الأكثر مشاهدة

مصطفى غنايم* تشير الدراسات النفسية إلى أن النزاعات والخلافات الزوجية المستمرة تت …

“انفصال الوالدين” التكيف مع الواقع وسيرورة الحياة

منذ 11 شهر

486

0


مصطفى غنايم*

تشير الدراسات النفسية إلى أن النزاعات والخلافات الزوجية المستمرة تتسبب في حدوث انعكاسات وتأثيرات سلبية على الطفل، من فقدان الشعور بالأمان، والنزوع إلى السلوكيات العدوانية، وفقدان الثقة بالنفس، والإحساس الدائم بالقلق والتوتر والانطواء، والانفصام في الشخصية إلى غير ذلك من الأضرار الصحية والنفسية والجسمية.
ويرى بعض الإخصائيين النفسيين أن الانفصال بين الزوجين قد يكون وسيلة ممكنة لخلق حياة أفضل للأطفال في بعض الحالات؛ إذ إن النزاعات والخلافات المستمرة بين الزوجين تتسبب في تسميم الأجواء بالمنزل، وأن الانفصال في هذه الحال يمكن أن يهدئ من حدة الحياة.
ويعرض كتاب ” لى بيتان .. انفصال الوالدين” للمؤلف لويز سبيلسبيرى، والذى صدرت ترجمته العربية عن دار نور المعارف للنشر ضمن سلسلة ” الأسئلة والمشاعر” قضية انفصال الوالدين من منظور التكيف والتعامل معه، بغية الوصول إلى قبول الواقع، ومجابهة الظروف الطارئة حتى يمكن للأبناء أن يعيشوا في استقرار نفسى .
ويؤكد المؤلف في بداية العمل أن العيش مع الوالدين في بيت واحد يعد أمرًا طبيعيًا ، بيد أنه في بعض الأحيان، قد تعيش الأم في بيت والأب في بيت آخر، كما يشير إلى مفارقة تحدث في بعض البيوت بين الأبناء والوالدين؛ ففي بعض الأحيان بالرغم من شعور الأبناء بالسعادة والأمان، إلا أن الوالدين قد لا يشعران بالسعادة أو التفاهم، ويتطرق العمل إلى تنبيه الأولاد إلى بعض أسباب الجدال بين الوالدين قد تكون جراء مشكلات في العمل، بينما في بعض الأحايين قد تكون أكبر من مستوى فهم وإدراك الأبناء أنفسهم.
وينتقل العمل إلى سرد مظاهر المشكلات على الوالدين لزيادة خبرة الأولاد ولفت انتباههم واكتشافها مبكرًا، ويصف العمل تلك الأعراض:” تعكر المشكلات مزاج الوالدين، وتجعلهما تعيسين، وربما يقل الوقت الذى يمضيانه في البيت، وعندما يشعر الوالدان بالتعاسة؛ فإنهما قد يتصرفان بطريقة مختلفة؛ فمثلاً قد لا يتحدثان معًا”.
ولكى تكتمل الصورة في ذهن الطفل يعرج المؤلف إلى انعكاس حالة التجادل والخصام على الأطفال من الشعور بالقلق والانزعاج، ويعمد المؤلف إلى إحداث نوع من التفاعل مع القارئ بتوجيه سؤال مباشر إليه ( ما شعورك عندما تستمع إلى جدال في البيت؟)، ويلى ذلك استدراج الطفل بطريقة خفية إلى لب القضية بعد سرد مظاهر النزاع بين الوالدين وانعكاسه على الأبناء ليوضح للطفل أنه عند عدم تمكن الوالدين من التغلب على الصعوبات التي تواجههما لا بد من اتخاذ القرار المناسب، ويذكره المؤلف بلفظه واسمه مباشرة “الانفصال” لتتحقق المواجهة بين الطفل والأمر الواقع، وقبل أن يشعر الطفل بالانكسار أو الصدمة يخبره المؤلف بأن ذلك ” لا يعنى أنهما سيتوقفان عن حبك، كل ما في الأمر أنهما أصبحا لا يشعران بالتفاهم معًا كما كانا من قبل”.
وإذا كانت الدراسات تؤكد أن الطفل يمر بعدة مراحل من التكيف مع ظاهرة “الانفصال” متدرجة إلى ( حادة، انتقالية، التكيف) فإننا نقترب شيئًا فشيئًا من سبب عنونة هذا العمل بـ ” لى بيتان” فنجد أن المؤلف يعرج بنا إلى أن الحياة في البيت بعد الانفصال ستكون في غاية الصعوبة، ومن ثم فهو يمهد للطفل قبول فكرة الانتقال إلى بيت آخر جديد، وأن ذلك سيكون صعبًا في البداية، وقد يترتب عنه الشعور بالخوف، وربما القلق لإقامته مع أحد والديه، لكن عليه أن ينظر إلى الصورة من وجهة نظر أخرى بأنه سيكون لديه غرفتان وبيتان مختلفان، ويطمئنه بأن والديه سيواصلان دوريهما ( كأم وأب ) على الرغم من انفصالهما.
ويمضى العمل في التدرج مع فكرة قبول بعض الظروف والتكيف معها؛ إذ يمكن أن يتطور الأمر إلى زواج أحد الوالدين من شخص آخر، وأن عائلته ستكبر ويكون لديه أشقاء وشقيقات جدد، وأن الأمر سيحتاج لوقت قد يكون طويلاً حتى يحدث التأقلم مع التغيرات في حياته العائلية الجديدة، ومع ذلك لم يشأ المؤلف إلا أن يختم العمل بنهاية سعيدة تدعو للتأقلم والتفاؤل والأمل، وبما يحقق الاستقرار وسيرورة الحياة بشكل طبيعي:” رغم ذلك ستتأقلم مع الوضع الجديد، والحياة ستعود إلى مسارها الطبيعي شيئًا فشيئًا”.

كاتب أطفال وناقد أدبى_ مصر
حساب انستقرام: mostafaghanaim@

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود