الناقد حسن مشهور في المدار

حسن مشهور: الفهم البسيط، والثقافة النقدية الهشة، لمن يتسمّى بالناقد.

حاورته / جوهرة يوسف

يدمج بين الباء والـ B وهكذا حال لغات الحروف في إبداعه..
أعماله تأكدت من قيمة محتواها ..، واشتهرت لأنه شخص:
يؤمن بالغد لا باليوم.
يؤمن بالعقل لا بالنقل..، بالمضمون لا بالشهرة…
يذهب لأعماق الأشياء، ويلتفت لكل العناوين…، حتى أزقتها..، وهذا حال الفيلسوف الواثق، وطريقته في البحث الدائم…

أقانيم خادعة

يبسط كفه
لا يرتضي إلا عطاء الحب،
به أقتدي
في رحلتي المثلى
هكذا ابتغي
منها الوصال.
إن كنت تدرك
معنى السؤال؟!
فالجواب
أكذوبة أخرى
مثل تاريخي
وبطولاتي، وفتوحاتي
ما لرحلة المثلى إلا سوط عذاب
والسحنة الأنقى محض سراب
أكذوبة نغشاها بلا مآب

 السيرة الذاتية :
– مواليد العشرين من يناير، كانون ثاني في صامطة، السعودية.
– التخصص الجامعي : بكالوريوس لغة إنجليزية وترجمة.
– ماجستير النظرية النقدية، وفلسفة الأدب.
– التخصص الأدبي: مفكر، ناقد، وشاعر.
– حصل على درجة الدكتوراه في إدارة أنظمة معلومات من جامعة سالفور بمانشستر بالمملكة المتحدة عام ٢٠١٨م.
– التكريم الأخير: دكتوراه فخريه منحت له عام ٢٠١٩م
عن مجمل نتاجه الإعلامي النوعي.
الجوائز الأدبية:
– جائزة التميز الأدبي، لجنة التنمية الاجتماعية العام 2017م.
– تكريم ندوة اليوم الوطني النادي الأدبي، والثقافي بمنطقة جازان العام 2016م.
– شهادة تميز، جائزة الصحافة العربية بدبي 2014م.
– جائزة الشعر الأكاديمية الدولية للإبداع المغرب العربي.

الاتحادات الأدبية التي يشارك فيها:
– اتحاد الكتاب العرب.
– اتحاد الأدباء الأفروآسيوي.
– الأكاديمية الدولية للإبداع.
– رابطة الأدباء العرب.
أداءاته المرحلية:
– كاتب رأي بصحيفة صوت الأمة، إحدى الصحف المصرية العريقة.
– كاتب زاوية مدارات بصحيفة آراء سعودية.
– كاتب رأي رسمي بصحيفة الشرق السعودية.
– عمل معدا، ومقدما لبرامج بالقناة الثقافية بالتلفزيون السعودي.
– رئيس لجنة المطبوعات بالنادي الأدبي، والثقافي بمنطقة جازان.
– شارك بأبحاث محكمة في العديد من المؤتمرات؛ التي نظمتها جامعات سعودية وعربية.
– نشر العديد من الدراسات الأدبية في مجلات، ودوريات أدبية محكمة.
– قدم العديد من التحليلات الفكرية، والسياسية للعديد من الفضائيات العربية.
– أجريت معه العديد من المقابلات في صحف عربية بارزة، واللقاءات التلفزيونية.

الكتب والمؤلفات:
وصل عدد المؤلفات حاليا ١٤ كتابا تباع في موقع أمازون الشهير، وموقع مكتبة النيل والفرات.
وحاليا هناك كتاب يطبع في دار أروقة، يتناول سيرة، وشعر شاعر بلاط المملكة المتحدة في أوائل القرن العشرين (سيسل داي لويس).
ترجمت كتبه للغات حية، منها كتاب (متتالية التجديد) عن شعر الشاعر الراحل محمد الثبيتي للفرنسية والإنجليزية.
و(كتاب نقد المنهج التتبعي)، وكتاب (الإسثيتيكيا موضوعية المنهج وتجذر النص) إلى جانب كتاب (جينالوجيا التشكيل) للفرنسية.
وديوان (تراتيل العودة)؛ الذي تناول محتواه حلم العودة، وقضية العرب الأولى للإنجليزية.

*الشخصية الأخرى.

فرقد: عدد أكثر من اثنى عشر شاعرا ترجمت لهم..،
مدار من الدهشة الحولية التي تهديها لكل شاعر..، ما هو الشعور الرومانتيكي الذي يأتيك بعد الترجمة..؟

حسن مشهور: كي أجيبك على هذا السؤال، فأنا مطالب بأن أكون أكثر إيضاحاً وشفافية. وهكذا سأكون معكِ ومع القارئ. أحيانا ينتابني شعور بأني أملك شخصيتين: الأولى هي الشخصية؛ التي يعرفها الجميع ويحبها، وهي شخصية الإنسان؛ الذي ندعوه بحسن مشهور، ذلك الشخص الباسم دوماً؛ والذي إذا دخل مكانا ولّد فيه البهجة. وهو أيضاً من يحول أي اجتماع، أو جلسة رتيبة إلى حالة من الصخب، والضحك، والمؤانسة، والإقبال الأزيد على العمل، وعلى الحياة.
وهناك تلك الشخصية الأخرى، وأعني بها الشخصية المفكرة، المنتجة، صاحبة الأطروحات الفلسفية، والأدبية الخلاقة، وهي شخصية لو قابلها أحد ممن يعرفني لأصابته الدهشة. لعل من أبرز سماتها سحنتها الجادة، وجبهتها المقطبة، إلى جانب الانفصال الفكري شبه التام عن الواقع، والانكباب الكلي على عالم الكتابة، ومراجع البحث، ومصادر المعرفة.
وقد حدث مراراً أنه قد دخل أكثر من شخص من أفراد أسرتي، وأنا منكب على الكتابة، فلم أعره اهتماما، ولم أعلم إلا لاحقاً من كان وبماذا همس. الأمر الذي دعاهم لأن يكفوا بالكلية عن الدخول عليّ في مكتبي المخصص للكتابة، أو يجرّبوا التواصل معي حين تفرغي للبحث والتأليف.
لكن يحدث غالباً، أنه بعد الانتهاء سواء من كتابة نص أو ترجمة آخر أو كتابة جزء من بحث أدبي، ومن ثم مغادرتي لغرفة المكتب؛ الذي وضعته في دور علوي منفصل عن مقر سكناي بالكلية، وعند ولوجي لصالون المنزل أن أسترد تلك الشخصية الأولى؛ التي تتمازح في حضوريتها حينذاك، إقبالها على الحياة كالمعتاد إلى جانب الشعور المتولد عن الرضى، جراء ما تم إنجازه من عمل إبداعي كتابي.

فرقد: أمزجة الشعراء لغواياتها الفلسفية منفصلة…اختيارك لمدرسة شاعر معين، كيف يكون موضوعيا، ومتى يكون ذاتيا؟

حسن مشهور: الفصل بين الذاتية، والموضوعية عملية شاقة جداً، خاصة للقارئ الافتراضي، فكيف بمن يملك موهبة الكتابة، فهو أيضا قد تشده شخصية كاتب النص، مثلما يأخذ بلبه النص المطالع. فنحن كجملة من المكونات البنيوية للمجتمع، نحب الحارث بن حلزة اليشكري، كشاعر جاهلي، بقدر حبنا لمعلقته. وتشدنا شخصية الشاعر المهجري ميخائيل نعيمة، بقدر فتنتنا بديوانه ” أفاعي الفردوس”، ونجدنا نبجل شاعر إيطاليا في القرون الوسطى دانتي إليجري، بقدر هوسنا بملحمته الشهيرة المسماة بالكوميديا الإلهية، خاصة الفصل الأول منها، وأعني به الجحيم Inferno، الذي بالمناسبة قد ترجمته بالكامل في كتابي الأخير “حوارية العتمة والضوء” الصادر عن نادي نجران الأدبي عام 2017م.
لكن الباحث الجاد، والشخصية المفكرة، تستطيع أن تعمل بطريقة مغايرة جداً للمألوف، وآليات التعاطي التقليدية، فيعمل على عزل الشخصية المبدعة للنص، عن النتاج الأدبي؛ ليتمكن من قراءته بحيادية أولية، ثم يعيد استحضار الشخصية المبدعة لهذا النتاج، لكن هذه المرة ليس من منطلق الإعجاب بها، وإنما بغية قراءتها، وتحليلها سايكلوجيا، باعتبارها “عتبة نصية “، ستمكننا من فهم الخطاب؛ الذي حواه النص، ويتحقق ذلك -في الغالب- عبر مراجعة تلك الأدبيات السيرية؛ التي أرخت لشخصية مبدع النص.

*الإبن الشرعي.

فرقد: لاحظت اهتمامك بواقعية بحوثك..، فهل تهتم لسببية العلاقة بين الشاعر وقصائده…؟

حسن مشهور: السؤال، من أين ينطلق الشاعر، إن لم يكن من محيطه الحياتي، والتفاعلي المعيش؟ حضورية المخيال الشعري، تعتبر نسبية، وتقوم في جزء منها على تجارب سابقة، قد عاشها، أو عايشها – إن كانت لغيره – المبدع. أي أن الواقعية هي الحتمية، والخيال هو التابع؛ الذي وإن بدا للمراقب الخارجي بأنه يمثل حيادية الفكرة، لكن الحقيقة إنه بطريقة، أو بأخرى الابن الشرعي لواقعية سابقة معاشه.

فرقد: عربياً هو قد سكنته أكاذيب التاريخ وتشبعت روحه ببطولات عنترة وحمزة البهلوان.
– للحروف مذاهب، ولكل قصيدة تترجمها ابتهالاتها؛ التي تلين تحت طوعك…حدثنا عن الاتجاهات التي تخص شعريتك في بعضها؟
حسن مشهور: ما أوردته في بداية السؤال هو مقتطع شعري من نص” بكائية الفارس الأخير “، وكان الباعث لكتابته؛ هي تلك النظرة القاصرة، التي يحملها البعض لمجتمعنا العربي، ويعززها الطابور الخامس في الذهنية العربية بأن ماضينا العربي قد كان أفضل بكثير من حاضرنا، وهذه مغالطة تاريخية كبرى. فإذا استثنينا صدر الإسلام، باعتباره خير القرونط نظرا لوجود نبي الأمة الهادي المحمدي عليه أفضل الصلاة وأتم التّسليم فيه، إلا أنه قد كان في سياقه التفاعلي الطبيعي، كأي مجتمع آخر، يزخر بالثنائيات المتضادة، كثنائية ” الخير والشر”، ” والحب والبغض”، ” الصدق والكذب”، فقد نافق حينئذ من نافق، وارتد من ارتد، أمثال عبدالله بن سعد بن أبي السرح كاتب وحي الرسول، وسرقت فاطمة المخزومية فقطعت يدها، وزنى الصحابي ماعز، والصحابية الغامدية، وأقيم عليهما الحد الشرعي.
أما عصر الدولة الأموية؛ الذي ابتدأ العام 41هـ ، وانتهى مع قيام دولة بني العباس، فقد كانت فيه الكثير من المظالم، ماعدا العامين اللذين حكم فيهما عمر بن عبدالعزيز، ويكفي أن نتذكر بأن الجزية كانت تؤخذ من أهل الذمّة حتى بعد إسلامهم، سعياً لتعزيز خزينة الدولة، أو مايسمى بيت مال المسلمين حينذاك. أما العصر العباسي، الذي ابتدأ العام 132هـ وانتهي عام 656، هـ فإن متتاليتة التاريخية، تحوي الكثير مما يندى له الجبين، فمن ساهم في تأسيسه قد لقي جزاء سنمار، وحتى وقعة عمورية الشهيرة؛ التي تغنينا بها مع الشاعر العربي أبي تمام، فقد قادها القائد التركي الأفشين، وهو من حقق فيها النصر للعرب، وبعد مكافأته والإشادة به بفترة قام المعتصم بقتله شر قتلة.
ولذا فأنا أصاب بالدهشة، عندما أجد أفرادا، خاصة من التيار الصحوي، يعملون جاهدين لوصم عهدنا الحالي، وتلك الإصلاحات، التي دشنها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وسعى فيها لتمكين المرأة، مع أن مجمل تلك التشريعات، هي في الواقع لها مرجعيتها الشرعية، ومنطلقها الديني، يصفونها بأن فيها الكثير من المخالفات، ويبكون على الماضي. في حين إن مايحركهم في الحقيقة، هي أجندات ظلامية خاصة بهم، وبمنفعيتهم، إلى جانب أهداف مشبوهة أخرى.
ولذا فأنا في كتاباتي الشعرية، ومقالاتي المتخصصة، اَنطلق من عمق الواقع بتعرجاته، وتداخلاته، ومن هنا فأنا أميل للمجابهة ومكاشفة القارئ العربي عن حقيقة ماضيه، وواقعية حاضره، وإنه ينبغي علينا أن ننطلق من الحاضر للمستقبل، لا أن نبقى نمارس البكائيات على الحليب المسكوب.
إلى جانب محاولاتي المتسمة بالاطراد لممارسة التجريدية التعبيرية في أدق صورها. وتجدني في بعض الأحايين أرسم الصورة الشعرية؛ التي أضفي عليها الفكرة السريالية لدفع “القارئ الهدف” لإعمال عقله، لضمان إخراجه من مربع الاستكانة والاستدارة.

*قراءة نقدية.

فرقد: ما هي مهمة بحوثك؟ وماذا يريد حسن مشهور أن يفعل بالعناوين؟ وأين يرسم استفهامك؟

حسن مشهور: أنا مهتم بالتجديد سواء على مستوى الفكرة الشعرية، أو المكون البنيوي البحثي. أحاول في أبحاثي أن اَنطلق من حيث توقف الآخرون. ففي كتابي ” نقد المنهج التتبعي”، الصادر عن دار أزمنة بالأردن العام 2014م، قد عملت فيه على تأسيس منهج نقدي جديد، يمكن الركون إليه في دراسات الأدب المقارن.
ولذا تجدني في بعض مؤلفاتي أشير إلى بواعث تأليف هذا الكتاب، هو أن يسهم في إفادة طلاب الدراسات العليا، ماجستير، ودكتوراه، إلى جانب أولئك المشتغلين بالدرس النقدي. ويكفي إن كتابي “متتالية التجديد”، الذي حوى أول تطبيق عربي “للمربع السيميائي” على شعر محمد الثبيتي، وقدم له صديقي الناقد الكبير سعيد السريحي، قد اتخذ من ضمن المراجع الرئيسة، لأربع رسالات ماجستيرط ورسالتي دكتوراه في جامعاتنا السعودية. تناولت أدبط وشعر شاعر البيد رحمة الله عليه.
وهناك كتاب ” جينالوجيا التشكيل”، الذي يعد الكتاب الأول سعوديا، والثاني عربيا؛ الذي تناول شعر أيقونة التجديد في الشعر العالمي، والأب الروحي للحداثة الأميركي “عزرا باوند”، إلا أنه قد تميّز عن غيره من الكتب بتقديم دراسة لأدب عيزا باوند، وتحليل العوامل البوليتيكالية المؤثرة في شعره، ولم اَقتصر فيه على ترجمة شعره فقط كغيري. وهو الأمر الذي دفع بالشاعر والناقد اللبناني الشهير شوقي بزيع الفائز بجائزة العويس، لأن يخصص الصفحة الثقافية بأكملها؛ التي كانت تصدرها صحيفة الحياة، لتقديم قراءة نقدية عن كتابي هذا.

فرقد: ماتت خطاك ومات حب رائع
فجعلت أذكر… ليتني لم أذكر
– من بين ألف حكاية جامحة… قل لنا طرفة موجعة مرت بك، وكتبت عنها.

حسن مشهور: حسناً، هي طرفة تراجيدية؛ بل تكاد تكون موجعة لي في بعض مناحيها. اَذكر أني عندما عينت في وظيفتي الحالية، أن تعرفت إلى رجل كان يدرس سابقاً في نفس الجامعة؛ التي كنت أدرس بها، وكان يرأس قسم التربية الإسلامية في مكتب التعليم، الذي عينت فيه، ورغم كون الرجل إماما لأحد المساجد، وخطيبا، وداعية إسلامية، إلا أنه قد كان اجتماعيا إلى حد ما، في فترة كان الغالب فيها صوت التيار الصحوي المتشدد؛ الذي كان المنضوون تحت لوائه لايعرفون التبسم، فارتبطنا بزمالة عمل.
وكان كلما رآني، وأنا أكتب تمهيداً للنشر، وللولوج لعالم الشعر، والتأليف، ينصحني بالتريّث حتى أبلغ سن 45عاما، بل كان يحلف عليّ بأن لا أفعل، ويستشهد على كلامه بمقولات يوردها للشافعي، حسب قوله، وللإمام أبي حنيفة، لكون هذه السن -كما أشار الشيخ- هي مرحلة النضج، وخوفاً من أن أكتب مافيه مخالفة شرعية، حسب زعمه، فأندم حين لاينفع الندم.
المفارقة، إن صديقي الشيخ هذا قد انتقل للعمل في دائرة أخرى وتباعدت بنا الخطى، لأفاجأ بعد بضع سنين، بخبر إقدامه على الانتحار، عن طريق إطلاق النار على نحره، وبعد أن تم إنقاذه، زرته، وعاتبته قائلاً: أيها الشيخ أنت من كان ينصحنا بالتريّث، والتفكير حتى في تلك الأمور؛ التي تتعلق بأمر التأليف، والكتابة. فلم أقدمت على هذا الصنيع؟!
فأجاب بأنه قدر الله، وأنّ هذا الحادث، قد كان نتيجة خطأ أثناء تنظيفه لسلاحه الشخصي. الصدمة، أنه بعد عام، عاود الكرة، لكن هذه المرّة قد عمد لشنق نفسه بحبل، رحمة الله عليه. فوجدتني بعدها أكفر بنصحه، وبمجمل مقولاته؛ التي أخرتني عن الولوج لعالم الكتابة، والتأليف، لأعوام عدة، وكان إن تم ذلك.

فرقد: هل يعاملك الشعر بما تحب..؟

حسن مشهور: لا في الغالب، لأنه يرتبط لدي ببواعث أغلبها متشحة بالسواد، وينطلق من ذات مغرقة في الحيرة. أنا أُعْمِل عقلي الفاعل في العديد من الجدليات؛ وتلك مربعات رمادية، ولذا فالشعر الذي يتمخض عنها، ليس من ذلك الحالم الواعد.

*سعادة حالمة.

٨-أربعة قرون سبقها ألف
والخلافة ثلاث نصفها عزف
وتلك القينة تغنينا صوت:
” لا أنت أنت
ولا الديار ديارا”
(حبيب بن أوس ).

فرقد: حين تكتب قصيدة جميلة فهذا يعني أن الشعر يتبعك. فأيّ الطرق الملهمة سلكت، وأنت عائد إليه..؟

حسن مشهور: أنا أنطلق في قصائدي، وكتاباتي الفكرية من واقع عربي، مأزوم في بعض مناحيه كما أسلفت، ويحفل بالكثير من الخيبات، ولكوني جزء منه، فقد كان لزاماً أن أتأثر أنا، وشعري أيضاً به. ولذا فشعري لايعكس تلك السعادة الحالمة؛ التي يرغبها، ويعيشها -في الغالب- الشاعر التقليدي، لذا فربما يجد القارئ في بعض نصوصي مناطق بعينها، تلتحف السوداوية، وتسكنها تلك النظرة الضبابية للأشياء، وللأمكنة. مع العلم – ومازلت أردد – بأن الباعث لهذه الانكسارات العربية هي نحن كعرب في المقام الأول، فنحن نرفض الإقرار بعيوبنا، ومكاشفة ذواتنا بكوامن، ومسببات هذه “الديلما” العربية، ونتبنى -عوضا عن ذلك- نظرية المؤامرة، في حين اجترارنا لإرث تاريخي، ماضوي، وممارسة البكائيات بحقه، وعدم تبني نظرية العلم، والعزم للانطلاقة، لمستقبلية عربية واعدة، هو السر – في تقديري – وراء ذلك.

فرقد: ماهي أنماط الشعر الضارة..؟

حسن مشهور: الشعر جميل في كل حالاته، حتى الهجاء لو تأملناه جيداً، سنجد بأن هناك أنواعية بعينها من الجماليات تسكنه. إنما الضرر يحدث حين تصيب الشاعر لوثة فكرية، فتتضخم “أناه” ، وتسكنه النرجسية  ويبدأ في النظر لأقرانه بدونية، ويقزم من قاماتهم، ويقلل من قيمة نتاجاتهم الفكرية، فذلك الضرر بعينه.

فرقد:
يا أكذوبة العصر
يا كل حماقاتنا على امتداد الدهر
“وامعتصماه” يا أكذوبة عمورية
يا خيبات البشرية
أين الأفشين؟!
وقبلها أين ذو اليمينين؟!

-الأنا..، الشك والإثبات..، هي..، هذا الكتاب..، العطش..، السمراء..، قلم أحمر..، نقطة..، ما تعنيه لك هذه الكلمات..؟

حسن مشهور: هي في تقديري مجرد علامات تسبح في فضاءات التداولية اللسانية، ولن يكون لها معنى، إلا إذا انتظمت في سياق لغوي بعينه، أكون أنا صانعه، ليشكل تعبيرية عما يختلج في فكري، ويترجمه لساني.

فرقد:
تعال إليَّ!
لتذق من يدي الغدر
وسأذيقك صبيتك القهر.

-صف لنا مرآة عزلتك..؟

حسن مشهور: أنا رجل تسكنه العزلة، حين يقرر الفعل الكتابي، وذلك أمر موجع؛ لأنه يشكل حضورية لكافة أوجاع المجتمعات، ومعاناتها، لذا تجدني بعد ذلك أقبل على الحياة ببهجة، وشغف غريبين. وكأني اتأسى عن وجع الكتابة، ومرارة العزلة.

*تبني الموضوعية.

فرقد: هذا الهدوء في تعاملك..، هذه الرزانة في حضورك..، وهذه الإبتسامة؛ التي يرغب بها كل منتقد، ويحتاجها كل ناقد..
-متى تصفع في نقدك..، وكيف تكون قسوتك..؟

حسن مشهور: ربما يشكل ما ذكرتِ عوامل معززة، لتمرير قسوة النقد إن وجدت، لكن يقيني بأن التركيز على الفكرة، وتبني الموضوعية، والبعد كل البعد عن الذاتية، كمنطلق سيجعل الآخر يتقبلك، مهما مارست بحقه من نقد مشبوب حتى بالقسوة، نظراً لكونه يثق في نزاهة بواعثك، وصدق منطلقك.

فرقد:
في المساء ينسى الصباح
يأوي إلى كُرهٍ ومُحَرّمٌ يستباح
يقول أنا الدين
جهاد لا نكاح
وأنتم الدنيا امرأة وكأس راح
-حين توافيك الدهشة كيف يغشى عليك..؟

حسن مشهور: هي تلك النّماذج المتناقضة من البشر حد الصراخ، بين ما تدعو إليه علنا، وما تمارسه في الخفاء، هي حقاً تجعلني أصاب بالدهشة، وبفقدان الاتزان معا، بل لايخفاك أنني حينها، أجدني كمن يدور في ذات المكان، فتكون العودة، هي ذات المنطلق، فأكون أشبه بمن هو في “التيه”، بل وكأني كمن يبحث عن مخرج من أحجية بلورية.

فرقد:
يبسط كفه
لا يرتضي إلا عطاء الحب،
به أقتدي
في رحلتي المثلى
هكذا أبتغي
منها الوصال.

-لا شيء يشبهها.! ، أنقشها كالحناء على أصابع حوارنا مثّل لما تريد..؟

حسن مشهور: هي الأم، وربما تكون الزوجة، أو الأخت، أو حتى تلك الفتاة الحلم؛ التي هفت أرواحنا إليها في أزمنة الحب العذري، إبان سن المراهقة. لكن تبقى في تقديري بأنها أبعاد رمزية، نستحضرها للتعبير عن القادم الإيجابي؛ الذي نحلم بتحققه، ونعبّر مجازاً عنه بتلك الصور الشعرية ” للأنثى الحلم”.

*ممارسة الانتقاد

فرقد: متى يكون نقدك شرسا..؟

حسن مشهور: الشّراسة إن تناولنا هذه المفردة كلفظة مجردة، فهي قد توجه للنص أحيانا، أو لصاحبه في ذات الوقت. ما أمارسه أنا في تجاربي، وأداءاتي النقدية؛ هو ذلك النقد الأدبي القائم، على إسقاط أنموذج مدرسة نقدية ما، على نص أدبي قائم بذاته. سواء أكان هذا الأنموذج، أو المنهج النقدي، يمثل المنهج النقدي التاريخي، أم المنهج السايكولوجي، أم السيميائية، أم التفكيكية، أو حتى الشكلانية، أوالبنيوية. لكن المحصّلة لمثل هذا الصنيع، هي نتاجات قائمة على الدرس النقدي التطبيقي الجاد، وليس على مزاجية، قد تتموضع فيها نزعات بشرية من ضمنها الشراسة.
لكن الإشكالية في واقعيتنا الأدبية السعودية، تنطلق من باعثين: الأول إن أغلب الدّراسات النّقدية السعودية، هي دراسات انطباعية؛ تخضع للمزاجية، وللفهم البسيط، لمن يتسمّى بالناقد. وهي في الأوساط الأكاديمية العالمية منها، والعربية، لايعتد بها، ولا يمكن الرّكون إليها في تلك الأدبيات العلمية؛ التي تعنى بالدّرس النقدي. وربما يكون الباعث لهذه الممارسة أن هؤلاء لم يتلقوا دراسة أكاديمية في تخصص يحوي النقد الأدبي، كمادّة من ضمن مقرراته التعليمية. والسبب الآخر أن السّاحة الأدبية السعودية، قد أصبحت تزخر بالغث والسمين، وكلٌ يتسمّى أو تتسمّى بأديبة، وهو أو هي غير مهتمة بتثقيف الذّات، والقراءة في أمهّات الكتب المتخصصة؛ التي تحسّن الموهبة إن وجدت، أو تعطى صاحبها الحد الأدنى، أو مقداراً معيناً من الفهم.
ولذا فهم، عندما يتناولون نصا ما، فنجد أن ما يمارسونه هو ” انتقاد” وليس ” نقد” ، وشتّان بين هذين المصطلحين، فالأول يحسن أداءات المبدع، ويجوّد أدواته التعبيرية، ويحتاجه كل من يمارس أجناس الكتابة، في حين إن الآخر لن تتولد عنه سوى الشراسة؛ التي ستحل القطيعة بين الشاعر، والناقد عوضا عن تجسير الهوة؛ التي تتزايد يوم بعد آخر.
أما إذ آمنا بصدق منطلقات هؤلاء “المنتقدين” وليس ” النقاد” خاصة أن أغلب شعراء اليوم، يفتقرون للثقافة الشعرية العميقة، وتخلو أغلب قصائدهم من التجربة التعبيرية، الصادقة؛ التي تحدث عنها أرسطو في كتابه الشهير” فن الشعر”، إلى جانب صورهم الشّعرية المتسمة بالهشاشة، فقد نجد لهؤلاء الشرسين في انتقادهم، وليس نقدهم مخرجا.

*سما يوسف رحمها الله.

فرقد:
مقطع من مرثية لسما يوسف:

لطفلة تمشي على الماء كيسوع
لبسمة جف منها الينبوع
يأتي الصريخ
في كل الأرجاء يصيح:
“المجد للطيبين في السماء”
“الحمقى يحثون الخطى نحو الشقاء”
يترجل الجميع ..
لينتصر عزازيل…

– متى تربكك قصيدة..؟

حسن مشهور: تكون القصيدة مربكة حد التوجس، عندما تتناول شخصية محببة للذات، قد رحلت عن عالمنا المعيش. ولقد كانت الراحلة الأخت، والشاعرة، والكاتبة الصحفية سما يوسف تمثل لي، وللعديد ممن عرفها سواء من خلال الكتابة في الصحافة، أو الحراك الأدبي الجاري في تلك الدوائر؛ التي تعنى بالثقافة الأخت الكبرى لنا جميعاً. فهذه المرأة، قد كانت تملك قلباً خيِّراً، محباً لمساعدة الآخرين، ولبذل النصح، والجهد لضمان نجاح الآخرين.
أذكر أنه في توقيع أحد كتبي في العام 2016م بمعرض الرياض الدولي للكتاب، أنها كانت بيدها تساعد مسؤولة الدار العربية للعلوم ناشرون في ترتيب نسخ الكتاب على طاولة التوقيع. ولذا فرحيلها قد كان موجعا لمن عرفها عن قرب، فرثاها زوجها الشاعر فاروق بنجر. ولكون العربي إذا جرّب أن يُرثي الأنثى، فهو لايتجاوز أمه، أو زوجته، أو أخته، وربما إحدى قريباته. لذا وجدتني أكسر هذا “التابو الأدبي” العربي – إن صحت التسمية – وأجرب أن أرثي زميلة عمل صحفي، امتد لتسع سنوات في الصحافة، وقبل ذلك صديقةً فكرية. فكان إن كتبت مرثية نالت استحسان زوجها؛ الذي علق على موقع نشر القصيدة بكلمات شكر. وفي نصّي هذا، قد عملت على توظيف تقنية الشعر؛ التي عمد لتوظيفها من قبل “ت.إس. إليوت” في قصيدته الأرض اليباب، حين عمد لمزاوجة نصه بأبيات شعرية استحضرها من ثقافات أخرى، بنية تدعيم خطاب النص الشعري، وتحقيق رسالة الإفهام التضمينية في بنية النص.

*هنا فرقد

فرقد: وحانت لحظة السلام..، والنقش لفرقد بسطرين بين الشعر وترجمته..؟

حسن مشهور: لفرقد تلك الأيقونة التعبيرية المثلى، وللقائمين عليها تحية برداً وسلام. ولمعدّة هذا الحوار الأديبة القديرة جوهرة يوسف تحية إجلال، فقد كانت المحاور؛ التي تناولتها الأسئلة من العمق بمكان، وتمثل تحدياً جدياً لذهنية الضيف، وهو أمر يحسب لها، ولقدراتها الكتابية والحوارية.
وأما مجلة فرقد فسأقول فيها ماقاله الشاعر الإنجليزي الكبير ” صموئيل جونسون”، في الخان الأعظم الزعيم المغولي صاحب قبة البهجة الشهيرة ” قبلاي خان” وهي مما ترجمت من شعر ماوراء الطبيعة ونشرته في كتابي “الميتافيزيقيا الشعرية”، الصادر عن أدبي جازان، والذي تناول نماذج شعرية تندرج في إطار الأدب المقارن بين الأدب العربي، والآداب الغربية منها والأوروبية، حيث يقول:
فلتخطوا حوله سبع دوائر
ولتقفوا بوجل رباني
فهو الطاعم للمن
والشارب لحليب الفردوس.

12 thoughts on “الناقد حسن مشهور في المدار

  1. للمرة الأولى أجد أحد أدباءنا الكبار يتحدث بكل وضوح وصراحة. المحاورة كانت مبدعت فقد تمكنت من أسئلتها الدقيقة من جعل الضيف يتحدث بكل وضوح ويخرج مالديه بكل صراحة.

  2. الحياة دوما تكون متخمة بالعديد من التجارب الحياتية. هذا لقاء يندرج تحت مظلة ادب السيرة الذاتية شكرا لفرقد فرداً.. فرداً لاتحافنا بمثل هذه اللقاءات التي يكون سقف الصراحة فيها عاليا.

  3. اطلعت على هذا الحوار الذي استفدت منه كثيراً، كوني باحث ماجستير في قسم الأدب والنقد بجامعة الملك عبدالعزيز. ونعم أذكر بأن هناك دكتور لدينا في الكلية قد قال في يوم بأن الأدب العربي يعاني من قلة الدراسات النقدية القائمة على أساس منهجي علمي. وعند محاولة معرفة السبب قال:
    بأن من ضمن الأسباب هو عدم تدريب الدارسين على ذلك خلال سنوات الجامعة.

  4. حوار قيم تشكر مجلة فرقد عليه.
    و اتفق مع ماذهب إليه الدكتور حسن مشهور حول أن النقد السعودي بحاجة لاعادة تأمل وتجديد انطلاقته من جديد.

  5. في هذا الحوار تسنت لنا أجمل فرصة لمزيد من سبر أغوار الممتع والمشاغب حسن مشهور ، فكشف لنا مزيدا من وجهه الباسم الوضاء وشخصيته المحبة والمرحة والشرسة في آن واحد ، وكم سعدت بمثل ذلكم المثول . لاحظت الجفوة من حسن لبني العباس في المجمل والتفصيل ، فلم كل هذا ، ونقره بأن حكم بني أمية كان أفضل للعنصر العربي. وأرى حسن قد أغفل خلفاء الدمية والحائط في مصر بعد سقوط خلافتهم عام 656 هجرية ، وإن كانوا تحت إمرة المماليك وغيرهم ، حتى سقوطهم ومماليك مصر والشام على يد سليم العثماني. حييت وبييت صديقنا الجميل د. حسن مشهور 👍🌹

  6. د.حسن مشهور ناقد مثقف مفكر متابع لكل ما يطرح على الساحة الأدبية . متواضع وإنساني من الدرجة الأولى.

  7. أتفق مع الدكتور حسن مشهور بأهمية الموضوعية في ممارسة عملية النقد البناء. فإن أردنا التقويم والتحسين فعلينا اتخاذ خطوات صحيحة في عملية النقد للآخر. أما بالنسبة للحراك الثقافي سواء بالمملكة العربية السعودية الحبيبة أو في باقي دول الوطن العربي فللأسف يبقى الآخر الغربي هو المسيطر في فرض التقنيات والمناهج. وربما كان التعصب تجاه منهج دون الآخر يولد حساسية أكثر فتكون العملية النقدية ضمن دائرة محددة المعالم .

  8. للناقد الدكتور حسن مشهور منهج خاص به وفق ما خلص لدينا، وقد طالعته في كتابه نقد المنهج التتبعي، فآمل منه أن يوضح لنا هنا في هذا المقام أن يعطينا المزيد من الشروحات عن ماالذي أراد به عندما تحدث في كتابه عن “مبدأ التلازميةالأدبية” وله ولمجلة فرقد المتميزة خالص الشكر. سامي صميلي المهنة مهندس لكني ولله الحمد موهبتي في القصة ومهتم بالنقد.

  9. الحركة النقدية في المملكة العربية شهدت في الآونة الخيرة الكثير من الضعف وبدأت تتضعضع في تحقيق مكانة في المشهد الثقافي العربي وهذا الأمر بحاجة لوقفة جادة. وكي نعود للمشهد الثقافي من جديد فنحن بحاجة للاهتمام بالمواهب الشابة وصقل مواهبها سواء في النقد أو الأنواع الأدبية الأخرى.

  10. سؤال أوجهه للناقد د. حسن مشهور ضيف مجلتنا فرقد الغراء:
    نلاحظ في الآونة الأخيرة أن الكثير من الشعراء يمارسون عملية النقد عبر صحف وكجلات وأيضاً مؤلفات، فهل هذه ظاهرة صحية وهل ما يتحصل من عملهم هذا يعد نقداً جدياً.

  11. فيما يتعلق بهشاشة الثقافة للمثقف السعودي فأنا كأكاديمي اتفق مع الناقد مشهور فيما ذهب إليه.
    فأنا في كثير من محاضراتي وأثناء حواري مع طلابي في قسم الأدب والنقد الحظ ذلك الضعف في الثقافة والمعرفة.
    ولذا فأنا أرى أن يتم تبني مشروع للقراءة والتثقيف بين أبناء الجيل الحالي.

  12. الناقد الكبير الدكتور حسن مشهور يعد أحد أركان النقد في خريطة الأدب العربية. هو شخصية ألمعية بفكر أخاذ، تشاركت معه ومع الأخوة سعيد السريحي ومعجب العدواني وسعدالبازعي وآخرين في تأسيس منتدى جدة للدراسات النقدية. سعدت حقا بهذا الحوار الأدبي الفكري الراقي. وشكرا لفرقد كفريق عمل على هذاالتميز والحضور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *