مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

وفاء عمر بن صديق* “أشار إليّ بسبابة يده اليسرى، بمقلتين ملؤهما الإعجاب، فر …

معصمه الأيسر

منذ سنة واحدة

696

13

وفاء عمر بن صديق*

“أشار إليّ بسبابة يده اليسرى، بمقلتين ملؤهما الإعجاب، فركتُ عينيّ من فرط الدهشة، وكدتُ أقفز من شدة الفرح: هل سأخرج إلى العالم، وأترك هذا المكان الممل الكئيب المليء بالصخب والضجيج، الذي أرهقني بأضوائه الصارخة، وإنارته الحارقة: يا ترى كيف يبدو هذا الكون؟
رأيته يميل إلى الرجل الذي يقف بجانبي دائمًا، وحدثه بصوت خافت، لم أستطع سماعه أو الإنصات إليه؛ لانشغالي بالتفكير في حياتي القادمة، أخيرا ارتداني في معصمه، وغادرنا سويًّا”.
في تلك الليلة نام بقربي انتظارًا لشروق شمس العيد معلنة بدء البهجة، شعرتُ بالزهو، وأنا محتضنة يساره بجلدي البنيّ الفاخر، وغمرني الخيلاء عند مبالغته في التلويح مباهاة بي عند السلام والتحية، لفتُّ أنظار الجميع، وسحرتهم بألق جاذبيتي، فاشرأبت الأعناق متأملة، ولاحقتني النظرات متفحصة، وتتبعتني مودعة لمعاني أثناء مغادرتنا المكان معًا.

يوما بعد يوم توثق الرباط بيننا، فصرتُ ملازمة له حتى أصبحتُ جزءًا لا يتجزأ منه، فأنا رفيقته التي لا يشرع بالعمل دون النظر بانهماك إليها، ومعشوقته التي تشعر بحرارة جسده المتدفقة في عروقه المنتشية طربًا لتسارع نبضات قلبه. ومُؤنسته في طريق عودته قبيل البزوغ من ذلك الفندق الفخم في وسط العاصمة الذي اعتاد على ارتياده في عطلة نهاية كل أسبوع؛ حيث اللقاء المنتظر الذي يعيد له جذوة الحب الأول، ووهج الشباب الراحل، فيضعني فور رجوعنا إلى منزلنا في علبتي المخملية بكل رقة؛ حيث أعيش في ظل اهتمامه، وكنف رعايته، وأتمتع بحرصه علي بصيانتي حفاظا على رونقي.
وبعد فترة لم تتجاوز السنة بدأ الفتور يتسلل إلى نفسه، ويطغى على معظم تصرفاته تجاهي، وكأن الجليد كسا قلبه، وتمكّن منه حتى أطبق قبضته عليه، فبرز الإهمال كحجة دامغة لا تقبل الشك أو الظنّ، فصرت حبيسة الأدراج لأيام، بل أسابيع، وأحيانا عدة شهور، بذلت قصارى جهدي؛ لأحيي فيه الشغف الذي كان؛ فتارة ادّعي المرض، وتعطّل بطاريتي، وتارة أصدر أصواتًا مزعجة لعلّه يتذكر وجودي، لكن لا طائل من هذا كله، تملّكني اليأس، وسيطر علي القنوط، فقد أيقنت أفول نجمي في سمائه. خفت بريقي تدريجيّا، وظهرت علي بوادر الصدأ، وامتلأتُ بالخدوش الناتجة عن ارتطامي المتكرر بسطح منضدة قهوته. ساءني كثيرًا ما آلت إليه الأمور بيننا، وما أعانيه من جفاء وقسوة بعدما كنتُ حافظة لأسراره، وكاتمة لخباياه، وخليلة لأوقاته.
وذات مساء لاح بصيص أمل، يبدو أنه سيذهب إلى مقابلة مهمة، أو اجتماع عاجل، أو ذلك الموعد، فقد لبس ثوبه المميز، وغترته المكوية بشكل متقن، وتعطر بعطره الفاخر تحرّكتُ بحذر مقتربة من فنجان قهوته أثناء احتسائه بضع رشفات منه؛ لعله يشفق علي بنظرة، شارفتُ على ملامسة كفه، لكن … لكن ….آآه دنوتُ من زاوية الطاولة، اختل توازني، سقطتُ واصطدمتُ برخام الأرضية، غادر مسرعًا، أطفأ النور، وتوقفت دقات عقاربي.

*كاتبة من اليمن

التعليقات

  1. يقول مشاعل:

    رائعة جدا ووصف دقيق مميز👍🏻

  2. يقول شعاع الدوسري:

    ابارك لك عذه الشمعه المضيئة في طريقك
    شكرا لجمال كلماتك

  3. يقول ولاء عبدالاله:

    نسجٌ راااائع وممتع
    مبهرٌ وصفك وصياغتك يا وفاء ..

    بالتوفيق يارب

  4. يقول ساره آل دريس:

    ماشاء الله تبارك الله
    كتابة رائعة وذكية وكلها إحساس ومشاعر عميقة لامستني
    شكراً وفاء بن صديق

  5. يقول ليلى:

    مزيداً من الألق والدهشة تصوير مبدع وقلم واعد تحياتي / ليلى ربيع ♥️

  6. يقول Taherah Alsaif:

    نص رائع بأوصاف دقيقة وأجواء هادئة ، موفقة العزيزة وفاء .

  7. يقول عبدالوهاب الفارس:

    أسلوب سهل وبسيط وسرد سلس واستعارات جميلة وموفقة .

  8. يقول عبدالله الرستم:

    قصة رمزية بارعة. كُتِبت برشاقة وخفة لغوية سهلة. تروقُ لي مثل هذه النصوص. شكراً أستاذة شذا على ذوقك الجميل. لاحظي كتبتها شذا (أُفضلها بالألف الممدودة خيراً من أن تكون ياء مقصورة). تحياتي

  9. يقول خلود عمارين:

    اسلوب روعه تخيلت وانا اقراءها ان الاحداث باجواء لندنيه جميله
    استمري عزيزتي

  10. يقول سهى الحسن:

    قصة رمزية تحوي من العمق الإنساني 🌷 بورك فكرك وقلمك عزيزتي وفاء 😊

  11. يقول هديل و فجر:

    قصة جميلة جداً و مؤثرة من الكاتبة المبدعة وفاء ❤️❤️

  12. يقول رامه الطيب:

    اسلوب جميل جداً وقصة معبرة بطريقة رائعة عن المشاعر. وفقك الله🌷🌷🌷❤️❤️

  13. يقول اميرة ذياده:

    اسلوب القصه وأختيار الكلمات وتنسيقها اكثر من رائعه تنم عن روح كاتبه عظيمه لها مستقبل واعد

    وفقك الله وسدد خطاك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود