السير الذاتية

بقلم: سعد عبدالله الغريبي*

يتهم كثير من القراء والنقاد كتاب السيرالذاتية بأنهم يضخمون ذواتهم؛ بل يجعلون تضخيم الذات هو الهدف الرئيس من كتابة سيرهم الذاتية. ويستدلون بذلك على أنه من النادر أن تجد أحدا منهم يصف نفسه بصفة دنيا، أو سلوك سيء. فكلهم منذ طفولتهم أسوياء راشدون، مجتهدون في دروسهم، مواظبون على حل واجباتهم، يحصلون على الدرجات العلى وينجحون بتفوق، وإن تركوا الدراسة فما ذاك إلا بسبب طلب العيش ورعاية الأسرة؛ وبخاصة إن كان بعد يتم.
ثم تمضي سيرهم الذاتية تمجد أنفسهم وسيرتهم العملية في وظائف تقلدوها، أو مهن مارسوها، وتكريمات نالوها. وإن لم ينالوا شيئا من التقدير والجوائز فمرد ذلك إلى أنهم مُنُوا بمديرين مجحفين لا يقدرون العاملين المخلصين.
وإن كانت سيرهم عن إبداعاتهم فحدث ولا حرج عن كيف شقوا طريقهم وسط الصعاب، وحفروا بأظافرهم الصخر، وعانوا شراسة المنافسين وكيد الحاقدين والمغرضين..
ومن المنتقدين لكتاب السير الذاتية من لا يعجبه حتى أن يتحدث الكاتب عن معاناته في طفولته وشطف حياة أسرته، ويفسر ذلك بأنه نوع من الثناء على النفس بادعاء العصامية التي نجحت في التغلب على كل الصعاب التي واجهها في طفولته وشبابه.
ما تقدم هو بعض ما يرد في السير الذاتية وما توجه لها من انتقادات. لكن من يستطيع من هؤلاء المنتقدين أن يقول إن ما قاله كاتب سيرة ما غير صحيح؟ إن التشكيك في صحة ما كتب الكاتب لهو رد دون دليل، وحكم على ما لم يُرَ أو يُسمع. وهل ترى يُقدم على كتابة سيرته فاشل أو جاهل أو خنوع أو انهزامي؟ إن من يكتب سيرته فهو يكتبها من أجل إنجازات حققها، وجهود بذلها يرى – وقد لا تكون كذلك – أنها تصلح دروسا تستفيد منها الأجيال الواعدة. وإن وجدنا في السيرة الذاتية دفاعا عن تُهم لفقت لصاحبها، وتبريرا لما ظنناه سقطات له فهذه حسنة أخرى للسيرة الذاتية ولكاتبها الذي كشف الغمة عن تساؤلات ظلت موضع حيرة لدى كل من يعرف صاحب السيرة.
يجب أن نعترف بأن السيرة الذاتية من أصعب المجالات التي يمكن أن يكتب عنها كاتب لعدة أمور؛ منها أنها لا بد أن يتخللها ثناء على النفس، لأنها حديث عن منجزات، والثناء على النفس أمر ممقوت من الكاتب ومن القارئ معا. ومن ذلك أن السيرة الذاتية لا بد أن تتناول أفرادا في محيط الكاتب كبعض أفراد الأسرة والأقارب والأصدقاء والزملاء والجيران، ولا بد أن يتجنب الكاتب التعرض لسيرهم أو التصريح بأسمائهم حتى لو لم يكن فيما ذكر الكاتب ما يسيء لهم..
خلاصة القول إن الكاتب مؤتمن على سيرته ومصدق فيما يكتب، ومن لم يعجبه ما كتب الكاتب فليعده أحد الإصدارات الغثة الذي خدعه عنوانه أو بريق غلافه أو اسم مؤلفه، وليبحث عمن يخلصه منه من هواة جمع الكتب لا قراءتها!

كاتب سعودي*

 

One thought on “السير الذاتية

  1. أبدعت أستاذ سعد. مقالٌ جميلٌ حقًّا. بالتوفيق ونحو مزيد من الألق والتميز والإبداع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *