القصة القصيرة بين الظهور والأفول

إعداد وحوار مريم الزهراني 

متابعة وتدقيق حصة البوحيمد

تميّزت القصة القصيرة بوضوحها وصراحتها؛ إذ تكاد تخلو من التملّق الذي يزخر به الشعر، ومن الأساطير التي ترتكز عليها المقامات، إذ وُلد فن القصة القصيرة من رحم الألم والمعاناة فكان هدفه الأساسي عكس صورة الواقع، ومحاولة محاكاة الأحداث الواقعية من خلال قالب قصصي للتعبير عن الشعور والأفكار تجاه تلك الأحداث، مع إعمال العقل لإيجاد أفضل خيار متاح وسط الأحداث المطروحة 

يقول الأديب زكريا تامر وهو من أبرز رواد القصة القصيرة في الأدب العربي عن اختيار موهبته لهذا الفن السردي :

أمَّا اختياري للقصة القصيرة فيرجع لكونها أداة فنية غنية التعبير، تتحدى كاتبها، وتتيح له المجال لتقديم الدليلعلى أصالته، وموهبته، ومدى إخلاصه لبيئته وإنسانها“.
وللقصة القصيرة مكانة بين أخواتها من فنون الأدب السردي العربي، وقد انطفأ وهجها منذ نيف من الزمن حين اختطفت  الرواية في فترة زمنية بريق الساحة الأدبية، إلا أنها عادت من جديد واستعادت قوتها ومكانتها عند العرب بعد حركة الترجمة التي سادت في فترة زمنية سريعة فزادت من ظهورها في الوسط الأدبي بجانب اختها الرواية، ومن أهم الكتاب العرب الذين استطاعوا تثبيت أقدام القصة القصيرة ونقلها من المحليّة إلى العالميّة، هو الكاتب المصري يوسف ادريس، حيث اختار موضوعاتها من حياة الإنسان العربي، فخلق قصة عربيّة بلغة عربيّة مصرية قريبة من لغة الإنسان العادي وبذلك نقلها من برجها العاجي إلى لغة التخاطب اليومي
فتصدرت القصة منابر ومنصات دورالفكر والأدب في الوطن العربي، عكس ما تحدث به بعض المثقفين والمهتمين بالسرد عن غيابها بل موتها والبعض أشاع في الوسط الثقافي أنه ليس لها مكاناً بين أقرانها من الفنون الأدبية الأخرى مما أدى إلى غيابها، ولابد من إعادتها إلى واجهة التلقي، بين هذا وذاك طرحت “مجلة فرقد” تساؤلاتها حول هذا التباين على بعض الأدباء والمفكرين والقاصين والنقاد من خلال المحاور التالية :

-مالأسباب التي أدت إلى غياب القصة وهل تراه غيابا خطيراً على هذا النوع الأدبي؟
ـ وما هي السبل التي تعيد القصة القصيرة إلى واجهة التلقي في رأيك؟

وقد بادرنا بالرد على تساؤلات فرقد عراب القصة الأديب القاص الأستاذ/ محمد المنصور الشقحاء متسائلاً :


القصة القصيرة   كالعنقاء تتجدد في كل المواسم.

أين الغياب والمطابع تطبع الأعمال القصصية التي نجدها في أجنحة دور النشر المشاركة في معرض الكتاب الدولي بالرياض وفي معرض جده للكتاب.
وساحتنا الأدبية عبر الأندية الأدبية لديها لجان للسرد وأمسيات قصصية منبرية.
القصة القصيرة سيدة الإبداع ومنها وُلد النص الروائي ومنها وُلد النص القصصي القصير جدا.
ولدينا دراسات وأبحاث علمية وأدبية عنها نلاحقها هنا وهناك، المثقف الذي يتحدث يجهل حراك الساحة الأدبية المحلية ومنجزها والمهتم متابع لما حولنا وينكر وجودنا ككتاب قصة قصيرة ليتجمل أمام الآخر وهذه مأساة.
القصة القصيرة لم تغب والأنواع الأدبية تتطور حداثة ورومانسية وتعود أكثر ألقاً لأن الأنواع الأدبية لا تغيب وإن تبدلت الأسماء، هذا التساؤل لا مكان له في ساحة أدبية عامرة بالأسماء والنموذج الإبداعي المتجاوز فالقصة القصيرة بوصفها كسيدة للإبداع كما العنقاء تتجدد في كل المواسم.

ويرى الدكتور صالح معيض الغامدي من جامعة الملك سعود :

حظوظ الأجناس الأدبية في البروز تبدو متفاوتة 

إن القطع بغياب القصة القصيرة مسألة فيها نظر، فليس لدينا دراسات نقدية أو إحصائية دقيقة تؤكد ذلك بصورة قاطعة، وربما كان هناك خلط بين غيابها في بعض الملتقيات الأدبية والثقافية وغيابها في الواقع، وهما أمران مختلفان. قد يكون انتشار القصة القصيرة جداً عاملاً في انحسارها ولكننا لا نستطيع الجزم بذلك. وينبغي أن نشير إلى حقيقة أن حظوظ الأجناس الأدبية في البروز تبدو متفاوتة من وقت لآخر لعدة أسباب، أكثرها مرتبط بظروف التلقي والمتلقين ووسائط النشر، فمرة تبرز القصة القصيرة، ومرة تبرز الرواية، ومرة تبرز القصة القصيرة جداً  وهكذا؛ ولذلك فأنا لست مقتنعاً بمقدار التشاؤم الذي يحمله هذا السؤال حول واقع القصة القصيرة ومستقبلها في بلادنا .

ومن المملكة المغربية تشاركنا القاصة وأستاذة اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود سابقاً الدكتورة جميلة رحماني مستوفية حديثها:

على كتاب القصة منحها قُبلة الحياة 

جمعت القصة القصيرة الكلّ حولها كأم رؤوم توزع حنانها على من سولّ له قلمه أن يدخل غمارها، لتأخذه في حضنها الدافئ، كأنها تريد أن تعيده طفولته الأولى وهو متأبط أحلامه وآماله، وما إن صار على بعد حضن دفعته إلى تقمص شخصيات مختلفة، ومعايشة أحداث متعددة في لحظة واحدة. فألقى ما بيمينه ليعبر عن درامية اللحظة وقساوتها، وعن معاناة الذات الإنسانية من الظلم والقهر والقلق، فكانت القصة القصيرة لوقت طويل فاكهة الفنون. إلا أنها ما فتئت تفقد بريقها، وتغرب شمسها، وتغيب عن سماء الإبداع، وتتراجع عن مكانتها أدبيا لصالح الرواية. هذه ”الرواية” التي مارست إغواءها وفرضت سطوتها بالفعل والقوة؛ حتى أضحت ”ديوان العرب” والزاد الأطيب على مائدة الإبداع الإنساني. لكن هذا لعمري ليس مدعاة للقول بغياب شامل للقصة القصيرة عن المشهد الإبداعي؛ أو بـ ”موتها”، لأنه قول يحتاج إلى قرائن في غياب بيبليوغرافية تحصي الأعمال القصصية المطبوعة والرقمية، ولعل السرّ في الانجذاب للرواية هو طغيان الجوائز المالية الباذخة والمغرية التي تُقَدم باسمها مثل جائزة البوكر وكتارا، ما نجم عنه إقبال منفلت على كتابتها، وتهافت خلف مواسمها، وتنافس في إصدارها وتوزيعها. وترتّب عنه انفضاض النقاد عن الاهتمام بالقصة القصيرة؛ فقلّت مواكبتهم لها؛ وغابت دراساتهم النقدية، ليُولوا وجوههم قِبَل الرواية. كما لا نُنكر هذه الهالة التي غمرت الرواية في غفلة من الأجناس الأخرى، فدلّلتها وسائل الإعلام، وتلقّفتها دور النشر. وَيْ كأن إمكانات القصة القصيرة الجمالية قد نضبت، و”موضتها” قد درست!!
ولمنح القصة القصيرة ”قُبلة الحياة” كي تستعيد عافيتها وبريقها، ويسري فيها نبض الانتشار، فتعود إلى المنافسة وتطفو على سطح الإبداع. يُلقى على عاتق كتاب القصة القصيرة المسؤولية العظمى للارتقاء بها سواء أكان عبر اختيار تيمات غير مسكوكة أم عبر الانضباط للتقنيات الفنية لهذا الفن، فلا يبخسوا قيمتها وصعوبتها في الكتابة من حيث الاختزال والتكثيف. ولا بأس أن يُمنح للقصة القصيرة بعض الاهتمام عبر تخصيص جوائز مالية مهمة لكتابها، ولنقادها بغية تحفيزهم على مواكبتها، وتسليط الضوء عليها. ولعلّ فوز الكندية ”آليس مونرو” بجائزة نوبل للآداب سيعيد لها بعض توهّجها.
كما لا نغفل ما لوسائط الاتصال الحديثة من دور في التحريض على كتابة القصة القصيرة، وتوسيع قاعدة تداولها بين القراء وتيسير الاطلاع عليها فور نشرها. لأن هذا الوسيط الجديد بطبعه ينحاز للنصوص القصيرة لأنها الأقرب إلى روح هذا العصر السريع إبداعياً من حيث التكثيف والتصوير والسرعة.
ولا ننسى مدى فعالية المهرجانات واللقاءات الأدبية في إعادة مجد القصة القصيرة، وما هذا الاستطلاع للرأي الذي تفضلت به ”مجلة فرقد الإبداعية” لخير دليل على أن القصة القصيرة مازالت على قيد الحياة.
سيظل للشعر سحره، وللقصة القصيرة بهاؤها، وللمسرحية دورها، مهما اختلفت الظروف وتغيرت الأزمان.

ويعلق الكاتب القاص أستاذ خليل الفزيع متعجباً بقوله :

الفن يتطور لكنه حتماً لا يموت 

موت القصة مصطلح جديد يضاف إلى مصطلحات مشابهة أخرى لكنها غير دقيقة؛ فالقصة القصيرة مع أنها تراجعت في السنوات الأخيرة. لكنها لا تزال متواجدة على الساحة السردية. ولا توجد مجلة ثقافية إلا وبها قصة قصيرة أو أكثر إلى جانب أن المجموعات القصصية لا تزال تصدر بين فترة وأخرى ، فهي لا تزال تلقى الاهتمام من كتابها وقرائها وبمستويات متفاوتة.
ولعودة القصة القصيرة لمستواها الذي كانت عليه في السابق لا يمكن تحديد السبيل لذلك بشكل جدي وحاسم. فالمسألة خاضعة لذائقة المتلقي، وقارئ اليوم غير قارئ الأمس، لكن ما من سبب يدعو للقلق على مستقبل القصة القصيرة لأنها كفن سردي تتساوى في الأهمية مع بقية الفنون السردية الأخرى، والفنون الكتابية بصفة عامة تتعرض للمد والجزر حسب مزاح المتلقين، وهو مزاج يتأثر بالظروف العامة على مستوى الفرد والمجتمع، وبالمجمل قد يتطور الفن الكتابي لكنه حتماً لا يختفي، هو يتجدد لكنه لا يموت.

وشاركتنا الحوار من سوريا الكاتبة القصصية الأستاذة عبير الماغوط مشيدة بقولها :

المنتديات والجوائز تعيد القصة للواجهة 

تاهت دروب القصّة القصيرة في عصرنا الحالي، بين قصّة قصيرة جداً، أوومضة قصصية، من جهة ،وبين الرواية التي تبارى الكتاب لإبراز قُدرتهم على النفس الطويل في الكتابة وتهافت دور النشر لطباعتها من جهة ثانية؛ فتراجعتْ القصّة القصيرة، ولا يمكن أن نسمي هذا التراجع غياباً أوموتاً. فهي لا تزال موجودة ،وفن القصّة القصيرة لن يموت لأنّ القصّة هي سيرة الحياة، تنقل لنا مجريات وجود البشرية.
ساهم في تراجع القصّة القصيرة احتلال وسائل الاتصال الحديثة، كمواقع التواصل الاجتماعي والبرامج الترفيهيّة التلفزيونيّة، التي أعطت الترفيه بدون بذل أي جهد، إلى جانب تقدم الرواية واحتلالها المركز الأكبر بين الكتاب، والقراء، ودور النشر كُلّ ذلك على حساب القصّة القصيرة.
التغيير في الحياة حاصل لامحالة، لكن هناك سُبل لإعادة القصّة القصيرة إلى الواجهة، وذلك بإقامة منتديات تهتم بفن القصّة القصيرة، تعطي جوائز مخصصة ليس لكتاب القصّة القصيرة فحسب، بل للنقاد لدفعهم للاهتمام بهذا الفن كما اهتمامهم بالرواية ولاننسى دور الصحافة الإلكترونية قبل الورقية في إبراز أهميّة القصّة وإضاءتها على المستوى الراقي منها ومواكبتها لهذا الفن وبشكل دائم، بذلك كلّه ترتقي القصّة القصيرة وتسمو وتعود لتأخذ حيّزها بين الفنون .

وللقاص الأستاذ سلطان العيسى من السعودية رأي حول غياب فن القصة حيث قال :

تفاعل لجنة الحراك يحدث النهضة 

إحداث نهضة حقيقية للقصة القصيرة، يحتاج تعاون، وتفاعل، ومشاركة، من قبل خمسة أعضاء في لجنة الحراك العام: المبدع، والناقد، والناشر، والصحفي، والمسؤول.
جوهر القصة القصيرة، وضع الحادثة اليومية، تحت المجهر، ثم التقاط الإضاءة منها، والتي يمكن أن تتشكل منها القصة، هذا الفعل يحتاج إلى مهارة خاصة، كذلك الحال عند إعادة كتابة تلك الحادثة على الورق، فإنها يجب أن تتقولب وفق شروط الجنس الأدبي، وهذه مهارة أخرى، تحتاج إلى حرفية خاصة.
ثم إن كتابة قصة قصيرة جيدة لوحده لايكفي! إن لم تجد ناقداً، حاذقاً ومهتماً، وواعياً، يقدم خدماته النقدية لهذا النص، فينبّه المبدع والمتلقي لما كان غائب عنه، ويسهم بدوره في هذا الحراك.
ثم إن القصة القصيرة تحتاج إلى ذاك الناشر والصحفي، العاشق للأدب، المتلذذ بالقراءة قبل النشر والطباعة، والذي يجعل الربح المادي، في المرتبة الثانية، في سلم أولوياته.
وما يكمل المشهد العام؛ المسؤول الذي يفسح المجال أمام حرية الكتابة، والنقد، والنشر، والتوزيع، فالقصة القصيرة كغيرها من الفنون، تحتكم لقانون الإبداع، الذي يرفض القيود، ويعشق التحليق في سماء المتعة، واللامعقول.
غياب التأسيس، والمؤسسة، عائق حقيقي، وتحدي أمام الجميع، ولعل عزاءنا بأن الفنون لا تموت، بل تمر بمراحل مد وجزر، تبعًا لمؤثرات سياقية متعددة.

ويشير الأستاذ علي المالكي لأسباب الغياب بقوله 

العمل الجيد سيظهر وإن اغتالته ظروف المشهد

الغياب الذي حصل للقصة القصيرة حالة طبيعية تحدث عند اهتمام المؤسسات الثقافية والقراء وبخاصة النقاد بجنس أدبي على حساب آخر ما دعا بعض كتاب القصة إلى خوض تجربة الرواية وهذا يعود لأسباب يبررها البعض أن القصة لم تعد تتسع لما يريد إيصاله للمتلقي البعض وهم قلة أبدع في الرواية فانصرف تماما وربما وصل لمرحلة أنه يحب أن يقال له الروائي أولا بدلاً من القاص، وليس مبالغة إن قلت أن الرواية في فترة ليست بالبعيدة أوشكت أن تكون “موضة” حاول حتى العامة أن يجربوا كتابتها فظهر لنا فيها ما ليته لم يظهر وهذا في نظري أنه السبب الجوهري علما أن القصة لم تغيب بالكامل ولكنها أُبعدت عن المشهد فقط.
لا أظن هناك خطط تحتاج إلى جهد لاستعادة القصة وجودها أكثر من همة القاص نفسه فالعمل الجيد سيظهر ويناضل ليخرج ويبقى، كثير من الأعمال والأسماء مازالت تتصدر المشهد إذا ما تحدثنا عن هذا الجنس من مثل إبراهيم الناصر وجارالله الحميد ومشري  ولدينا الكثير من الأعمال التي يشار لها ولكتابها بالإبداع كأعمال عبدالله ساعد وفهد الخليوي وحسن النعمي، وأقلام للتو ظهرت وأبدعت من مثل ساعد الخميسي وغيره.
لكني أستغرب تجاهل النقد في هذه الفترة للقصة مع وجود كتاب قدموا الكثير وخاصة في (ق. ق. ج) القصة حاضرة لكنها في الظل الذي صنعته لها الظروف ولكن لا بد أن العمل الجيد سيظهر مهما اغتالته ظروف المشهد أو اشتغلت بغيره.

ويفيدنا الروائي والقاص الأستاذ جمال الدين علي الحاج من السودان الشقيق عن مصطلح الغياب  بقوله :

لازالت القصة تتنفس في صدور المبدعين 

لا يمكننا أن نطلق على جنس أدبي مهما كانت حالة الضعف التي يمر بها صفة الغياب و الموت. إن الحضور والغياب يتواردان في مخيلة المبدع والمتلقي معاً باستمرار طالما أن هناك ذاكرة حية تلتقط وتحس. هذه الذاكرة حينما تلتئم وتجتمع وتحتشد بالنفس صور وأحاديث ومشاهد في فضائها الزمكاني تشكل قصة مكتملة الأركان يقتات منها عقل المبدع وذاكرته لمنحه روح جديدة وكذا الحال مع المتلقي، وهذا ما يجعل لماضي المرء وحاضره ومستقبله معنى. كما أن فكرة الحياة والموت والخلود في لبها قصة مشوقة. قد يأفل نجم أو يختفي ويخفت بريقه في وقت ما في مكان ما. جراء تقلبات الطبيعة ودوران الكون و الحياة. وهذا بالضرورة لا يعني أنه إلى فناء. ربما هو موجود في الملكوت الأعلى يدور في مداره المرسوم ويقوم بوظيفته التي من أجلها خلقه الإله. كذا الحال في الأجناس الأدبية والقصة القصيرة ليست بمعزل عن فلسفة الحياة. طالما أن الشمس تشرق وتغرب والرياح تضرب والنار تضرم والعصافير تحلق والأنهار تجري و البحار والمحيطات تتسع وهذا المخلوق الغامض يلهث يكابد الحياة سيكون هناك ثمة من قصة تختمر في صدره ولابد أن يأتي يوم و تروى للعالم.
لعل المتابع والمهتم بالمشهد الثقافي العربي بالخصوص يلاحظ في الآونة الأخيرة بزوغ فجر الرواية على حساب الأجناس السردية الأخرى ( الشعر.. النثر.. القصة.. الخ). وربما هذا ما حدا بعض المتابعين والنقاد لإطلاق مثل هذا الكلام; وهو ليس بجديد سبق وقد أطلق على الشعر ديوان العرب وأنه توارى في وقت من الأوقات مفسحاً المجال للرواية. أنا لا أومن بهذا. الأجناس الأدبية والعملية الإبداعية عموما عملية معقدة جداً وهي بدرجة كبيرة من الغموض تجعل المبدع نفسه لا يملك إجابة للكثير من الأسئلة عن كنه التحولات والانفعالات الداخلية التي تمور بداخله لحظة تشكل الفعل الكتابي لدرجة أنه عندما يكتب لا يميز جنس المولود الذي يتخلق بداخله هو يدفع به للخارج ومن ثم يقلبه بين يديه ليتعرف عليه. لأنه همه الوحيد في لحظة الدفق هو فتح ثقب صغير لتخرج تلك الانفعالات دفعة واحدة حتى يرتاح وهنا تكمن المتعة، ربما لا تعادلها متعة سوى متعة الأم عقب تخطي آلام المخاض وأخذ مولودها في حضنها. لذلك تتداخل الأجناس الأدبية وتتشابك وتمتزج فيها جميع الألوان الموجودة في الكون لتشكل فسيفساء غاية في الجمال. تهدف فيما تهدف لخلق حالة من المتعة والدهشة قد تلازم المتلقي لوقت طويل وربما تبث فيه روح الوعي وهو المعني بالمسألة الإبداعية برمتها.
ربما تكون هنالك أسباب موضوعية أو عتبات جعلت الناظر للمشهد من بعيد يرى علو كعب الرواية على حساب بقية الأجناس منها ما هو متعلق بالنقد ودور النشر و الجوائز التي انتشرت وساهمت بالطبع في ذلك. لكن مع وجود قاصين يمسكون بالقلم كمشرط يمكنني القول أنه لا زالت القصة القصيرة تتنفس في صدور مبدعين كثر. ولا زالت الأدراج مكدسة بقصاصات الورق ولا زالت سماء الإبداع واسعة. رحبة تتسع.
ختاما أقول ربما على الهيئات الحكومية المهتمة بالشأن الثقافي والجمعيات الأدبية ودور النشر والنقاد والإعلام تقديم ما يلزم من الدعم والاهتمام. حينها ستبدد كثير من الغيوم وتتجلى القصة القصيرة في أبهى صورة.

وتبدي الكاتبة المصرية هدى توفيق اعتراضها على مبدأ الغياب قائلة :

فن القصة هو المعول لتدشين حركة إبداعية

في الحقيقة لا أعرف كيف ومن أين يأتي هذا التصريح نحو فن القصة القصيرة؟! التي تعاكس كل ما هو مطروح من هذا الفن على المشهد العربي كاملاً، للحد الذي يجعل بعض المثقفين والمهتمين يطلقون عليه غياب، بل إلى الحد الذي يصفه البعض بغياب الموت، مما يجعله غياباً خطيراً على هذا الجنس الأدبي. إن المتابع والمتذوق لفن القصة القصيرة على مستوى الوطن العربي يجده عامرًا بهذا التواجد السردي العال سواء كمياً وكيفياً ، وحتى قيمياً خاصة مع هذا التفاعل الثري الآن الآتي من التطور المذهل مع أيقونات التواصل الإلكتروني، الذي أخرج أشكال مختلفة ومتنوعة بقدر عال من آليات الخطاب السردي، رافده تاريخ طويل وحافل من الإرث القصصي التقليدي المعروف، الذي تشكل وامتلأ حتى أدى إلى بزوغ وتنوع وتعدد في المشهد القصصي من أشكال مختلفة سواء (مدونات، القصة الومضة، القصة الشاعرة، القصة القصيرة جداً، اليوميات، النصوص الأدبية. ) كلها تنبثق من وحي فن القصة القصيرة بلا شك باعتباره المصدر والمعول الأساسي الذي من خلاله تم تدشين حركة إبداعية كبيرة وموجهة فقط نحو هذا الفن بالذات، فنقرأ استلهامات متنوعة ومختلفة، وجديرة بالانتباه، والملاحظة والمتابعة، والدليل الموثق على ذلك وجود مسابقات كبيرة بأسماء الرواد لها مصداقية وأهمية كبيرة لأي مبدع من أجل أن يفوز بها نموذج: مسابقة يوسف إدريس/ الطيب الصالح/ الشارقة / غير الكثير والكثير من الجوائز في المنتديات الأدبية المحلية والخاصة بكل قطر عربي، وأتذكر مثال صغيرعلى قولي ، أن في إحدى المرات كانت الجائزة التشجيعية التي تصدر عن المجلس الأعلى للثقافة في مصر عن جائزة تخص فقط ( فن القصة القصيرة جداً) أعتقد أنه تصريح ليس في محله إطلاقا بل فن القصة القصيرة يتجلى ويُبدع ويتطور بقوة كنهج كبير، جعل منه مبدعين ومبدعات كبار يخلصون لهذا الفن ويصبح مشروعهم الخاص كمنهج وطريقة في الكتابة، والإبداع على حد سواء لا غير، كما أرى أن السؤال ليس ما هي السبل التي تعيد فن القصة القصيرة إلى الواجهة فهو موجود فعلاً وبقوة وثبات ولا يحتاج إلى واجهة للتلقي،  إنما الأصح هو السؤال عن كيف نستخرج الموهبة الحقيقية؟ وكيفية تطور ونمو هذه المواهب لتغزو عوالم مغايرة ومختلفة؟!، من أجل خلق إبداع حقيقي وكبير حتى يكون جدير (ة) بقول كاتب(ة) قصة قصيرة، إذن فلنقل ما هي السبل التي تجعل من هذا الفن وهذا الموهوب يستمر ويتطور؟ حتى يتحول لمشروع وهدف في حد ذاته وتكون مغامرة حياة الكاتب (ة) إلى الأبد، وخاصة بعد كل هذا التفاعل الافتراضي المذهل الذي أبرز لنا إمكانات كتابية وقرائية لجميع أبناء الوطن العربي على شاشات الفيس وتويتر والصحف الالكترونية، مما سهل المعرفة والتواصل في شتى البقاع والتفاعل السريع، وإن كان بالطبع للأمر وجهه الغير مفيد باستسهال الكتابة والإفراط في السطحية، و ظهور العديد من الأقنعة المزيفة، هل لنا أن نطلق على فن القصة القصيرة، فن الممكن، أو الفن السهل الممتنع؟!، وهنا تكمن معجزته الداخلية التي تحتاج إلى موهوب حقيقي وصدق فني عال للغاية، ونفس طويل ليس على مستوى شكل الكتابة، ولكن داخل المخيلة الإبداعية التي تبصركل ماهو جديد ودفين وصعب على الوصول إليه، بغير نفس طويل من التأمل والبصيرة العالية لخرق الممكن والسهل الممتنع. وأرى وهذه مجرد وجهة نظر السبل الممكنة لتثبيت وتقوية هذا الفن وليس عودته إلى واجهة التلقي هي : وضع أساس معرفي للكاتب من خلال قراءة الرواد والميراث القصصي الكلاسيكي إذا كان لنا وسط هذا العالم الافتراضي الجديد والكبير أن نطلق عليه ذلك، قراءة الأدب العالمي بقدر الإمكان ومحاولة هضم وصنع خلطة سحرية لتنتج فناً خالصاً بذات تعبرعن هوية وقومية محلية لكل مبدع، ليخاطب بها الملأ والآخر، بروح الإنسان الواحد، مهما اختلفت ثقافته وهويته وقوميته في كل زمان ومكان، يالها من خلطة سحرية أشبه بالمستحيل والمعجزة، لكن لا أعتقد أن شيئاً مستحيلاً داخل خيال أي مبدع موهوب حقيقي، مع ما أعتبره أهم السبل التي تتكئ عليها حصانة وتطور وتنوع أي مبدع، وهي القراءة المستمرة، ومحاولة تطوير آليات الخطاب السردي، واختلاق أشكال جديدة تناسب الواقع الجديد والعالم الواسع، الذي هو في تطور مستمر ومذهل، وبالطبع أهم سبيل ودور، هو دور الناقد الموجه الذي يلقي الضوء لتحليل وتوضيح سواء بالقبول من عدمه، مدى استخدام كل آليات التحليل المنهجي العلمي الصحيح، في تلقي جماليات الفن القصصي بشكل عام، والعمل الإبداعي المطروح بشكل خاص .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *