رأيتُ كما يرى النائم -في أثر نجيب محفوظ-(4)

 

بقلم: طارق بن خويتم المالكي*

رأيتُ كما يرى النائم خيمةً منصوبةً على سطح البحر، وقماشها منسوجٌ من خيوط الرياح، وعمودها سنّارة صيدٍ قصيرة. يأوي إليها الصيّادون من الأمواج إذا غضبت، وتختبىءُ فيها القوارب من العواصف إذا ثارت. فعلمتُ أنها طبع اللئيم الذي يتخلى عنك في اللحظات الحرجة.

رأيتُ أناسًا يجتمعون دونما يرى بعضهم بعضًا، ويتكلمون دونما ينبس أحدهم ببنت شفة. ويتّفقون ويختلفون، ويضحكون ويبكون. فعملتُ أنها ما أحدثته ثورة الاتصالات من أجهزة وبرامج.

رأيتُ قلوبًا تشع بياضًا نقيًا من وراء صدور أصحابها، وتضفي على الأماكن خيرًا وبركة، وتملأ الفعل سدادًا وتوفيقًا. ولا يرى أصحابها بياضها، ولكن يراه ويشعر به كل من يعيش معهم أو يلتقي بهم. فعلمتُ أنها النية الحَسَنَة.

رأيتُ العقل برمّته ذائبًا من الرأس في مداد قلم، ومتشكلًا في وعاء لفظ. ويكشف نوعية شخصية الإنسان، ويُظهِر مستوى أخلاقه، ويبيّن مدى ثقافته، ليرسم مرآته في عيون من يراه. فعلمتُ أنها الكلمات التي تنطلق من فم مُحدثِّها.

رأيتُ أغلالًا من السراب تقيّد حرًا طليقًا في يديه ورجليه. ويسافر مع الناس ولكن لا يسافر مثلهم، وإذا تعثر لا ينهض إذا تعثر ونهض غيره. ولا يشعر من الشمس سوى بالحرارة، ولا يرى من الليل إلا الظلام، ولا يسمع من الأصوات غير البكاء. فعلمتُ أنها الأفكار السلبية والتشاؤمية في ذهن صاحبها.

رأيتُ سحائب رماديةً تحاول أن تعلو على القمر، وشجرةً يابسةً تجاهد أن تحل محل الجبل، وعصفورًا صغيرًا يرجو أن يرتدي أجنحة الصقر، فعلمتُ أنه الذي يعظّم مكانته وقيمته من نقصٍ يعانيه في ذاته.

رأيتُ كل هذا، كما يرى النائم، ولكنني كنتُ يقظًا!

كاتب سعودي*

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *