“حفل تنصب حسين البرنس أميراً للشعراء”

بقلم/ صلاح عبد الستار محمد الشهاوي*

صفحات مطوية من تاريخ الشعر العربي

منذ القدم والشعراء ينشدون الخلود في الأرض إن لم يكن في الآخرة، فهم موصلون بأسباب الإلهام تهبط عليهم دون سواهم، وإن كانت توصف أحياناً بشياطين الشعر، ولا حرج عليهم إن فاخروا في شعرهم بهذا المجد حتى وإن ذهبوا في هذا السبيل مذهب الغلو.

يقول أحدهم:

          أنا سيد الشعراء غير مدافع    أمشي فتمشي خلفيَ الشعراء!

وعندما نودي بالشاعر أحمد شوقي أميراً للشعراء تاقت نفوس كل الشعراء إلى الحظوة بهذا اللقب أو بلقب شبيه به يكتب لهم أفضلية على زملائهم في هذا المجال. وكان عباس محمود العقاد يهاجم أحمد شوقي وينكر عليه شاعريته وبالتالي إمارته، ويتطلع إلى منزلة تحاكي منزلة شوقي أو تفوقه، فأسعفه طه حسين عندما دعا جمهرة الشعراء إلى أن تستظل بلواء الشاعر العقاد، وهو ما يعني أن للعقاد لواء لا يقل رفعة عن لواء شوقي في الشعر.

ولكن عامه الشعراء في ذلك الوقت كانوا يرون أن لقب إمارة الشعر بدعه، وأن لكل شاعر مكانته ووضعه، وامتيازه في عالم الشعر.

والعقاد.. علم من أعلام الفكر والأدب والنقد. كاتب واسع الإطلاع.. بعيد النظر.. عميق الغور. رحب الأفق.. موسوعي متمرس.. غزير الإنتاج.. وهو شاعر مجدد لقي شعره الإعجاب والاستحسان، كما لقي في الوقت ذاته المعارضة والاستهجان من آخرين بحجة غموضه، والمعاضلة فيه، والتعقيد، وغلبة المنطق والعقل عليه، ما أثار حوله وحول أدبه معارك وخصومات مع كبار عصره ونقاده.

وللعقاد عشرة دواوين هي ثمرة ما يزيد على خمسين عاماً من التجربة الشعرية. وهي: يقظة الصباح، وهج الظهيرة، أشباح الأصيل، أعاصير، أشجان الليل، وحي الأربعين، هدية الكروان، عابر سبيل، ديوان من دواوين.

والعقاد الشاعر مولعاً بالتجديد والابتكار، وقد دفعه هذا الولع إلى الإسهام في خلق مدرسة شعرية، هي مدرسة الديوان. أهم بواعث هذه المدرسة في نظم الشعر هو الحب، وصدق العاطفة، وجمال الطبيعة، وتحبيب القيم المعنوية، والاعتزاز بالنفس، وتخليد مظاهر البطولة، وإبراز الخواطر والتأملات.

وقد شن العقاد الهجوم على شعراء عصره الكبار أمثال أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، لأنه عدّ شعرهم ضرباً من التقليد والاحتذاء الذي لا غناء فيه ولا تجديد.

من شعر العقاد يصف حظ الشعراء ومأساتهم في أنهم يسيحون في الخيال ويتيهون:

        ملوك، فأما حالُهم فعبيدُ               وطير، ولكنَّ الجُدودَ قُعودُ

           أقاموا على متن السحابِ فأرضُهم     بعيد، وأقطارُ السماءِ بعيد!

            مجانينُ تاهوا في الخيال فودَّعوا      رواحةَ هذا العيش وهو رغيد

      وما ساء حظُّ الحالمين لو أنهم        تدوم لهم أحلامُهم وتجود

          فوا رحمتا للظالمين نفوسهم           وما أنصفتهم صحبة وجُدود

           ويذرون من مس العذاب دموعهم       فينظم منها جوهر وعقود.

والقصة أنه حين انضم عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين إلى حزب الوفد المصري 1933م كان حذرا هياباً من منافسة كاتب الوفد الأول عباس محمود العقاد فجعل يسترضيه بكل ما يمكن التوسل به، وقد أتيحت له الفرصة حين أصدر العقاد ديوانه السادس وحي الأربعين، وواجه الديوان وصاحبه عاصفة نقدية تزعمها مصطفى صادق الرافعي، حين ذلك هتف طه حسين بمبايعة العقاد أميرا للشعر وذلك خطيباً في حفله تكريمية أقيمت للعقاد في مقر حزب الوفد بمناسبة صدور الديوان، ودافع عن هذا الرأي في مقال له بمجلة الرسالة. وكان مما قاله طه حسين: “إني لا أومن في هذا العصر الحديث بشاعر كما أومن بالعقاد، أومن به وحده، لأني أجدُ عند العقاد ما لا أجد عند غيره من الشعراء، فضعوا لواء الشعر في يد العقاد، وقولوا للأدباء والشعراء: أسرعوا واستظلوا بهذا اللواء، فقد رفعه لكم صاحبه”.

وما كاد رأى طه حسين يذيع، حتى تناوله المعارضون تهكما وسخرية، وكان من أوجع ما قيل، ما نظمه الشاعر محمد حسن النجمي حيث قال من قصيدة هازئة:

     خدع الأعمى البصير     إنه لهــو كبير

       أَضحك الأطفال منه       إذ دعاه بالأمير

       أصبح الشعر شعيرا      فاطرحوه للحمير

أما الشاعر محمد الهراوي فقد كان له قصة قديمة مع إمارة الشعر – إمارة أحمد شوقي – فعندما توجهت الدعوة لإقامة ذلك المهرجان لشوقي للتتويج بالإمارة في يوم الجمعة 29 ابريل 1927م – أخذ الهراوي يحرض أصدقائه من الشعراء على مقاطعه المهرجان وعلى عدم مبايعه شوقي بلقب الإمارة، وكان الهراوي يعمل مع الشاعر حافظ إبراهيم في دار الكتب المصرية،  فتحدث معه في هذا الشأن، كما تحدث مع الشاعر محمد عبدالمطلب، واجتمعوا مع لفيف كبير من الشعراء، ودار حديث صاخب عن هذه المبايعة، واستخفهم التهكم على شوقي فأخذ حافظ إبراهيم ينشد قوله:

     شال وانخبط       وادعى العبط
ليت هاجري       يبلع الزلط
عتبه شجي        حبه غلط
كلما مشى         خطوة سقط
إن أمـــره       في الهوى شطط

معارضا قول شوقي:

مال واحتجب      وادعى الغضب

وأنشد الهراوي:

 إن شوقي شاعر      كُلُّنا أَجَلَّهْ

       غير أنا معـشر       ليس يرضي ذِلَّهْ

    وهي جمهـورية     لا تري مَحَلَّهْ

واتفق الجميع على مقاطعة المهرجان، ولكن حافظ إبراهيم، قال: إنه سيشترك في حفلة المبايعة، فغضب الهراوي وسأله: أين ما اتفقنا عليه؟ فقال في ابتسام: أنا رجل جبان، لا أستطيع أن أتخلف، وفي المهرجان قام حافظ وأنشد قصيدة رنانة قال فيها:

      أمير القوافي قد أتيت مبايعاً     وهذي وفود الشرق قد بايعت معي!

وإذا كان الشاعر محمد الهراوي وجماعته الأدبية (الشاعر أحمد الزين، والشاعر أحمد رامي، والشاعر أحمد محفوظ، وكلهم موظفون بدار الكتب المصرية، والشاعر حسين شفيق المصري، والشاعر عبد الجواد رمضان، والشاعر سيد إبراهيم، والشاعر أحمد الكاشف، والشاعر محمد الأسمر) لم يصبروا على إمارة شوقي، وهو من أبرز شعراء عصره  

وأسيرهم شعراً، وأبعدهم صيتاً، فإنهم كانوا أشد استنكارا مبايعه العقاد، وتورط طه حسين فيما لجأ إليه، ورأت أن ترد على هذه الإمارة بإعلان مهرجان هزلي لتنصيب أحد مدَّعي الشعر أميرا للشعراء، وبعد بحث وتقصي استقر الجميع على أحد النساخ في دار الكتب المصرية ويدعى حسين البرنس، وكان ينظم الشعر، ولا يقرض بيتا صحيحاً، بل ولا يستطيع قراءته، فرأى الهازئين أن يقيموا حفلة مبايعة له، وحددوا لها الموعد، وأعلنوا عن مهرجان يقام للبيعة يتحدث فيه أكثر من عشرة شعراء، كلهم شاعر نابه مجيد!

وترامى الأصدقاء والأدباء على مشاهدة الحفل حيث أَجْلسوا أمير الشعر المزعوم في الصدر، وتقدم كل شاعر بقصيدته يُلقيها بين يدي المحتفل به، ثم نُشرت القصائد جميعها في الصحف اليومية، فكانت ردا لا يحتاج إلى إيضاح، على دعوة طه حسين لتنصيب العقاد أميرا للشعراء ووئداً لهذه الدعوة  في مهدها.

وهذه مقتطفات من بعض القصائد التي ألقيت في هذا المهرجان الاحتفالى الهزلي:

– من قصيدة الشاعر محمد الهراوي:

   إلى العريس فاصعد وامض بالأمر واقطع     ومُر وانْهَ وامنح ما بدا لك وامنعِ

   وَصرِّفْ أمور الشـعـر في الأمــة التي     تُميت رجال الشعر فيها ولا تعي

   فـأنت أمـيـرُ الشعر غـيـر مـنــــازعِ       وكل أمير غير شخصك مُدّعي

– من قصيدة الشاعر عبد الجواد رمضان:

 دعتك وقد توافر طالبوها     وهل يحوي العلا إلا بنوها

     أمير الشعر أنت وإن تغالى     وأسرف في الدعاية مدعوها

    جياع تاجروا باسم القوافي      وقد ربحوا الحياة وأَخْسَرُوْهَا

سأحمي عرشها وأذودُ عنها     زعانفَ للرذيلةِ سَخَّروها

وهل خُلقت جلالتُها لغيري       وشعري أمها وأنا أبوها

– من قصيدة الشاعر سيد إبراهيم:

إذا تفضلت يا أميري       فاقبل إذن هذه الإمارة

    وانهض بأعبائها فخوراً      وامنع عن الفن كل غاره

   فالشعر في مصر يا أميري   مستفعلن فاعل فعول

   فكن أميرا على القوافي      فالناس ليست لهم عقول

– من قصيدة حسين شفيق المصري:

    يا حماة القريض حول البرنس    أصبح الشعر دولة ذات كرسي

   وهـل الـحـكـم والإدارة إلاَّ            لبرنس يضحي برأي ويمسي

يقرض الشعر مثلما يقرض الفأ    ر حبالا قد فتلت من دمسق

   أيها الشــاعر الكـبـيـر رضينا         ك أميرا، فكنه، تفديك نفسي

– من قصيدة الشاعر محمد الأسمر:

   يا أمير الشعراء     أنت أولى باللواء

 سيدي فلتهنأ اليو     م بملك الأدباء

      امرؤ القيس على با   بك بعض الأمناء

      وأبو الطيب في الدو    لة بعض الوزراء

 والمعري لدى السد    ة يحبو للعملاء

 دولـة لـيـس بـهـا إلا      كبار الكبراء

– من قصيدة الشاعر أحمد الكاشف:

 يا من يدبر سلطاناً ومملكة         وليس فيها له بيت ولا نشبُ

   من لي بسدّتك العليا أُقبلها          ودون سدّتِك الأستارُ والحجبُ

   لم يُجْدِني الجدُّ في قولِ وفي عمل   وقد لعبتُ عسى يُجدِيني اللعب

   إمارة الشعر خذها يا حُسين فقد     أتى يبايعك الأخوان والصحبُ

 

*عضو اتحاد كتاب مصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *