صُراخ

 

قصة_ محمد مدخلي*

 

وما إن صعدتْ الفتاة الطائرة وجلست على مقعدها المحدد؛ حتى طلبت المضيفة من الركاب المكوث بأماكنهم مع ربط الأحزمة.
يفصلني عن مقعدها عجوز بدين أسنانه مهترئة؛ ينقل ثقله من قدم إلى أخرى. قُرب الفتاة من النافذة جعلها تُطيل النظر للخارج. بخدها الأيسر حبة خال زادت من جاذبيتها. لون فستانها فضي يضرب إلى الخضرة.
هبطت الشمس واصطبغ الأفق بالأحمر مختفياً خلفه آخر شعاع من ضوء النهار وجنّ الليل.
حدثتُ نفسي:
– الرحلة طويلة، لابد من ونيس غير هذا الهرِمْ . .
نظرتُ إليه؛ فمه نصف مفتوح، خيط أصفر يتدفق من شفتيه؛ أغمض عينيه نصف إغماضة. هممتُ بمخاطبته؛ وكزتُ كتفه بلباقة؛ سبقني بالحديث دون التفاته:
– أتود الجلوس مكاني؟
– نعم، ولكن كيف عرفت!؟ .
دغدغ أرنبة أنفه مبتسماً:
– “ستفقد شخصيتك إن اقتربت منها”.
شكرته على قبوله الدعوة غير آبه بتخريفه. عمّ السكون الطائرة. لمعة ضوء خافتة منعكسة عن السقف.
– موعد الوصول السادسة صباحاً.
ظلّ جسدها متحول للنافذة كما وأنها لم تسمعني!
شخير هذا الخرِفْ أقض السكون، يطلق زفرات ثقيلة بشكل مضحك. شعرتُ بحزن عميق نحوه.
حاولت عبثاً النوم؛ شاشة الملاحة تشيرإلى عبورنا المحيط الأطلسي، السماء بلا نجوم. تململتُ وأنا متوسط فتاة خرساء ومُسن معتوه. طلبت فنجان قهوة؛ أكلت فطيرة التفاح. أكملت الفصل الأخير من رواية ” إثبات عذرية “.
دوي صراخ أيقظ الركاب.
الكل جال ببصره عن مصدر الصوت!
طفلٌ حائر بين الرضاعة والبكاء. ساد الهدوء بعد أن رضعته أمه.
انبلج الفجر؛ هبطنا المطار.
عند موظف الجوازات افتقدتُ جوازي ومحفظتي.
حينها تذكرت أن تلك الفتاة مالت على جسدي وهي تبحث عن مصدر الصراخ.

قاص من السعودية*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *