – تعانقنا – معنا – دمنا، والضمير في تواليه يقوم بعدد من الوظائف الدالة:

  • يكون بمثابة الرابط الإيقاعي، حيث التكرار يمثل إيقاعا صوتيا يربط بين تفاصيل القصيدة في موقعه كما يقوم بدور الضابط للإيقاع الداخلي للقصيدة بوصفه حركة إيقاعية متكررة تنتهي بها المشهد تمهيدا لبداية مشهد جديد أو صورة شعرية جديدة.
  • يحقق مساحة من التماسك النصي بين التفاصيل والصور الشعرية المتعاقبة.
  • يمثل تأكيدا للخطاب الجمعي عبر صوت الشاعر بوصفه ممثلا للجماعة، والمؤكد على شمول إنسان العصر بإخراج الصوت من إفراده لجماعيته.
  • الضمير في اتصاله بمجموعة الأفعال ينتج سردية تقوم على توالي الأحداث بحيث يمكنها تشكيل نص سردي الطابع يمكن مكاشفته عبر الربط بين الأفعال اعتمادا زاوية السبب والنتيجة، وملء الفراغات بين الأحداث، ففعل الخلاص مترتب على فعل الدفع وفعل العصمة يترتب على فعل الخلاص وهكذا مما يجعل عددا من الروابط الداخلية تعمل على تشكيل السلسلة السردية المنتجة بفعل العلاقة القائمة بين الأفعال المرتبطة دلاليا وصوتيا.

تتكشف الغربة تدريجيا عبر مجموعة العلامات الكاشفة مزدوجة الدلالة يحسن الشاعر توظيفها في سياق قصيدته، مع احتفاظها بطاقة التناص الدال، وتتمثل في:

  • تمثل طوفان نوح ” يَا وَاهِبَ الطُّـوفَــانِ هَـيْبَتهُ:
    مَنْ يُقْنِع المَاءَ أَنْ لَا يُغْـرِقَ اْلُمُــدُنَـا؟

                     فَــ”نُــوحُ” حَــارتِــنَا خَـارت قُــوَاهُ،
                 فَــلَمْ يُتْمِـمْ سَـفِـينَـتَهُ حَتَّى يُـخَـلّصَــنَا.

وَاْلمَاءُ يَعْـلُـو.. وَمَا فِي البَحْـرِ مِنْ جَـبَلٍ
نَـأْوِي إِلَـيْهِ،
وَلَا شَـطٍّ فَـيَعْـصِـمنَا

  • تمثل أبي تمام عبر صوته الشعري ربطا بين عصر الشاعر السابق والشاعر اللاحق “المَــوْتُ أصْـدَقُ إنْـبَـاءً..
    أَخَفُّ خُطىً، بِلَا ضَجِيجٍ، يُصَفّي ديْـنَـهُ مَــعَــنَا

ومتجاوزا الصيغة التقليدية المتداولة لقول أبي تمام المعروف، ناقدا لها ومغيرها لصالح رؤيته لواقعه، وتعبيرا عن معتقده:

السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ       في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ

منتجا صيغة تليق بواقعه ومحذرا من سطوة الموت الذي يفرض نفسه على الحياة، فلم يعد الصراع من أجل إظهار الحق، وإنما من أجل البقاء، مجرد البقاء على قيد الحياة

  • استدعاء شخصية نيرون الطاغية الروماني، مستحضرا مشهده الشهير وحاصرا إياه في فعل الطغيان، إحراق روما، تلك المدينة التي تصبح رمزا متجددا حاضرا في كل مشهد وشاهدا على فعل الطغاة عبر التاريخ:

“نيْرُونُ” يُحْـرِقُ رُومَــا اليَوْمَ ثَــانِيَةُ
وَشَعْبُ رُومَــا يُؤدّي وَحْــدَهُ الثَّـمَــنَا

رابطا بين المدينة القديمة روما، والمدن الحديثة التي يتفكك عبرها رمز روما، وتعيد تمثيل المشهد السابق، كما يتمم الصورة ذلك الشعب الروماني الذي يدفع الثمن، وهو استحضار جديد للشاعر، يمثل مساحة من التجديد في الصورة القديمة، ففي المشهد المتكرر الطروح على وعي المتلقي يختفي الشعب ولا ذكر له، وينفرد نيرون وحده بمشهد الإحراق ([1])

  • واقعة الإفك، عبر رموزها المتقابلة، المتصارعة، واضعا الجبهتين في صورتين غير منطقيتين، فالجاني أثبت براءته والمجني عليه يتسربل في دموعه مقهورا:

يَــزِيـدُ” أَثْبَتَ لِلـدُّنْـيَا بَــرَاءَتَــهُ
وَدَمْعُ “زَيْنَبَ” يَحْكِي ظُـلْـمَهُ شَجَـنَا

  • واقعة يهوذا والمسيح وخيانة الأول للثاني:

“حَتّى “يَهُوذَا” الَّذِي بَاعَ المَسِيحَ غَدَا
إِذْ أَتْقَـنَ الّــدَّوْر- بَيْنَ النَّاسِ مُــؤْتَمَـنَا

إنه الواقع المقلوب المعبر عن الماضي المستمر، فالوقائع المستدعاة عبر مجالها الحيوي ممثلة في الأشخاص وما صنعوه من أحداث تستحضر في الحقيقة أفعال الخيانة والقهر وما شابههما من تفاصيل حاضرة بقوة في زمننا، تفاصيل تفرض نفسها جاعلة من الشاعر صارخا وهو ينهي رؤيته عبر سؤاله الجوهري والحاسم:

مَاذَا فَعَلْتَ؟ سَكَبْتَ الْمِلْحَ،
فَاتّقَدَتْ فِينَا الجِرَاحُ الَّتِي تَقْتَاتُ مِنْ دَمِنَا

رَشَشْتَ فِي وَجْهِهَا مَـاءً فَــأيْـقَظَهَا
وَأَغْرَقَ الشَّامَ فِي عَيْنَيَّ وَالْيَمَنَا

يَـومٌ بعامٍ.. مَضَى،
فِي اْلحفْرِ عَنْ وَطَـنٍ
تكـسّرَ العُـمْرُ
لَكِـنْ لَــــمْ نَجِـدْ وَطَـــنَا…!

حزمة الأسئلة وطاقتها التعبيرية:

عبر نظامين يطرح الشاعر حزمة من الأسئلة، أولها مباشر يوجهه بصيغة السؤال المعروفة، وثانيها غير مباشر يتخلل النص ويكاد يمثل نظامه الدلالي عبر تحريكه المتلقي لطرح أسئلته الخاصة.

والشاعر يطرح حزمة من الأسئلة التي تحقق عددا من الوظائف الدلالية، منها:

  • تحريك متلقيه نحو منطقة السؤال في جانبه المجازي.
  • تحقيق الربط بين مفاصل القصيدة عبر السؤال المتكرر.
  • تنويع الأسلوب والعمل على نفي التكريس لصيغة شعرية واحدة من شأنها احتمال ابتعاد المتلقي عن مساحة النص في بعض مناطقه، والشاعر يراوح بين عدة أساليب، متحركا بين مساحات الزمن والجغرافيا وتفاصيل التاريخ والشخصيات المفرودة على مساحة زمنية ليست وقفا على عصر إنساني واحد.
  • يأتي السؤال الأول موجها للذات في محاولتها فهم واقعها من خلال فهمها نفسها، وعبر صيغة السؤال المركب في مجازيته الموجهة للغريب، جامعا بين ثلاث صيغ استفهامية تتجلى عبر أربعة أسئلة متداخلة، تؤكد فكرة الحزمة:

” منْ أنتَ؟
كَيْفَ عَـبَرْتَ اليمَّ دُونَ هُدىً
وأيّ بَوْصَلَةٍ قَـادَتْ خُطَاكَ هُـنَا؟

قَالَ الْغَـريبُ: أَنَا اْلمَنْفِيّ مِنْ وَطَنٍ
مِنْ المَنَافِي، إلَى المَجْهُــولِ يَــدْفَـعُـنَا

الله
يَا وَاهِبَ الطُّـوفَــانِ هَـيْبَتهُ:
مَنْ يُقْنِع المَاءَ أَنْ لَا يُغْـرِقَ اْلُمُــدُنَـا؟

بعدها تأتي الحزمة الثانية معتمدة الآلية ذاتها، في تأكيدها على رؤية الغريب لواقع يطمح إلى تفكيك أسئلته، واكتشاف ما وراءها فبعد غرق المدن يكون السؤال طارحا الحيرة عن الوقوف على ما تبقى من المدن الغارقة:

  • عَـنْ أيِّ شَـيءٍ سَنَحْكِي بَعْـدُ؟ /عَـنِ اللُّجُــوءِ سَنَحْكِـي؟
    عَــنْ مَــرَارَتِهِ؟ أَمْ قِـصَّةَ الحُلُمِ الْمَبْتُــورِ مِـنْ غَـــدِنا

ومع تعدد الحكايات، واكتشاف تشوه الواقع، وسطوة الغربة، يكون السؤال الاستنكاري للذات:

  • مَاذَا فَعَلْتَ؟ سَكَبْتَ الْمِلْحَ،
    فَاتّقَدَتْ فِينَا الجِرَاحُ الَّتِي تَقْتَاتُ مِنْ دَمِنَا”

 

 

هوامش وإحالات

[1] – في الشعر الحديث وبين القصيدتين الكلاسيكية والرومانسية يتكرر ذكر نيرون تسع عشرة مرة عند ثمانية شعراء:

خليل مطران: عشر مرات منها قوله في مطلع إحدى قصائده:

ذَلكَ الشَّعْبُ الَّذِي آتاهُ نَصْرَا       هُوَ بِالسُّبَّةِ مِنْ نيْرونَ أَحْرى

أَيُّ شيءٍ كانَ نَيرون الَّذِي       عَبَدوهُ كان فَظَّ الطَّبْعِ غِرَّا

–  أحمد شوقي: ثلاث مرات، منها قوله:

نَيرونُ إِن قيسَ في بابِ الطُغاةِ بِهِ       مُبالَغٌ فيهِ وَالحَجّاجُ مُتَّهَمُ

وقوله:

نَيرونُ لَو أَدرَكتَ عَهدَ كَرومِرٍ       لَعَرَفتَ كَيفَ تُنَفَّذُ الأَحكامُ

  • أحمد محرم: مرة واحدة:

فات نِيرُونَ رجالٌ رُزِقوا       من فنون الظُّلمِ ما لم يُرزقِ

  • إلياس أبو شبكة: مرة واحدة:

نيرونُ أَضرمُ فيها جَمرَ مُقلَتِهِ       تِلكَ البَراكينُ مِن أَجفانِ نيرونِ

  • تامر الملاط: مرة واحدة:

نارُ نيرونَ غادَرَتهُم جِبالاً       مِن رَمادٍ بِشَرّ مُرِّ النكالِ

  • حافظ إبراهيم، مرة واحدة:

لَيتَ شِعري أَتِلكَ مَحكَمَةُ التَفـــــــــــــــ       تيشِ عادَت أَم عَهدُ نيرونَ عادا

  • سعيد الكرمي: مرة واحدة:

ومتى ما ذكرُ نيرون وقع       مَثَلاً قل رحمة الله عليه

  • ميخائيل خير الله ويردي: مرة واحدة:

والأغنياءُ بِهِ لاهونَ مِن بَطَرٍ       لا شَيءَ يَردَعُهُم عَن نَهجِ نَيرون

وجميعها قصائد تكتفي بطرح شخصية الطاغية نيرون دون أن تأتي على ذكر الشعب المصاب بنيرونه والواقع عليه فعل نيرون، وإن بدا ذلك بصورة غير مباشرة تتضاءل جوار صورة الطاغية وطغيانه.

* أستاذ البلاغة والنقد بكلية الآداب، جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *