مراجعة كتاب: مستويات العربية المعاصرة

 

 

بقلم/ أ. إيمان سالم البلوي*

 

معلومات الكتاب:

  • المؤلف: السعيد محمد بدوي.
  • دار النشر: دار السلام.
  • سنة النشر: 2012
  • عدد الصفحات: 248

يعد الكتاب من أهم الدراسات التي بحثت في التعالق اللغوي الحضاري ومفرزاته وبيان دوره وأثره على التطور اللغوي، ويتخذ المؤلف من اللغة العربية المحكية في الشارع المصري بكل أطيافه الاجتماعية، والفكرية، والحضارية مادة للبحث، وقد نال هذا الكتاب حظاً من الاهتمام الذي لم يقتصر على المختصين من الأكاديميين وغيرهم بل تجاوزهم بمخاطبته للقارئ العادي.

صدرت طبعته الأولى عام 1973م ، ولفت الكتاب الأنظار إلى قضية المستويات اللغوية عموماً وخصوصاً المستويات المصرية، وتكمن أهميته في كونه موضوعاً بكراً، لا في اللغة العربية فحسب؛ بل وفي غيرها من اللغات، يعد الكتاب ثمرة جهد شخصي قام به الدكتور السعيد بدوي كما يصفه فاروق شوشة في مقال نشر في جريدة الأهرام (1 من أكتوبر 2000 م) فالكتاب يصف الواقع اللغوي كما هو، ويرصد التغيرات اللغوية، الخاصة بكل مستوى، ويدور الكتاب حول خمسة مستويات وهي: فصحى التراث، وفصحى العصر، وعامية المثقفين، وعامية المتنورين، وعامية الأميين، وتتخذ هذه المستويات شكل الهرم؛ وذلك لأن النسبة تقل تدريجياً من الأقل إلى الأكثر نزولاً والعكس، كالتالي:

1 – فصحى التراث: وهي فصحى تقليدية غير متأثرة بشيء نسبياً، وتكاد تكون محصورة على رجال الدين من علماء الأزهر، واستخداماتها المنطوقة تكاد تنحصر أيضاً في متحدثي البرامج الدينية، والإذاعية، والتليفزيونية المتأثرين بقواعد القراءات القرآنية تأثراً قوياً.

2- فصحى العصر: وهي فصحى متأثرة بالحضارة المعاصرة، ومجالها أوسع كثيراً من مجال المستوى الأول، فهي تبدو في كل الموضوعات المتصلة بحياتنا المعاصرة، والتي تستخدم فيها العربية الفصحى، ويضم هذا المستوى أنماطاً علمية وسياسية وأدبية واجتماعية وفنية.

3- عامية المثقفين: وهي عامية متأثرة بالفصحى وبالحضارة المعاصرة معاً، وتستخدم عادة في المناقشات التي تجري بين المثقفين في مسائل العلم والسياسة والفن والأمور الاجتماعية، ويمثلها في الإذاعة والتليفزيون برامج الرأي والحوار والمناقشات، ونظراً لاتساع هذا المستوى وشيوعه؛ أصبحت عامية المثقفين بمفرداتها وتعبيراتها ومرونتها مستودع الحضارة المصرية الحديثة ولسان العلم المعاصر.

4- عامية المتنورين: وهي التي يستخدمها غير الأميين في أمور الحياة العملية اليومية؛ من بيع وشراء ورواية أخبار، كما يجري بها الحديث بين الأهل والأصدقاء حول مختلف شئون الحياة.

5- عامية الأميين: وهي عامية غير متأثرة بشيء نسبياً، لا بالفصحى ولا بالحضارة، يتصل هذا المستوى بأمية أصحابه ويحظى بنصيب كبير في البرامج التمثيلية والمسرحيات خاصة الفكاهية منها، فهي لغة (أولاد البلد).

استخدم الدكتور السعيد بدوي المنهج العلمي الذي يقوم على الاستقراء والملاحظة، في محاولة لوصف الواقع اللغوي كما هو، عن طريق ربطه بالقوالب الحضارية التي يعبر عنها، فعمد الدكتور أولاً إلى جمع المادة اللغوية عبر الاستقراء والإصغاء والتأمل والمتابعة لحصيلة هائلة من هذه المادة المسكوبة على أوراق الصحف والمجلات، والبرامج اللغوية. 

ويقع الكتاب في 248 صفحة، وهو يتكون من مقدمة، وثلاثة فصول، وملحق، وقد قدم للكتاب فاروق شوشة في مقال نشر في جريدة الأهرام يحمل نفس عنوان الكتاب، ثم تلته المقدمة عن المنهج وتناولت ما يلي:

  • الحاجة إلى المنهج العملي في معالجة المشاكل اللغوية.
  • مشكلة حقيقة التركيب اللغوي للمجتمع المصري.
  • الفصل بين الفصحى والعامية في الاستعمال اللغوي أمر يتنافى مع الواقع.
  • طبقات المجتمع الثقافية والحضارية متداخلة بصورة يتعذر الفصل بينها.
  • لغة المجتمع المصري متدرجة من أقصى درجات الفصحى إلى أدنى طبقات العامية ومتداخلة فيما يشبه السلم اللغوي، فلكل فرد مركز على هذا السلم تحدده خلفياته الثقافية.
  • الإصلاح اللغوي للفرد والجماعة يكون بإصلاح مقومات حياتهم الحضارية.

تحدث الفصل الأول عن الأصول التاريخية للمستويات اللغوية؛ ومن ثم تناول أربعة أحداث كبرى أثرت على تطور اللغة العربية، وهي:

  • الحدث الأول: ظهور الرغبة الجماعية لدى سكان الجزيرة العربية في إيجاد مؤسسات عامة تمتد خارج حدود القبيلة.
  • الحدث الثاني: مجيء الإسلام بقوالب جديدة استدعت وجود قوالب تعبيرية موازية لها.
  • الحدث الثالث: استيطان العرب خارج الجزيرة العربية مما فرض على اللغة العربية مهمة التعبير عن مقومات حضارية ليس لهم عهد بها، ومن ثم ناقش قضايا مختلفة منها:

ظهور اللحن، وحركة تقعيد الفصحى التي يرى أنها جمدت قوالبها وفصلت بينها وبين العامية، وتناول دور كل من العامية والفصحى في المجتمع، وقضية الفشل في تعلم الفصحى التي أدت إلى خلق مستوى لغوي ثالث.

  • الحدث الرابع: مجيء الحملة الفرنسية وانفتاح المجتمع على صور حضارية ليس لأهله بها عهد، وقد تناول تحت هذا الحدث اضطراب اللغة أمام الحضارة الوافدة، وظهور ألوان تعبيرية جديدة، واضطراب حركة التقييم اللغوي لهذه الألوان، وتناول الرغبة في الإصلاح وأنه لابد أن يسبقها وصف واقعي للصورة اللغوية في المجتمع.

أما الفصل الثاني فقد خصصه للمستويات اللغوية في مصر كما يراها الباحثون، وتناولها من وجهة نظر الباحثين، وتحدث عن التفريق بين مصطلحات متداخلة في هذا الحقل (المستوى اللغوي، واللهجة، واللغة، والمجتمع اللغوي المتكامل) وقسم آراء الباحثين في لغة المجتمع المصري إلى ثلاثة آراء:

الرأي الأول: الفصحى لغة المجتمع وما عداها مجموعة من الأخطاء.

الرأي الثاني: العامية لغة قائمة بذاتها وهي قسيم الفصحى في مصر.

الرأي الثالث: اللغة الوسطى تقتسم مع الفصحى والعامية النشاط اللغوي في مصر.

وتحدث بعد عرض الآراء عن جهود فرح أنطوان في استخدام اللغة الوسطى، ومحاولات توفيق الحكيم، وتقييم تجربته.

أما الفصل الثالث يحوي قضية الكتاب وهي مستويات العربية المعاصرة في مصر، وعرض العوامل التي تحكم تفاعل هذه المستويات داخل بعضها، وتناول قواعد التفريق بين المستويات، والصفات اللغوية التي تميز المستويات الخمسة، وصنف الصفات الخاصة بكل مستوى كالتالي:

  • أولاً: صفات فصحى التراث.
  • ثانياً: صفات فصحى العصر.
  • ثالثاً: صفات عامية المثقفين.
  • رابعاً: صفات عامية المتنورين.
  • خامساً: صفات عامية الأميين.

وبين الصفات اللغوية التي تستخدم لتحديد كل مستوى عبر الأصوات، وبنية الكلمات، وبنية الجمل، ودعم ذلك بنموذج لكل مستوى. 

أما عن ملحق الكتاب فقد عرض فيه بعض المسائل المتعلقة بالمستويات بصفة عامة، مثل ظروف اكتساب الفرد لكل من المستويات الخمسة، وأسس الانتقال بين المستويات أثناء الحديث، وفي آخر الكتاب ألحق دراسة عن الكتاب بالإنجليزية للدكتور ويليام ستوتزر.

إن هذا الكتاب يدير الدفة نحو أفق جديد للبحث في الواقع اللغوي العربي، ويخلص الدكتور بدوي إلى حقيقة تمايز مستويات العربية داخل مصر، عن طريق ربطه بالقوالب الحضارية، بالإضافة إلى ذلك فإن الكتاب أكد على فكرة التمازج بين المستويات، وأن الفصحى والعامية لا يحكمهما مبدأ التضاد؛ بل إن وجودهما إفراز طبيعي ناتج عن ثراء وتنوع الواقع اللغوي المصري المترتب أصلاً على ثراء المجتمع المصري المليء بالحضارات على مر العصور، ويصادر الكتاب على أن نشر الفصحى وتقويتها وإعادتها إلى سالف العهد لا تكون بزيادة ساعات القواعد، ولا بحفظ قوائم الكلمات التي تتفق فيها الفصحى والعامية، بل يكون ذلك بالأخذ بأسباب الحضارة الفكرية الحديثة، يكون بنشر العلم وغرس طرق التفكير المنهجي، يكون بإثراء العقل والفكر والنفس بكل ذي قيمة من علم وفن وأدب، أي: يكون بنشر أنماط الحضارة التي ترتبط تلقائياً بالفصحى والمستويات العليا من التعبير اللغوي .

*باحثة سعودية، ماجستير في اللسانيات الحديثة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *