مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

حين عاد لوركا من أمريكا الجنوبية منتشيا بنجاحاته الجديدة وصل إليه النبأ الفاجع ا …

قصائد نادرة (3) رثائية لوركا لصديقه مصارع الثيران

منذ سنة واحدة

431

0

حين عاد لوركا من أمريكا الجنوبية منتشيا بنجاحاته الجديدة وصل إليه النبأ الفاجع الذي أحال سروره غمًّا، وفرحه ترحا. فقد لقي مصرعه صديقُه الحميم (إجناثيو سانشيز ميخياس) مصارع الثيران العظيم، في حلبة المصارعة في مدريد يوم 11 اغسطس 1934م.
لم يكن (إجناثيو) مجرد مصارع ثيران عادي، فهو أديب كتب المسرحية، وصاحب شخصية نبيلة رقيقة، وصديق العديد من الأدباء. ويكفي لمعرفة علاقته بأدباء (جيل27) أن نعرف أنه من رعى مناسبة تجمعهم لإعلان مبادرتهم، وتحمل يومها تكلفة وجبة الغداء لستين شخصًا. ولهذا كان للخبر الأليم وقعه على نفس شاعرنا، وكان من أعظم ما أثر في حياته فيما تبقى له من عمر. إذ واجه الموت مواجهة حقيقية؛ الموت الذي ظل له هاجسًا لا يفتأ يذكره في كل حين، واتخذه (ثيمة) لمسرحياته ولقصائده.
كانت رثائية لوركا لصديقه مشحونة بكل ما يكنه لصديقه الأثير من محبة صادقة وإعجاب بنبله وفروسيته. وهي تتألف من أربعة أجزاء، برع فيها بتصوير المواجهة بين المصارع والثور، وكأنها مواجهة الإنسان للقدر. وجعل لكل قسم وزناً خاصًا لتعزيز الأثر المسرحي فيها. وقـد تـم تـوزيعهـا (الأوركسترالي) بنجاح، فهي غنية بالصور الجزئية، حيث يدين المـوت والدمار، ويقبل بهما في وقت واحد.
يستقل كل قسم من أقسام القصيدة/ الديوان بعنوان داخل العنوان الرئيس، والعنوانات الأربعة هي على التوالي، كما في ترجمة ماهر البطوطي: الجرح والموت، الدم المراق، الجسد المسجى، روح غائبة.
يكرر الشاعر في المقطع الأول (الجرح والموت) عبارة (في الخامسة من بعد الظهر) ليوجه عنايتنا إلى اللحظة الحاسمة التي أدمت القلوب، كما صبغت أرض الحلبة بالدماء:
في الخامسة من بعد الظهر
كانت الساعة الخامسة تمامًا بعد الظهر
أحضر صبي الملاءة البيضاء
في الخامسة من بعد الظهر
وأعدت سلة الليمون
وما تبقى هو الموت، والموت وحده
في الخامسة من بعد الظهر
والقراء بالعربية يدركون معنى التركيز على هذه اللحظة الذي أفاده التكرار، لكنهم لا يدركون تأثيرها السمعي الذي لا يدركه إلا الناطق بالإسبانية. يقول محمد عنفوف في كتابه (الألفاظ العربية في شعر لوركا): “وتجدر ملاحظة أن نطق هذا السطر الشعري في لغته الأصلية عندما يتكرر ويتردد في نسيج النص توشك كلماته – علاوة على المعنى – أن تسمع دقات الناقوس، إذ يقرع لدى المسيحيين عند الموت”.
ويواصل عرض المشهد حين سيطر الثور على الموقف، وضرب المصارع الضربة المميتة، وانتشرت روائح اليود في الملعب، وجاءت سيارة الإسعاف على عجل:
في الخامسة من بعد الظهر
والثور وحده هو سيد الموقف
في الخامسة من بعد الظهر
حيث ظهر شريان الثلوج
في الخامسة من بعد الظهر
حين غطيت الحلبة باليود
في الخامسة من بعد الظهر
وأفرخ الموت بيضا في الجراح
في الخامسة من بعد الظهر
في الخامسة تمامًا من بعد الظهر
مرقده كفنٌ يجرى على عجلات
وفي المقطع الثاني (الدم المراق) يتغير إيقاع القصيدة، ويكرر الشاعر جملة أخرى هي (لا أريد أن أراه)، ويصف لنا كيف دخل صديقه الساحة يبحث عن مجد جديد يضيفه لأمجاده السابقة، متباهيا بجسده الممشوق:
لا أريد أن أراه!
يصعد إجناثيو الدرجات وموته على كتفيه
كان ينشد الفجر
الفجر الذي لم يكن له وجود
كان ينشد بروفيله الواثق
ويملؤه الحلم بالعتمات
كان ينشد جسده الجميل
فصادف دمه المفتوح
لا تطلبوا مني أن أراه!
ويشبهه في مقطع آخر بالأمير الذي لا يضاهيه أمير في إشبيلية، ويعدد صفاته الجميلة، من شجاعة وصدق وقفزات رائعة وابتسامة عذبة، ويبين أحواله المتعددة في الحلبة وفي الجبل وفي الحقل وفي المهرجانات:
لم يكن ثمة أمير في (إشبيلية) يضارعه
ولا سيف يضارع سيفه
ولا قلب صادق كقلبه
مدهش القفزة كالنهر الأسود
مرمري الجسد بحصافة بارعة
ورأسه مكلل بأجواء روما أندلسية
وعلى ابتسامة ياسمينة من اللماحة والذكاء
يا له من مصارع في الحلبة عظيم!
يا له من جبلي قح في وسط الجبال!
يا لظرفه مع سنبلات القمح!
يا لصلابته مع الجراح!
يا لرقته مع الندى!
يا لبهائه في المهرجانات!
وفي المقطع الثالث (الجسد المسجى) يصف كيف تحول الجسد الذي كان فتيا نشيطا إلى جثة هامدة ترقد على الحجر. وكأنه يفسر لنا لماذا لا يريد أن يراه. لا يريد أن يراه لأنه صار جسدا مسجى، وهو الذي لم يعرفه من قبل إلا جسدا مترعا بالحياة والابتسام.
الآن يرقد إجناثيو النبيل على الحجر
لقد انتهى كل شيء. ماذا يحدث؟
انظروا إلى جسده
لقد غطاه الموت بالكبريت الشاحب
ثم يطلب من رفقته ألا يغطوا وجهه حتى يتعود على الموت، ويطلب منه أن ينام مستريحا، لأن كل شيء في هذا الكون سيموت مهما كبر وضخم، بما في ذلك البحار:
لا تغطوا وجهه بالمنديل
فليتعود على الموت الذي يحمله
اذهب يا إجناثيو
ولتنس الخوارات المحمومة
نَمْ
حلق عاليًا
استرح
فحتى البحار تموت!
وإذا انتقلنا إلى المقطع الرابع، وهو الأخير (روح غائبة) وجدنا الشاعر يؤكد لصديقه غيابه، وألا أحد سيعرفه أو يذكره، حتى المحيطين به؛ لا الثور ولا الجياد، ولا الطفل ولا الأصيل، ولا شجر التين، ولا لباسه الحريري، لأنه مات إلى الأبد. وهذا ما زاد المشهد المأساوي عمقا:
الثور لا يعرفك
ولا شجرة التين
ولا جياد منزلك ولا غلاته
الطفل لا يعرفك
ولا الأصائل
لأنك قد مت إلى الأبد
قطعة الحجر لا تعرفك
ولا قماش الساتان الذي يلفك
ذكرياتك الخرساء لا تعرفك
لأنك قد مت الى الأبد
مثل كل الموتى المنسيين
وبعد تأكيد غيابه، وإنكار معرفته من كل ما يتصل به يستثني نفسه، وينهي المقطع والمرثية، مؤكدا أنه سيظل وفيا لصاحبه، يغنِّيه ويذكر مآثره في كل حين، وأن هذه المآثر هي التي ستبقى له، وتبقيه حيًّا:
لا أحد يعرفك،
لا.. ولكني أغني لك
أغنى لخلق وجهك وسماحتك
لنضج فهمك النبيل
لن يولد أندلسي في مثل نبالتك
أزمانا طويلة
ولا في ثراء مخاطراتك
أغني لهذه الجلالة بكلمات كالأنين
فالشاعر لم يبك كما يفعل كثير من شعراء المراثي، بل يقدم لنا فلسفة الموت والحياة، والصراع الأبدي بينهما، ونضال الإنسان من أجل البقاء.

 

*كاتب سعودي .

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود