*جماليات الوفاء والبناء* قراءة في ديوان (ريشة من جناح الذّل)

بقلم/ أ. د. محمد صالح الشنطي*

قراءة في ديون الشاعر: حسن محمد الزهراني *{ريشة من جناح الذّل}*
……

اعتدنا على أن نقرأ قصائد كثيرة في رثاء الزوجة، قديما وحديثا، وهناك العديد من الدواوين الشعرية التي خصّصها الشعراء لرثاء زوجاتهم، واطّلعنا على كم وافر من الشعر في الأم وفضلها ودورها و الحزن على فراقها، فقد كتب الشعراء الكبار منذ عهد الأحياء والبعث أمثال شوقي وحافظ إبراهيم قصائد ومقطوعات شعرية، وكذلك فعل بعض الشعراء الوجدانيين أو الرومانسيين من أمثال أبي القاسم الشابي وأضرابه، وشعراء القصيدة الجديدة، مثل نزار قباني وفاروق جويدة وغيرهم؛ ولكننا لم نقرأ قط ديوانا كاملا في رثاء الأم والوفاء لها على نحو الديوان الذي سطّره الشاعر حسن محمد الزهراني بدموع عينيه ومداد قلبه وفاء لأمه الراحلة تغمّدها الله بواسع رحمته: ديوان كامل بعنوان: (ريشة من جناح الذل).

 

*العنوان – مفارقات التشكيل والتأويل

يحيلنا العنوان منذ البداية إلى مرجعين: الأول كتاب الله العزيز في سياق البر بالوالدين ” واخفض لهما جناح الذل من الرحمة” ونفهم من هذا السياق أن هذا الديوان وفاء لوالدته كما أوصى بذلك رب العالمين، وأنه لا يبلغ المدى الذي طلبه الله منا عز وجل، بل هو بعض مما ينبغي أن ننهض به، وهذا يمثل شعريا ذروة الشعور بالتقصير والعجز عن الوفاء معبرا عن إحساس الشاعر الذي يذرف الدمع في كل لفظة من ألفاظه وفي الوقت ذاته يبلغ به الحب للفقيدة حد الفناء، مفارقة هي جوهر الفن في الشعر، أما المرجع الدلالي الثاني فهو ما دار بين أنصار القديم والمحدث في تاريخنا الأدبي والنقدي؛ إذ سمع أحدهم قول أبي تمام:

لا تسقني كأس الملام فإنني     صب قد استعذبت ماء بكائي

فقال له، فأتى له بقارورة وطلب منه شيئا من ماء الملام فرد عليه بقوله “أعطني ريشة من جناح الذل” في إشارة إلى الآية السابقة، ولكن السياق يدل على المعنى الأول على الرغم من أن التأويل قد يلامس أفق المعنى الذي أراده الشاعر؛ فهو يشير إلى أنه ذهب بالاستعارة مذهبا بعيدا يتعالى على المألوف آنذاك إذ كان يشترط في المماثلة بين المستعار منه والمستعار له حدّ التطابق، بينما يمكن أن تتسع هذه الاستعارة للتأويل، فقد ذهب الشاعر في تصوير حزنه إلى درجة التجريد الذي ذهب إليه أبو تمام فبلغ قمة البلاغة في تجسيد المعنى وتجريد الدلالة، وهذا لون من ألوان التناص القائم على الامتصاص والتحويل أي إعادة إنتاج المعنى وتوجيهه الوجهة التي يقتضيها المقام، ويوحي العنوان برؤية الشاعر الكلية في الديوان؛ فهو ليس عنوانا لإحدى قصائده كما تعوّدنا في كثير من دواوين الشعر؛ فالديوان يتألف من ثلاث عشرة قصيدة تدور كلها حول (الأم) إحساسا عميقا بافتقاد حضورها ملء الروح والقلب والجوارح، وحزنا عليها واستذكارا لمواقفها ومناقبها (رحمها الله).

 

*الإهداء – اشتعالات الفقد والحرمان

منذ الإهداء يطل علينا الشاعر بمواجده واشتعالاته وإحساسه بالفقد والحرمان، فهو يبدأ بالشمعة رمزا للفقيدة، وهي في الوجدان الشعبي مبعث النور الذي يبدد الظلام ويهدي المدلجين في عتمة الدروب.
-ظواهر أسلوبية ومفاهيم فنية
تتبدّى الظاهرة الأسلوبية الأولى ممثلة في تكرار النداء الذي يليه استعارة يصرح عبرها بما تمثله الأم في وجدانه، فهي شمعة تارة، وبسمة تارة أخرى ووردة تارة ثالثة، وبلبلا غرّيدا حينا، ونحلة معطاء حينا آخر، وكوثرا ونخلة وملجأ وملاذا، وأداة النداء بما فيها من مدّ تعبّر عن قلب ملتاع يكاد يجأر بالبكاء، فيستهل الشاعر القصيدة بصيغة (الندبة) ويكرّرها، فهي توحي بالآهات التي تتصاعد من أعماق الشاعر:

أماه يا شمعة بالحب تأتلق
لكي تضيء حياتي وهي تحترق
أماه يا بسمة تحيي رفات دمي
إذا استبدت به الأحزان والحرق

فتتكرر الآه في مبتدأ كل بيت تعبيرا عن أسى يمتح من أعماق الروح؛ أما أداة النداء للبعيد فالمد فيها يوحي بأن الشاعر يستلّ اللوعة من أنياط القلب وشغافه.
ولم يكن النداء المتكرر والمفردات المجازية هي التي تعبر عن ألمه وحزنه فحسب؛ بل هناك الكثير من الصيغ الطلبية والخبرية المتكررة التي تشي بحجم اللوعة والشجن، من هذه الصيغ جمل كم الخبرية، وهي ليست مجرد أسلوب تقريري بل يحمل معنى التكثير الذي يتداعى في غزارة إلى الذاكرة والوجدان إقرارا وعرفانا بالفضل العميم للأم، وهذه الصيغ تستجلب موارا عاطفيا في مرجل القلب ولواعج الصدر ويرتاد العوالم الداخلية ويجوس خلالها:

كم ليلة من ليالي العمر داجية
تنام عيني ويضني عينك الأرق
وكم سكبت دموع الشوق ساخنة
مدى غيابي وأدمى طرفك الأفق

وثمة صيغ استفهامية حائرة يتسع مدى الإحساس فيها عن العجز بالوفاء للأم إلى مداه، وفيها تشوّف إلى البر بها عزّ نظيره وتوق إلى الوفاء ندر مثيله؛ ومن المعروف أن كثرة الصيغ الطلبية في القصيدة تومئ إلى تأجج الانفعال فهي توق إلى بحث دؤوب عن مخاطب يشارك الشاعر في عبء مشاعره الفياضة التي ينوء بها وجدانه ويحار فيها جنانه، ولا يكاد بيت يخلو من هذه الأساليب فضلا عما فيها من تشابك الحقول الدلالية وأخذ بعضها برقاب بعض؛ حيث تتفاعل ثنائيات الحب والشوق والحرقة والألم والغناء والشجن والحنان والرقة والأزهار والثمار والشفق والفلق والضياء والألق والخوف والقلق والأنفاس والحدق والنطق والفرق، ضرام من العواطف تشتعل بها مفردات القصيدة فتذكي لهيب العواطف واحتشاد الذكريات والمواقف في غنائية حميمة وأشجان فيّاضة.

 

*تجليات المجاز وشفافية البوح

تتوالد المجازات في تجليات متدفقة وتسلسل عذب، وإن بدا أن هذا يتجاوز لغة النقد ويحلق بعيدا عن مداراته، فالقراءة تهميش على النّص وتفيّء لظلاله ترصد أصداء التّلقي الذي تنفتح آفاقه على عوالم القصيدة الفسيحة وترتاد مجاهلها.
في سلاسة (البحر البسيط) وتحدّره عذوبة المناجاة وأطيافها التي تتراءى خفيّة تتلامح في عيون المشوق وهمس الحنين ووله الحزين الذي يعلل قلبه الكسير على ضفاف الألم، وبعد هذا البوح الشّفيف تأتي المحطة الأخيرة تركن إلى سكينة الاعتذار والتعبير عن العجز في فناء للذات بكل حمولتها العاطفية مستسلمة سخيّة بكيانها وروحها ومشاعرها فيما يبدو وجدا أقرب إلى أن يكون توحّدا صوفيا ليغزل الشاعر الخيط الأخير في نسيج القصيدة التي تتناسج فيها العلائق بين عناصر النص بمفرداته ذات الدوائر الدلالية المتواشجة والتراكيب الطلبية والتقريرية المتآزرة في إحكام وجداني وتماسك يعبر عن أهم عناصر هويّة النص ممثلة في السبك الذي ينبثق عنه هذا التصاعد في الانفعال ليبلغ ذروته عبر حبك متقن في تسلسل متنام وفق قوانين النص التناظري الذي يظل وفيّا لعوالمه الخاصة:

لك الفؤاد الذي أنت الضياء له
لك المشاعر والأنفاس والحدق

في جل قصائد الديوان يلمس القارئ حجم الفاجعة التي حلّت بالشاعر بعد وفاة أمّه الرؤوم من خلال العبارات الاستعارية أو المفردات الوامضة أو الثنائية الضدية أو الأسئلة الحائرة أو إنكار واقعة الموت.

 

*عناوين القصائد ومؤشرات السيمياء
وميض المفردات

أما المفردات الوامضة فتتمثل في قصائده الثلاث: الشمعة وإنصات واندهاش، وقد سبق مقاربة قصيدة (الشمعة)؛ أما (إنصات) فهي مقطوعة شعرية تمثل دفقة شعورية في لحظة بات القضاء فيها محتما، فكان اختيار القافية العينية معبرا عن لواعج قلب محزون ودموع تنثال من هول المصاب؛ فالعنوان فيه معنى الصمت والخشوع والقبول بحكم الله وقضائه والإنصات لمشيئته، وأما الهاء السكنة فهي الآهة المكبوتة الحبيسة.
تتحول القصيدة إلى مشهد يتجاور فيه المرئي والمسموع والسكون والاحتدام والإنساني والكوني، يبدأ هذا المشهد بالتقابل بين الإثبات والنفي: وجهان متقابلان لحقيقة الحقائق وهي حضور الموت وانتفاء الأمل في البقاء.
يعقبه مشهد حزين يتمثل فيه الشاعر وقع المصاب عبر صورة مكبّلة بدموع البكاء في حركية تتمثل في قوله (دمعة في إثر دمعة)، حركة يلفها الصمت أبلغ تعبير عن لوعة الشجن، ثم يتصاعد الشعور بالفقد فيتجاوز الذات ليشرك الكون كلّه الذي لفّه الحزن وأخذ عليه السبل من أقطارها: صورة كونية يتفاعل فيها مع الذات المصابة، واستدراك في غمرة الحزن بالتسليم لخالق الموت والحياة الرحمن الرحيم، ثم ارتداد إلى الداخل ورصد لواعجه التي استعلنت نبضا حارقا في قلبه؛ وإذ يبدأ بالنفي ينتهي به لتصبح هذه الدفقة تعبيرا عن حالة كرب شديدة:

ضاقت بي الدنيا وغادرت
الأماني دون رجعة

لم يبق لي هذا المصاب
مسرّة ترجى ومتعة

أما (اندهاش) هذه المفردة النكرة التي ينطلق المعنى من إطار التحديد لتسبح الدلالة في فضاء التجريد فهي مقطوعة أخرى، فهي تمثل امتدادا للحظة الصدمة في (إنصات) دفقة شعرية أخرى أثارها مشهد تال لمشهد الفقد ممثلا في الرحلة إلى المثوى الأخير محمولة على الأعناق؛ فهي من أكثر اللحظات فجيعة لأنها اللحظة الفاصلة بين الحضور والغياب، من هنا كان الاندهاش الذي يصيب النفس بالذهول هو المهيمن؛ حتى إن الشاعر ليستخدم (الشين) حرفا للروي امتدادا لهذا الاندهاش الذي لم يفارقه في هذه اللحظة، فجاءت القصيدة في صورة لقطة حيّة تجسد فيها الموت عبر النعش المحمول على أعناق الرجال، وجاءت الصورة لتستحضر الأمس متلازما مع اليوم، وترصد التحولات المتسارعة في مشهد لم يغادر مخيّلة الشاعر قط فباح بوحا مباشرا بأحزانه التي هيض جناحه بسببها، فلم يعد قادرا على الاحتمال فكان مشوّش الذهن والخاطر، تبدّى ذلك في حرف الروي الشين الذي يوحي بالتشويش والاضطراب والذهول:

لقد جادت بغزر الدمع عيني
وصرت لكثرة الأحزان عاشي

*العناوين المزدوجة

أما العناوين الثنائية فتتمثل في قصائد ثلاث أخرى (النار والبرد) و(الوردة البيضاء والدوامة) و(لا أنت مت ولا أنا حي)
في القصيدة المعنونة بـ (لا أنت مت ولا أنا حي ) إحساس ثقيل بالزمن في توقّفه عند لحظة الفقد لم يغادر فيه الشاعر المربع الأول للحزن، فهو على تخوم الحياة والموت، هذه المرحلة الغسقية التي يذهل فيها المرء عن نفسه ويظل محاصرا بأشباح الفجيعة نتاج صدمة مذهلة عبّر عنها الشاعر في هذه القصيدة، وهذا يفسر التكرار المنتظم داخل الجزء الأول من القصيدة لمفردة (شهران)، وهذا يستدعي تلقائيا نص نزار قباني في رثاء أمه:
مضى عامان يا أمي
على الولد الذي أبحر
برحلته الخرافيّة
وخبّأ في حقائبه
صباح بلاده الأخضر

ولم تأت هذه التثنية عبثا فهي توحي بالتعلق بين اثنين الأم والشاعر، لقد تكررت هذه اللفظة على هذا النحو المنتظم (بيتا تلو الآخر) تسع مرات، وتعبير آخر رافد لها في إشارته إلى الديمومة تكراره لهذه الصيغة: (ما زلت ولم أزل) ست مرات، استمرارية الشعور بالفقد، ويردف ذلك جملة الحال فيكتمل التعبير الثلاثي الذي ينسج الرؤية الدالة على مصاب الشاعر والأزمة التي مر بها، والنفي في العنوان دال على انعدام الاستقرار النفسي وفقدان السكينة فضلا عن جدل الموت والحياة عبر النفي الذي يطال كليهما معا.
أما الاستفهامات الموجهة للأم الراحلة فهي في مساءلة للذات التي تتماهى مع روح الفقيدة، وبالتالي تبدو أقرب إلى الحوار الداخلي، يسأل ويجيب معبّرا عن حرقة الألم، هذه الظواهر الأسلوبية تتآزر مع سلسلة الصور الوامضة التي يستلّها من الذاكرة ويعيد إنتاجها في صور مجازية وامضة: (الاغتباق من غدير الهم) حيث التراسل بين الهم والغبوق تناصّ مع التراث غبوق من الشراب (شراب المساء)، والقافية الخرساء وانصلات البؤس سيفا مشهرا، والقلب المحترق وقبو الخوف ونار البكاء والصبر الغارق والحب العذب وبهو الروح ونور الحب وشروق العينين ومسامرة البدر، والأنفاس الشجن والأوتار الألق والحب المرفرف والفراق المر، ورؤيا المنام؛ كل تلك الصور البيانية المتراكمة من شأنها أن تحدث هذا التحول الكيفي في وعي المتلقي، وهذه الملامح تتأزر لتنسج شعرية النص وتعبر عن وحدته.
أما (النار والبرد) هذه الثنائية الضدية في عنوان القصيدة فهي تقترب من تخوم المفارقة بمفهومها الجمالي وإن بدت طباقا في المصطلح البلاغي التقليدي؛ ففي الرثاء العربي التقليدي ضروب ثلاثة: التفجع والتأبين والحكمة، والشاعر حسن الزهراني في هذا الديون نثر كنانة اللغة بين يديه واختار من مفرداتها و تراكيبها ما يعبر عن عميق لوعته على الفقيدة أمه مازجا التأبين بالتفجّع الشجيّ؛ وهذان اللونان من ألوان الرثاء تجاوزا عنده الغرضية التقليدية فانصهر في بوتقة الألم وطاف بأرجاء الكلام كلها يقبس من نيران الفجيعة ويذكي لهيب الشجن، فتداعت الأمكنة والأزمنة واستعاد الشاعر النص القديم في احتفائه بالمكان الذي بدا في عمق الذاكرة خيالا زائرا، و ليس مجرد أطلال دارسة كما كان عند الشاعر القديم:

تذكرت في وادي نخال اجتماعنا
زمان التصافي صاغ أنغامه الود

ولما كان الزمان ملازما للمكان فقد أعاد اليهما اللحمة القديمة عبر هيجان الذكرى وثوران الذاكرة، والشاعر إذ يستذكر الزمان والمكان يحلّق في فضائهما محاولا استرجاع ثالثهما وهو الإنسان ممثلا في الأم الراحلة التي هي رفيقة روحه، فتتوازى هذه الثنائية الإنسانية مع تلك الثنائية الكونية، ولما كان الشاعر يختزن قي مذخورة الوجداني أطراف العشق يلتبس الأمر على الرفاق فيغرونه بالمرح والفرح؛ ولكنّه يتأبّى عليهم في حجاج عاطفي ملحاح فتنثال المعاني المطلقة على لسانه (العهد والوعد والود والحزن واللوعة والحسرة والسعادة وز المنى والظلماء والحسرة والهم والسهد والبرد والبعد) هذه الكثافة لفضاء المطلقات تفضي إلى عمق المتلقي في إلحاح.
لقد عزّز الشاعر إحساسنا بمدى ما يعاني استدعاؤه لرائية أبي فراس الحمداني في قوله:
فقلت لقد أزرى بك الدهر بعدنا فقلت معاذ الله بل أنت لا الدهر
في قوله:

مضى نصف عام لم تر العين وجهها
بعد غدٍ وعدٌ على ثغره وعد
ففي مثله ماتت لتترك مهجتي
تقول وقد أزرى بها بعدها البعد

ولعل الأسلوب الأبرز في التراكيب بعد تلك الظواهر التي أشرت إليها جمل الحال المتعاقبة التي تأتي في سياقها الصور المجازية على نحو متواتر، ثم تأتي القفلة الختامية بمثابة عود على بدء، فهي تبدو جماع الحالة الشعرية برمّتها منطوية على المفارقة التي يجتمع على صعيدها الموت والحياة، فالميت حي والحي ميت لا أنت مت ولا أنا حي، ولكن دقة التعبير وأفق المفارقة يذهب بعيدا في نفي الموت عن الأم، و ينفي الحياة عن نفسه فلا يثبت شيئا؛ ولكنه يدور في فلك النفي وهنا يكمن الصدق الفني الذي تنبثق منه الحقيقة حاملة صدق المقولة، فالحب منح الحياة للأم رغم موتها والحزن حرم الشاعر من الحياة رغم أنه على قيد الحياة:

لا أنت في زمرة الأموات ميتة،
ولا حياتي مع الأحياء تتفق

أحياك حبي وأودى بي على عجل
فراقك المرّ والآهات والأرق

وفي هذا الإطار تأتي قصيدته (من الثرى إلى الثريا) خطاب مضمخ بالدمع من الذات الشاعرة إلى الرمز الذي يتألق كالثريا أيقونة الكينونة في تساميها ورفعتها، فيما يتعلق بها: أطراف ثلاثة تتعالق في القصيدة ويؤطرهما هذا الخطاب الأم وهي الثريا وهنا يغوص الشاعر في أعماق الذات ليستخرج لؤلؤة القلب فتسمو به إلى أعلى حيث الثريا التي يضرب العرب فيها المثل في السمو والرفعة “شتان بين الثرى والثريا”، وهي بؤرة تشعّ بالإيحاء لما تخنزنه من دلالة اكتسبتها من ذلك التراث الزاخر من النصوص بمرجعياتها المختلفة “أنا الثريا وذان الشيب والهرم” ، ثم هذا الالتفات إلى العذول اللائم الذي انطفأ في قلبه شعلة المشاعر فهو الجاهل، وكان الأحق أن تلام العين لو لم تبك؛ بل كان حقها أن تكوى بالنار، وبين لوم ولوم تكمن المفارقة وتتسع الفجوة التي تفضي بهذا الاشتعال العصي على الانطفاء إلى أن تصل بنا القصيدة إلى هذه الخاتمة التي تصدع بحقيقة الحقائق ولب الألباب في صورة فنية مشعّة تختزل الزمن وتمنحه ديمومة لا تنتهي:

لست أمي فحسب بل أنت قلب
يسكن القلب بكرة وعشيا

 

*تباطؤ الزمن وإيقاع الحرمان في قصيدته (الوردة البيضاء)

تتصاعد حدة الفقد بعد مرور عام، ها هو يرصد حركة الزمن الذي يخطو ببطء فوق صفحة القلب يوما بيوم، وشهرا بشهر، وحقبة بحقبة، وعاما بعام، لقد استحضر الشاعر كل ألوان الطيف ليرسم لوحة إثر لوحة في شعره وجمع كل المناقب لينسبها إلى فقيدته الراحلة، وجمع كل الشجن ليودعها قوافيه، وتأتي هذه القصيدة لتفترع السجف وتميط اللثام عن عالم جديد هو رماد ما تبقى من ذكرى عصفت به أنواء الغياب وقوضته عواصف الحرمان عالم جديد ابتناه الشعر في مشاهد تتوالى منضّدة في فضاء الأوراق البيضاء بعضها يأخذ بحجز بعض، في المشهد الأول منزل غادرته العاصفة وغيرت معالمه وتركته أطلالا دارسة.
في الثاني صورة تعبيرية لنموذج إنساني تشكّلت معالمه الخارجية من شلالات الدمع تمازجت ملامح الكون مع الشاعر الحزين، و في الثالث حيرة عابثة تضرب الوعي وتجعل الإقبال إدبارا والحضور غيابا، ثم مشهد الساقية بدواليبها تجترّ الماء دمعا، ثم تأتي حركة الأفلاك لتنسج عذابات الليل والنهار وتكتسى صفحة النهار والليل بحزن مقيم وكآبة دائمة، وهكذا تتوالى المشاهد والصور تستقصي الأوقات والأمكنة والملامح في تداعيات تنهمر بلا رحمة وكلمات تلتقط النبض وعبارات تصوغ اللوعة، إلى أن يصل الختام وقد أنهكه التطواف فألقى عصا الترحال بجوار الضريح لتهدأ روحة ولو إلى حين.

*أسئلة حائرة وحزن مقيم

أما الأسئلة الحائرة فتمثلها قصيدة (من أين لي من بعدها قلب) الاستفهام يزلزل يقين الأشياء، ويمثل الحيرة والذهول، ففي هذا العنوان ما يدل على التشكيك في وجود القلب هو جوهر الحي والأحياء، مركز الحس والوجدان والعرفان ففي النص التراثي يتماهى القلب مع العقل فيطلق اللب على الاثنين معا: ترجيع حزين ينتظم القصيدة في مناجاة باكية وابتهالية دامعة، وهي من أطول قصائد الديوان تبدأ بأسلوب الندب تتلوه الشكوى في بث متصل أشبه بنفثات مصدور مفجوع فيه وصف يحتشد بالتفاصيل في تجليات متتابعة موجة إثر موجة وحالة إثر حالة في صورة بعد صورة ومشهد يتلوه آخر في إيقاع منتظم، وتتصاعد الوتيرة في تنام متصل عبر محطات وجدنية يلقي فيها الشاعر بعصا ترحاله حينا من الوقت ثم يتابع الصعود حتى تشرئب به افقد فيستقر في قلق السؤال:

*المحطة الأولى: مناجاة وشكوى:

في مستهل القصيدة تبدأ أولى انطلاقات الزفرة الحرّى شكوى وحنين، وصف للذات بعد الفراق، ثم التساؤلات الحيرى حول الفقد حقيقة أم وهم؟ حوار متخيل بين الأم الفقيدة والذات الشاعرة ثم استغراق في وصف الحال والمآل في سردية دامعة ثم الرجوع إلى الملجأ الحصين الرب الأعلى والإله الأوفى ثم مغالبة اليأس ومداراة الصبر ثم العود على بدء والركون إلى قلق السؤال:
ملحمة غنائية درامية تتوسل بالنداء والوصف والسرد ومعجم حزين ولتراكيب مجازية كثيفة تتوسل بالاستعارة وتركن إلى كنائية قريبة الدلالة عميقة الغور ثائرة الوجد.

*تمظهرات الحزن متوالية دلالية

تبدأ بدوائر متعاقبة في كل دائرة لقطة وامضة تصور لحظة من لحظات الأسى: دائرة الضيق تتمظهر في الكهف وحلقة الصمت تتجلى في البكاء وحلقة الحيرة تبدو خارطة بلا اتجاهات وحلقة الشقاء حيث بكاء الركب والدرب وحلقة المعاناة فإذا الأسى جمر والروض ذاو خاو على عروشه وحلقة الصدمة حيث تتوالى الأسئلة الحيرى، هذه حالة تتوالى في هذه الحلقات المتسلسلة وحلقة أخرى جفت فيها الأقلام وانطفأت قوافي الشعر و شاخ رونقها، وتنثال الصور في لوحات متعاقبة كتائب الآهات سرب يسير وراءه سرب والأنين يشب نارا والدمع الساخن تصطلي بناره الوجنات والدنيا تضيق وتتضاءل والطريق سم خياط لا يسمح بالنفاذ وتقلصت الفضاءات ثم تنتهي مواكب الصور إلى حيث يلقي عصا الترحال، ولكن الفجيعة ظلت تراود الفؤاد تغالبه فتغلبه، وتظل الأسئلة حيرى ملتاعة وتنتهي إلى دوامة تصوغها كلماته وقوافيه التي انتابها اليأس وانتهت بها الدروب إلى فكان المشهد قاتما بائسا.
وتداخلت أطياف الكلام فقد ضاقت قوافي الشعر وكسرت محابر المداد وجفت بعد أن كانت فواحة مخضرة:

فكسرت فوق القبر محبرتي
فلكل روض حوله شِرب

فكأن أبياتي رياحينٌ
فواحة وحروفها عشب

لقد جاءت الأبيات الأخيرة من القصيدة لتعبر عن موقف وجداني بلغ الذروة حسرة وألما تستذكر الرحيل الذي تتكرر مفرداته وتنثال سلسلة من الأسئلة الملحاح تنهمر تداعياتها في قوله (من أين لي من بعدها قلب) التي تكررت مرات ثلاث لتنتهي القصيدة والجرح النازف باق على ما هو عليه وأبواب القصيدة مشرعة.

 

وأخيرا،
لن ينتهي الحديث عن هذا الديوان ببضع كلمات ينثرها القارئ نافضا يديه ليفرغ لشأن آخر بعد أن يأتي على خصائصها الأسلوبية ومعجمها الحزين ومشاهدها المكتوبة بمداد القلب وأسئلتها الحائرة وتداعياتها التي تنهمر بلا انقطاع وتماسك التجربة الشعرية المسكونة باللوعة وانسجامها سبكا وحبكا وتقاطر عوالمها ووحدتها واتساق عناصر شعريتها في شبكة منسوجة من علائق تكفل لها جماليات التعبير والتصوير؛ فالمسألة أبعد من ذلك وأعمق غورا، إنها وثيقة وفاء مكتوبة بدم القلب للأم بدلالاتها المطلقة من قيود الزمان وأسوار المكان.

رحم الله الفقيدة ورحم أمهاتنا جميعا وأسكنهن فسيح جنانه وجزى الله الشاعر عن هذا الوفاء خيرا.

 

*أستاذ النقد الأدبي الحديث بجامعة حائل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *