شعرية الأشياء في قصيدة “أشياؤه التي تقاتله”للشاعر خليفة الغالب

شعرية الأشياء في قصيدة ” أشياؤه التي تقاتله”

للشاعر خليف الغالب

 

  الدكتور مصطفى الضبع

خليف الغالب، شاعر أكاديمي وسعودي، تجمع تجربته في الكتابة الإبداعية بين السارد والشاعر، مما يجعل من تجربته الشعرية تطل على سرديته والعكس، وهو ما يجعل من متابعة تجربته مساحة لا يمكننا التخلي فيها عن جماليات السرد في قراءة الشعر، أو قواني الشعر في قراءة السرد.

ولأن الأشياء (سردا أو شعرا) لا تقدم نفسها بوصفها موضوعات أو مجرد تفاصيل تشغل حيزا من فراغ المكان أو جانبا من مخيلة المتلقي وإنما هي أشياء تخص نفسها قبل ان تخص النص وتنتمي إلى ذاتها قبل أن تنتمي للعالم من حولها، إنها تمارس عملها جاعلة من القصيدة “قصيدة الأشياء” في تجاوزها لــــــ “أشياء القصيدة ” تطويرا للمفهوم وتخليا عن الحضور التقليدي القديم لصالح حضورها الجديد، أو حضورها المتطور.

وكما أنها تدخل في نسيج النص لغويا فإنها أيضا تمثل معيارا شاهدا على قدرة الشاعر على إدارتها في سياق النص وصوره وخياله، وكيف يمكنه تحريك الأشياء عبر فضاء النص تماما كما يمكن للمخرج تحريك الشخوص على المسرح أو تحديد أماكن حركتهم في موقع التصوير السينمائي.

في قصيدتهأشياؤه التي تقاتلهمن ديوانه “سماوات ضيقة” تحقق الأشياء شعريتها عبر:

حركتها وتحديدها موقعها وفق طاقة شعرية تعمل على إنتاج جمالياتها.
تسلسلها وترابطها منتجة حبكة سردية تشارك في إنتاج الشعرية.
كونها مشاركة في تشكيل المعجم الشعري للقصيدة أولا وللديوان ثانيا.

تعلن الأشياء عن حضورها منذ السطر الشعري الأول بوصفه استهلالا مزدوجا يجمع بين الشعرية والسردية:

تعاتبه الشمس في الصبح لما

تحجٌب عنها بنظارته” 

حيث تتعاقب الشمس والنظارة بوصفهما علامتين شيئيتين أولا وشعريتين ثانيا، وسرديتين ثالثا، ويكون لظهور الشمس بداية علامة زمنية وأداة للرؤية تساعد على بسط الضوء الكاشف عن مساحة الحضور، وتمهد للمشهد البصري المرسوم بعناية لاحقا، وتمنح المتلقي فرصة متابعة الأحداث التالية وهي تتسربل من النقطة الأولى منطلقة إلى نهاية السباعية الشعرية (المقاطع الشعرية السبعة التي تتشكل منها القصيدة).

يطرح الاستهلال بداية التداول بين نوعين من الأفعال حسب فاعلها:

1- نوع مسند للأشياء (تعاتب) وعددها ثمانية عشر فعلا، منها اثنا عشر فعلا متعديا، وفعلان فقط لازمان.
2- نوع مسند للذات (ذات الشاعر أو الذات المروي عنها في القصيدة بوصفها تعبيرا عن ذات إنسانية) (تحجّب) وعددها خمسة عشر فعلا، منها اثنا عشر فعلا لازما، وثلاثة أفعال متعدية.

مؤذنة بقيام تداول بين النوعين يؤسس لحركة سردية تتشكل عبر حوار بينهما على طريقة الفعل ورد الفعل (تحجب تعاتبه) غير أن فعلا منهما يأتي لاحقا للآخر، وإن تأخر السبب عن المسبب على مستوى الكتابة وتقدم على مستوى الفعل في واقعيته، وهي الصيغة التي يحافظ عليها الشاعر في المشاهد التالية، أن يأتي فعل الأشياء تابعا لفعله (تحجب عن الشمس فعاتبته، ويضايق صوت سيارته القطة فتشتمه وهكذا تتوالى الأحداث).

وتشتمه قطة في الطريق

يضايقها صوت سيارته

ويمضي….”

كان من الممكن أن تتحول المشاهد في تكرارها إلى نوع من امتداد الأحداث وتواليها لتشكل مشهدا كبيرا تاما غير أنها تخرج عن نمطيتها المتوقعة بفعل يتكرر ثلاث مرات مختتما ثلاثة مشاهد دالة في مواقعها ملتزمة صيغة واحدة (ويمضي) منوعا بين المرات: مرة متبوعة بعلامة الفضاء ومرة مسبوقة بها (النقط الثلاث في إشارتها على علامة تشارك في إنتاج الفضاء النصي وتستهلك من مساحة البياض الدالة في النص)

ويستمر المشهد عبر مساحة واسعة من الأفعال المضادة للذات، حيث تصمت الذات وتتابع الأشياء فعلها:

تحملق فيه الإشارة في ريبة لا تغيب

ترى فيه خوف الليالي..

وحزن المغيب

ستعرف أسراره في ثوان

ستكشف أستاره الموت آن!

تمد له عينها …يعتريه الفناء

وحمرتها تستبيح السماء

ويغضي … ويمضي

ينتقل مركز الثقل من الذات للأشياء حيث تمارس فعلها في الذات عبر مجموعة من الأفعال المتعددة في الجملة الشعرية الثانية في القصيدة، وينتج شكلا استعاريا ما كان له ليكون لولا هذا الانتقال (لوقلنا يحملق هو في الإشارة لكان التعبير حقيقيا وليس مجازيا خلافا أن تحدق الإشارة فيه منتجة سلسلة من المجازات المؤكدة فعل القوى الشيئية الأخرى ، وهي في تسلسلها تنتج جملة سردية متوالية الأحداث : تحملق ترى ستعرف ستكشف تمد (يعتريه) تستبيح ، حيث تأتي الفعال محكمة الترتيب يفضي كل منها إلى الآخر، مترتبا لاحقها على سابقها حيث يفضي فعل الحملقةإلى الرؤية وتفضي الرؤية على المعرفة وتفضي المعرفة إلى الاكتشاف ويفضي الاكتشاف إلى المد الذي يفضي بدوره إلى اعتراء الفناء، ومن ثم تتحقق الاستباحة في النهاية بكل ما تعنيه الكلمة من معاني الاستلاب تجاه ذات تجابه الأشياء أو بعبارة أدق تجابهها الأشياء .

من ثلاثة وثلاثين فعلا تتشكل مادة القصيدة، تُسند ثمانية عشر منها إلى القوى الممارسة سلطتها على الذات، يمارس المتعدي منها (اثنا عشر فعلا) فعلها في الذات جاعلته مفعولها، في مقابل خمسة عشر فعلا منها مسندة إلى الذات، المتعدي منها ثلاثة فقط تمثل نسبة ربع القوى الفاعلة أو القوى الممارسة فاعليتها في عالم الذات والفضاء المحيط به بوصفه مجاله الحيوي.

إحصائيا تتنافس القوتان -عبر أفعالهما – في فرض كل منهما سيطرته على الآخر أو على مساحة أكبر من النص ومن ثم من العالم، غير أن الذات تقاوم الغياب، في محاولة للحصول على مساحة حركة تليق بها:

يقاتل كرسيه في الدوام

يحاول أن يستقر عليه وأن يلزم الآخرين النظام

وكيف لدنياه أن تستقر.. وهم يضحكون

وأين النظام..

يقوم ويمضي..

في تكرار للصيغة، صيغة (فاعَل) يستهل المشهد بفعل يصنع سياقه الخاص دون الخروج عن السياق العام (يقاتل)، والفعل يحيلنا لفعل سابق (تعاتب في المشهد الأول) اعتمادا على التشابه في الصيغة والوزن، وهو ما يحقق إحكاما عبر الترابط النصي وتماسك التراكيب والصور، والفعلان في اتفاقهما على الصيغة الصرفية يحيلان على مجموعة الأفعال المندرجة تحت الصيغة نفسها، وهي أفعال ليست كثيرة (أربعة أفعال): تعاتب يضايق يقاتل يحاول، في إشارتها لمحاولة الفاعل التوافق والتفاعل مع العالم (الفعل على وزن فاعل يشير إلى المشاركة بين الفاعل والمفعول، أو بين قوتين يقومان بالفعل في وقت واحد أو يتشاركان فيه وهو ما يجعل من الأشياء قوة مناهضة أو قوة لها فعلها في سياق العالم خارجا والنص داخلا)، وفي الفعل “يقاتل” دلالة على تلك المجابهة بين الذات وعالمها ، فالفعل يمثل قوة مركزية أو بؤرة لها مركزيتها تمثل بيت القصيد بلغة الشعر، والماستر سين بلغة السينما، حيث يكاد الفعل يكثف حضور الذات ويعبر عن الحياة في أدق معانيها (قتال أو هكذا تبدو كذلك)، قتال من أجل النظام الذي لا يتحقق، مما يجعل المشهد يطرح السؤال الاستنكاري: أين النظام؟، وهو سؤال قد يبدو تقريريا غير أنه يمثل نقطة نظام دالة بين المجازات أو نقطة واقع بين شبكة من المجازات، وهو في انتقاله من موقع التعبير الخبري إلى موقع التعبير الإنشائي الدال، يؤكد ارتفاعه من منطقة التوازن إلى منطقة الخلل، في المنطقة الأولى هو يعني التأكيد على ما هو كائن وفي المنطقة الثانية هو يحيل إلى احتمالية الدال (الأسلوب الإنشائي متعدد الدلالة غير مستقر على معنى واحد كما هو الحال في الأسلوب الخبري) ويكون لتخلي التعبير عن خبريته تأكيد للدال فالخبرية تحتمل الصدق والكذب مما يعني احتمال نفيها في مقابل مولد التأكيد من خلال التعدد في دلالة الإنشاء الذي لا يعني النفي مطلقا بقدر ما يعني الحضور.

في النصف الثاني من القصيدة تنفرد الذات بالفعل الاستهلالي منحيا الأشياء جانبا بشكل مؤقت:

يسير على قدميه وحيدا

وحيدا..

يسار.. يمين

يمين.. يسار

هما عونه بين هذي الحشود التي لا تُرى / لا تَرى!”

تنفرد الجملة الشعرية بمفردة الحال (وحيدا)، حيث تسير الذات متحركة في المكان وقد تخلت عنها الأشياء أو تركتها تواجه مصيرها، بين حشود لا تدرك الذات ولا تهتم بها، والصورة تكشف عن تردد الذات بين اليمين واليسار، وهو ما يعني محاولتها التجريب أو محاولتها الاستقرار على جانب واحد أو التنقل بين الاثنين دفعا للملل أو تجنبا للاستقرار بما يعنيه من معنى الركود والتكلس.

وضعية الذات تأخذنا من التردد إلى الغربة حين يسير وحيدا بين الحشود وهو ما يعني افتقاده لما تعود عليه من الأشياء إذ ليست الغربة بسبب الوجود بين الحشود وإنما لافتقاده للأشياء التي يخلو منها المقطع مما يجعله دليلا دامغا على وحدة الذات وشعورها بالغربة حين تفتقد الأشياء وهو ما يعني سطوة الأشياء وسيطرتها وقوة حضورها.

في المشهد قبل الأخير تنتقل الذات إلى انشغال الذات بالحشد بوصفه رمزا للعالم من حوله، وبوصف الذات مساحة للوعي بالعالم والإنسان، فالذات التي تدرك الحشود، تعي تماما مساحة حركتها في سياق الجموع التي يحسن الشاعر توظيفها حين يستخدم مصطلح الحشود، وليست الجموع مثلا ، فالجمع يكون ذاتيا، حرا في التجمع، أما الحشود فهي غير ذاتية غالبا يقوم بحشدها من يستهدف تحقيق غرض ما .

“يفكر في الحشد كيف يسير

وأين النهاية.. أين المصير

وينقسم الحشد نصفين

نصف يمين ونصف يسار

فيبقى مكانه ”

منتقلا من سؤال الغربة إلى سؤال المصير، مؤكدا على طبيعة الوجود الذي لا يقوم على طرف واحد وإنما هو دائما مشدود بين قطبين: يمين ويسار، كاشفا عن وجود لا يستقر على حال، ولا يدوم على شاكلة واحدة وهو ما يزيد من تشظي الذات بين القطبين، حيث هو يسير على قدمين باقيا مكانه مادام لا ينتمي إلى جهة تخلصا من التردد، مما يجعله مستحقا للعنة بدرجة ما، ولا يكون أمامه للخروج من أزمته سوى بالخروج من دائرة التردد وممارسة الحياة بالصورة التي كانت من قبل حين كان يعاشر الأشياء أو يمارس علاقته بها .

“لتلعنه رجله و ” اليمين”

وتلعنه رجله و ” اليسار”

ويبقى مكانه ”

ما بين تكرارية المضي، والبقاء في المكان، تتكشف أهمية الحركة الحاضرة في المضي، في مقابل الركود في فعل البقاء، وقد كانت الحركة تتحقق في وجود الأشياء التي يقيم الشاعر حواره معها بوصفه ذاتا تمارس حياتها بين الأشياء وبها، وحين تغيب الأشياء يحل الركود.

تحقق الأشياء حضورها، وحضورها يؤكد مجازيتها، ومجازيتها تمنحها شعريتها أو تضعها في درجة أولى من درجات الشعرية المنسبكة بالسردية، تلك السردية المطروحة عبر زاويتين: الإحكام والحكي، وفي شعرية الأشياء إعلان عن منازعتها الذات سلطتها فليست الأشياء مجرد تفاصيل تشغل حيزا من فراغ الفضاء وتشكل مسرح الأحداث، وإنما هي سلطة تشارك في إنتاج العالم وتشكيل تفاصيله، وإنجاز الدلالة فيه.  

 

جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل _كلية الآداب* 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *