‏الشعر الحر تأصيل قام على التضليل

الكاتب: حسن بن عبده المعشي*

‏منذ سبع عشرة سنة تقريباً استزارني الإعلامي المتميز بإدارة تعليم القنفذة الأستاذ: أحمد محمد ناصر المعشي بمنزله الكائن بقرية العصامي. وعندما هممت بالمغادرة بعد كرم ضيافته عمد إلى كتاب أمامه وناولني إياه قائلا: تسلَّ قليلا هذه الليلة مع هذا الكتاب فهو لشاعرة فذة بزت كثيرا من الشعراء. أخذت الكتاب وانصرفت داعيا له بالخير.
‏عدت لمنزلي وأخذت أقرأ وأستمتع بما قرأت. إنه ديوان الشاعرة نازك الملائكة رحمها الله بين دفتيه قصيدتها الذائعة “الكوليرا” وهو عبارة عن مجموعة من اللوحات الأدبية الفنية في الشعر الحر والتي تنم عن عبقرية مبدعها. ‏جعلني الفضول أبحث عن كتب أخرى للشاعرة فاهتديت إلى كتابها “قضايا الشعر المعاصر” الطبعة الحادية عشرة.
‏فوجدت المؤلفة تعيد بدايات الشعر الحر إلى القرن الرابع الهجري وهذا نص قولها بالصفحة الثامنة من الكتاب (‏والواقع إن الشعر الحر قد ورد في تاريخنا الأدبي، وقد كشف الأدباء المعاصرون ومن أوائلهم عبدالكريم الدجيلي في كتابه المهم (البند في الأدب العربي، تاريخه ونصوصه) لم أطلع على كتابه هذا كشفوا أن قصيدة من هذا الشعر قد وردت منسوبة إلى الشاعر ابن دريد في القرن الرابع الهجري وهذا نصها، و قد رواه الباقلاني في كتابه (إعجاز القرآن) وأدرجه كما يدرج النثر الاعتيادي، ولكني أؤثر أن أدرجه إدراج الشعر الحر ليبدو نسق أشطره المتفاوتة الأطوال والأوزان:
‏رب أخ كنت به مغتبطا
‏أشد كفّي بعرى صحبته
‏وسردت الشاعرة القصيدة كاملة وتبلغ عندها 9أبيات.
‏لا أريد الإطالة عليك أخي القارئ دهشت مما قرأت بل صُدِمْتُ كيف لم ندرس هذه المعلومة القيمة في كلياتنا العربية ولم أسمع أساتذة الأدب يوما يوردون مثل قولها فذهبت واقتنيت نسختين من إعجاز القرآن للباقلاني الأولى بتحقيق السيد أحمد صقر- القاهرة مؤرخة بقلم المحقق1952 -والأخرى بتحقيق الشيخ عماد الدين أحمد حيدر- مؤسسة الكتب الثقافية ببيروت- وهي طبعة جميلة الغلاف وما بين دفتيها حسن الخط والمداد.
‏فأخذت أبحث عن كلام نازك الملائكة حول تأصيلها لنشأة الشعر الحر، وعليه أقول:
‏1- أورد الباقلاني القصيدة في: فصل في نفي الشعر من القرآن.
‏2- أدرجها كما يدرج الشعر العمودي ذو الشطرين ليبين لنا الخلل فيها
‏3- تبلغ القصيدة عند الباقلاني 4 أبيات فقط  بينما عند نازك الملائكة 9 أبيات فمن أين جاءت الزيادة؟
‏4- علق الباقلاني عليها بقوله: بل هذا قبيل غير ممدوح، و لا مقصود من جملة الفصيح، وربما كان عندهم مستنكرا. فأين أمانة النقل عن الآخرين رحم الله نازك الملائكة وتجاوز عنها إذ لم تذكر تعليق الباقلاني.
‏5- الباقلاني أوردها غير منسوبة تجدونها في النسخة الأولى صفحة 56، وفي النسخة الثانية صفحة 82.
‏6- تقول الشاعرة في كتابها صفحة 9 وقد استنكر الباقلاني نسبة هذه الأشطر إلى ابن دريد، ولعلي أؤيده في هذا لأن ابن دريد شاعر متمكن من اللغة. ‏وفي الحقيقة أنا في حالة لاشعورية ولست مصدقا أن هذا الكلام العاري عن الصحة يصدر عن أديبة وشاعرة كنازك الملائكة، وأن تقوّل الباقلاني مالم يقله، فهو لم يشر إلى ابن دريد في هذا الفصل البتة لا من قريب ولا من بعيد فلماذا كل هذا؟ أمن أجل التأصيل يتعمدون الكذب؟ أم كانت سقطة منها إذ لم تقرأ كتاب إعجاز القرآن ونقلت عن عبدالكريم الدجيلي، وهذا أيضاً لا يعفيها لأنها مسؤولة عما تكتبه وتورده للناس؛ فهي تؤصل لنشأة فن جديد ولابد أن تكون الأدلة دامغة و واضحة كالشمس في رابعة النهار.
‏ثم تواصل المؤلفة وكذلك نقل عبدالكريم الدجيلي من (وفيات الأعيان) أشطرا منسوبة إلى أبي العلاء المعري تجري هكذا:
‏أصلحك الله وأبقاك
‏لقد كان من الواجب أن تأتينا اليوم
‏إلى منزلنا الخالي
‏لكي نحدث عهدا بك يا خير الأخلّاء
‏فما مثلك من غيّر عهدا أو غفل
‏فما كان مني إلا أن عدت أبحث في كتاب الوفيات لابن خلكان فلم أجده في ترجمة أبي العلاء المعري، وبعد جهد جهيد استمر لعدة أيام من البحث المضني وجدتها وردت في المجلد الخامس في ترجمةٍ برقم 724 لأبي العز مظفر بن إبراهيم بن جماعة العيلاني الشاعر الأعمى الملقب موفق الدين.
‏والخبر أيضا جاء على لسان أحد أصحاب مظفر الأعمى أنّ شخصا قال له رأيت في بعض تواليف أبي العلاء المعري ما صورته الأبيات السابقة الذكر، ونقله لابن خلكان فَلِمَ لا تشير المؤلفة إلى ذلك؟! إلا إذا أرادت طمس حقيقة لا تريدنا أن نصل إليها غفر الله لها.. وتريد أن تضلل القارئ العربي و تحيد به عن مسار تراثه الأدبي، وفي الحقيقة هذه القطعة لا يصح أن نسميها شعرا لأنها غير مقصودة للشعر على الحقيقة، ومعلوم أن أبا العلاء المعري شاعر فيلسوف وأديب لغوي عروضي متمكن من اللغة ويجري الكلام الاعتيادي على لسانه مجرى الشعر فهل نحمل الكلام الاعتيادي على أنه شعر من أجل التأصيل لنشأة الشعر الحر؟.

ولماذا لم تذكر تعليق ابن خلكان على هذه القطعة فهو يقول وهذا إنما يذكره أهل هذا الشأن للمعاياة لا لأنه من الأشعار المستعملة..انتهى
‏بعد هذا الذي ذكرته لك عزيزي القارئ أتوجه إليك بسؤالي..
‏هل يحق لنا أن نقول: الشعر الحر تأصيل قام على التضليل.

كاتب سعودي*

 

One thought on “‏الشعر الحر تأصيل قام على التضليل

  1. الأستاذ حسن المعشي لغوي بارع وباحث نهم
    وجميل أنه أزاح الستار عن جانب من جوانب التأليف المزيف الذي يخفي وراءه أبعادا تتجاوز الشعر الحر
    لك كل الامتنان على هذا الطرح الجميل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *