حين تسقط الجدران

الاستاذ: الطيب جامعي*

حبس الحي أنفاسه يوم تناقلت الألسن خفية ذلك الخبر. ظلّت العائلات تنتظر اللّحظة الحاسمة. لا أحد يعلم كيف ستتطوّر الأمور. الكلّ في انتظار مشوب بكثير من التوجّس و الرّيبة…

كنت في الشّرفة الشّرقية أمسك بفنجاني الذي أعددته منذ قليل. ركبتني رغبة شديدة في تدخين سيجارة كما تفعل الكثيرات في المسلسلات. دقّات قلبي تزداد مع كل ثانية تمرّ. و يرتفع الضغط. يتفصّد جبيني عرقا، و تنتابني شبه إغماءة.
و بين صحوة و غفوة يمرّ شريط حياتي صافيا نقيّا أراه كمن يقف خلف عدسة “الكاميرا”.

أغبرُ هو ذلك اليومُ الذي ارتفعت فيه سحب التّراب عاليا. يومها ناءت الأرض تحت وطأة المجنزرات و الجرّافات. الجانب الشرقيّ من الحيّ يتنفّس أدخنة و أصواتا تصمّ الآذان. الوجوه الكالحة العابسة في كلّ شبر و زاوية. و الأحذية الخضراء و السّوداء بوطأتها تكتم أنفاسه: لقد قرّروا رفع جدار يمزّق أطراف الحيّ، و لا أحد يعرف السّبب في ذلك. و متى احتاج الجلّاد إلى تعلّات؟!…

مضى الجدار يرتفع في كلّ يوم و يلتوي، كأفعى تلتفّ على ضحيّتها قبل أن تعصرها حتّى الموت. الواقع أنه لا شيء جديد سوى تلك العمليات التي اعتدنا عليها: تجمّع بعض الصبية و رمي بالحجارة سلاحنا الأبدي الذي لا يعرف الفتور…
و قد سبق هذه الخطوةَ تغييرُ اسم الجانب الشّرقيّ من “حي الشيخ عمر” إلى “حارة بنيامين”.

تنفّسي يزداد صعوبة. أرى الفنجان و كأنّ صفاقا من ضباب يحول بيننا. أمسكته بصعوبة بين أصابعي. اغتصبت رشفة على عجل. و بسرعة فعلت فعلها، فاستطعت أن أستعيد بعض توازني. جلست على البلاط، و استندت إلى الحائط، تماما، تماما كما كنت أفعل في كلّ مرة أتسلّل فيها إلى تلك الكتل الخرسانية بعيدا عن أعين الرّقباء و الفضوليين.

كان أبي و أمي ريفيّين جدّا، رغم أنّنا في هذا الحيّ منذ ربع قرن تقريبا على ما تذكر أمي. أتينا إليه من الرّيف البعيد بعد أن تحوّلت الحياة على الحدود إلى جحيم لا ينتهي. ” لا نستطيع البقاء أكثر، و أنتم أطفال صغار في سن المدارس و لا مدرسة واحدة هنا”، هذا ما كانت أمي تردّده على مسامعنا منذ أن ارتحلنا عنه ذات نهار مكفهرّ. بيدأنّني أظن أنّ مخزون الصّبر قد نفد، فارتحلنا مثلما ارتحلت عشرات العائلات حاملة ما خفّ حمله. و هناك تركنا دارنا الواسعة و ديرنا…
كنت في كلّ مرّة أكبر أقاضيهم:” ألم يكن من الأجدر التّشبّث بحبّات التّراب و لو اقتضى الأمر بقاءنا بدون تعليم؟! ” ثمّ تلين نفسي قليلا، فتلتمس لهم بعض العذر: و هل بإمكان الممسك بالجمر أن يستمرّ طويلا؟

كانت سُكنانا في جوار ” الحاج جمعة” كبير الحي، رجل ذو وقار و جاذبية. له من الأبناء تسعة. أحدهم ” سعيد”، في مثل سنّي. نشأنا معا نلعب و نمرح في غفلة عن الأعين… فرغم الجيرة فقد كان التيّار لا يمرّ سلسا بين العائلتين، بل بين عائلات الحيّ الجديد، و لا أدري لمَ. كان أبي منذ أن وطئت أقدامنا الحيّ يردّد على مسمعي:” أنتِ مسيحيّة، و نحن مسيحيّون و … و … و …” إلى درجة أنّني كنت أحيانا أتمّ الجملة دون وعي منّي، فيغتاظ أبي و يحنق علي رغم تسامحه. بينما كانت أمّي تردّد:” أنت بنت.. و سعيد ولد… أتفهمين؟!”.

و طوال عيشي في الحيّ كانت العائلات حذرة، و كنّا نسمع بخلاف هنا، و شجار هناك. أمّا الأسباب فلم أكن لأتبيّنها. فكانت النّفوس تتتباعد شيئا فشيئا، و الجدران ترتفع بين كل بيت و بيت… غير أنّني كنت قد ركبت قطار التّمرّد و إن خفية. كنت أتحيّن الفرص للّعب مع “سعيد”. فإذا ما وقعنا تحت بصر أحدهم نُهِينا بحزم.

أتذكّر مرّة أنّ أمّي الحبيبة انهالت عليّ لعنا و سبّا بعد أن أخذ منها الغضب أي مأخذ. ثمّ تمتدّ يدها إلى شعري، فجرّتني بعيدا محذّرة إيّاي من العود إلى هذا التصرّف، و إلّا أخبرت أبي… انكمشت في مكاني لا أدرِي بماذا أجيب و كيف. ولكنّ قلبي ظلّ أبدا معلّقا يهفو إلى ذلك المكان الحبيب الذي كنّا نلتقي فيه خلسة. وُلِد شيء بين جوانحي يربطني بتلك الحبيبات من الرّمل و الحجارة التي كنّا نلهو بها. و مافتئ كل يوم يكبر و يكبر، و لا تسل عن الرّباط الآخر الذي نشأ بيني و بين “سعيد”، حتّى صار يؤرّقني بالنّهار و يسهّدني باللّيل. لم أعد أحتمل البقاء دون أن أراه. فإن لم أره رسمته بخيالي ببضعة من شوق تمثّلت فارسا سويّا.

زدت قطعة سكّر، حرّكت ما بقي من القهوة في اتجاه معاكس للمعتاد. لماذا خطرت ببالي هذه الرغبة المحمومة؟ لا أعرف… زاد سريان الدّم في شراييني حتّى تورّدت. و تسارعت نبضات قلبي مثلما كان يحدث كلّما التقيته.

مضى على ذلك الثعبان الذي التفّ على بيوت حيّنا زمن خلته دهرا، و تلك البضعة منّي معلّقة قلقة. لم أنم طوال تلك الفترة كما ينبغي. تغفو عيني لما ترتفع عقيرة الديَكة بالصّياح، و ما ألبث أن أنهض سريعا على أملٍ جديد قد يزهر و قد لا يزهر.

السّاعة تشير إلى الواحدة ظهرا، الحركة عادة خفيفة في الحي في هذا الوقت بالذّات. ولكنها الآن ميّتة تماما، و النّاس يرقبون اللّحظة الحاسمة من خلف مصاريع النوافذ و الأبواب. أعرف أن الأعين الآن مفتّحة أكثر من أيّ وقت مضى.

كنت إلى وقت قريب أتسلّل إلى هذا الجدار، إلى تلك البقعة بالذّات. و أبقى أدور و أدور. أسائل نفسي:” هل أضعتِ شيئا؟ هل تبحثين عن كنز مطمور؟! أين أنتَ يا كنزيَ المفقودَ؟”.
و في يوم أسندت ظهري إلى تلك الكتل الخرساء أسترق بعض الرّاحة بعد أن أًدمِيت قدماي من اللّفّ و الدّوران… و إذا بقلبي ينتفض انتفاضا. أشخصُ برهة. أرهف السّمع. الحياة تُبعَث فجأة في الجدار. خربشات و نقر على الجانب الآخر.. هي.. و الله هي.. أسمعها الآن. فألتصق بالجدار حتّى لكأنّه صار منّي. أضع أذني، فأفهم كل حرف و كلّ كلمة…

كنّا في ما مضى لمّا تأبى الكلمات أن تغادر الشفاه نترك للأنامل مهمّة إيصال رسائل الغرام و فضح أسرارنا بإيقاع معيّن تعوّدنا عليه. و بسرعة تعمّدت النّقر على الجدار. و يا لحظّي! في كلّ مرّة يأتيني جوابه مضمّخا بتباريح الشّوق…

و على هذا دأبنا. في الواقع وجدت في ذلك متعة أيّة متعة عوّضتني صدّ الأهل المدّثّرين ببطانة من تقاليد أكل عليها الدّهر و شرب. لم تعد الأعين تحاصرنا، و لا الألسن تلوك سيرتنا ممزوجة بكثير من التّهكّم و حتّى الحسد. كنت أحيانا أعود إلى نفسي أسائلها، و أشدّد عليها و أقسو. لا أدري أ أحزَنُ لهذا الأفعوان الذي يمزّق الحيّ إربا إربا، أم أفرح بوصال لطالما حرمته؟ ولكن هل كان الحيّ في يوم على قلب رجل واحد؟ و ماذا بعد هذا الوصال الغريب؟ و إلى متى؟!

و ينقطع حبل التّذكّر في هذه اللّحظة بالذّات على اهتزاز كامل الحيّ: انفجار، ثمّ آخر، و آخر… ترتفع سحب الدّخان الممزوجة بالأتربة. صرخة النّصر تدوّي بركانا. تربتنا ترسم دوائر حلزونيّة و هي تتراقص في الفضاء الرّحب…
و بسرعة انكمشت وراء النافذة أراقب ما يجري. تخيّلتهم يهرعون بأحذينهم الممقوتة و سحناتهم المكفهرّة، يعتقلون كل رجل و شابّ. حتّى الأطفال رأيتهم يصرخون. و تخيّلت “سعيدا” بينهم يُركل و يُلكم حتى تزرقّ بَشَرته، و ربما صوّب أحدهم فوهة الرّشّاش إلى رأسه لمّا قرأ النشيد الوطني. يقشعرّ بدني. و كالثّكلى المكلومة أهبط الدّرج على عجل دون وعي. فأجد الجميع يهرعون مثلي تماما إلى مكان الانفجار.

قسم كبير من الجدار، بل أقسام أضحت هباء منثورا. و الغريب أنّه لم يحضر أحد من تلك الوجوه المقيتة أو إحدى آلياتها. ربّما كبّلهم الخوف، أعرف أنّهم جبناء يتمترسون خلف آلياتهم المصفّحة لا غير.

و ترتفع التّهاليل من هنا و التكبيرات من هناك. و تُفتح النوافذ، فتنطلق الزغاريد شلّالا من النسوة و الصبايا… ألتفت يمنة و يسرة فأرى أبناء الحيّ الحاضرين يتطهّرون في فيض من القبلات و العناق الحارّ… لم يلتف أحد إلى الوراء. لم يتحدث أحد عن دين الآخر أو طائفته أو مذهبه… الكل ينظرون إلى الأمام…

حرارتي تبلغ المدى. و قلبي يكاد يمزق الحجاب الحاجز حين ألفيت نفسي بين يدين أعرفهما جيدا: يديْ سعيد. توجّست خيفة، تذكّرت تحذيرات الأمّ و الأب… حاولت الدّوس على قلبي الغضّ و الانسلال…
و لمّا بادرتني صورة أمّي وهي تقف هناك غير بعيد محملقةً تجمّد الدّم في عروقي… ثمّ تنبّهت. لم تقل شيئا. لم تجرّني من شعري، لم تهدّدني برفع الأمر إلى والدي. حتّى والدي رأيته بين الجموع يهنّئ هذا و يتقبّل التّهاني من ذاك، و يرفع يديه شاكرا الربّ، و لم يحرّك ساكنا تجاهي…

و منذ ذلك اليوم أصبحنا نلتقي على أعين الملإ دون منغصّ… و جاء اليوم الموعود. دخلت علينا عائلة “الحاجّ جمعة” في أبهى حلّة. و كانت حفاوة الأب قد فاقت الحدود. لم يردّد ما كان يردّده على مسمعي سابقا. و زاد من حلاوة الاستقبال استدعاء الجيران…

حين أنهى “جمعة” كلامه عن الخطبة ألفيت أمّي العزيزة ترفع عقيرتها بالزغاريد، في حين سكت الأب و لم يصدر منه غير ابتسامة عريضة. أمّا أنا فتولّدت فيّ رغبة قويّة في شكر الرّبّ، ولكن على طريقة “سعيد” و أبيه “الشّيخ جمعة”…
لقد سقطت كل الجدران.

قاص من تونس*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *