الشعراء بين مُستَجْدٍ بالشعر وشاتٍمٌ به

 

بقلم/ صلاح عبد الستار محمد الشهاوي* 

 

أصل الحكاية.

يُحدِّثنا ابن رشيق في كتابه -العمدة- عن قصة مؤسفة صاحبت نشأة شعرنا العربي، في سطور قليلة غنية بالدلالة، فيقول إن منزلة الشاعر في الجاهلية كانت أعلى من منزلة الخطيب، وما أدراك ما منزلة الخطيب، سواء في مجتمع القبيلة أو المدينة، حتى تكسَّب الأعشى والنابغة بالشعر فقصدا الملوك وأخذا عطاياهم، حتى بات النابغة لا يأكل إلا في صحاف الذهب والفضة، فسقطت منزلة الشاعر دون منزلة الخطيب.

وهكذا طلب الأعشى والنابغة المال وفقدا المنزلة، وتحوَّل الشعر من وجدان إلى مهنة. وسرعان ما تكوَّن في المجتمع مع نشوء الدولة العربية قطاعُ الشعراء المحترفين، فصغيرهم صاحب الموهبة المحدودة يتبع الأمير أو الوالي صاحب الجاه والمال المحدودَين، وكبيرهم صاحب الموهبة الضخمة يتبع صاحب الجاه والمال الكثيرَين، وقمَّتهم في الموهبة يتبع لقمَّة الدولة. هذا ما يذكره لنا كتاب الأغاني، حيث نلاحظ هذه المعاملة المُهينة التي كان يلقاها بعض الشعراء في بلاط الأمراء والولاة. وهنا لا بدَّ أن نتساءل: كيف تحوَّل هذا الإنسان الذي اشتُقَّ اسمه من الشعور وهو أعلى درجات العلم، والذي كان يُمثِّل في أواخر الجاهلية دور المُربِّي والحكيم وعالِم الجمال. كيف تحوَّل إلى مُهرِّج ساقط الدرجة؟ كان لا بدَّ إزاء هذا الصراع أن ينقسم الشاعر الصادق إلى شخصَين، الأول يمارس دوره الوظيفي على حساب كرامته وفنِّه، والثاني ينتقم من الأول بأن يندفع نحو وجود فنِّي مُناقض لدوره الوظيفي ووضعه الاجتماعي. فهو قد يكون سلفياً في بعض شعره، يعنى بمُحاكاة الأقدمين والنسج على منوالهم، فيتخفَّف في بعض شعره الآخر من قيود المحاكاة معارضاً الأقدمين ساخراً منهم كما فعل بشار بن برد إلى حدٍّ ما، وأبو نواس إلى أبعد حدٍّ. وقد يكون صيَّاداً حاذقاً للدراهم بالمدح والتملُّق في جانب، داعياً إلى الزهد المُسرف في الدنيا في جانب آخر، كما فعل أبو العتاهية! وكلا الموقفَين ليس إلا رد الفعل على وضع الشاعر الاجتماعي الغريب. فهل أصلُ حالةِ الشعراء العرب الكبار مجرَّد عُقد نفسيَّة توزَّعوها فيما بينهم، أم أن المسألة مسألة مناخ اجتماعي شملهم جميعاً، فجعل من جرير والفرزدق شتَّامَين بذيئَين كما تفضح ذلك تلك المجموعة البشعة المُسمَّاة – أدب النقائض-؟ إضافة إلى الطابور الطويل الذي خلفة تاريخ الشعر العربي من المكدين (الكُدّية: حرفة السائل المُلح. وهي أيضاً شدة الدهر، وقد احترفها بعض الشعراء العرب. وهم غير الشعراء الصعاليك والشطار والمتلصصون) والمتحامقين والمتسولين.

 

حظ الشعراء بين متكسب بالشعر وشاتم به.

إن أمر الحظوظ في هذه الدنيا عجيب، فمن الناس من يدركهم الحظ (التوفيق) ويلمسهم ولو لمسة خفيفة بعصاه السحرية فإذا الدنيا تقبل عليهم والشهرة تنعقد لهم، وفم الزمان ينادي باسمهم. ومن الناس مجدون ومجودون ولكن حظهم خامل. ونجمهم آفل فتري النسيان يغمرهم، والشهرة تبتعد عنهم. فشعراء الجاهلية، والشعراء المخضرمين الذين عاشوا في الجاهلية وأدركوا الإسلام، تجد أن الشهرة العريضة والعناية الواسعة أحاطت بأمثال امرئ القيس، وزهير، والأعشى، والنابغة، وعنترة، وطرفة، وحسان بن ثابت، والخنساء، ومن إليهم.

كما أنها ابتعدت عن طائفة مجيدة مجودة من أمثال المتلمس- جرير بن عبد المسيح الضبي-، علباء بن أرقم اليكشري، قراد بن حنش، حميد بن ثور الهلالي، وسحيم، وحفنة أخرى غير قليلة من الشعراء الهذليين. فلقد ظل سحيم، وحميد الهلالي، وبعض الهذليين منسيين إلى أن اهتم بهم دارسو الأدب العربي في النصف الأول من القرن العشرين الميلادي.

كذلك ظل الشاعر ابن الرومي – من شعراء العصر العباسي- منسياً مهملاً إلى أن أدركته العناية في زماننا هذا، فاهتم به عبد الرحمن شكري والمازني، والعقاد وكامل كيلاني ومحمد شريف سليم من العرب، والمستشرق المجري جرمانوس، وغيره، فقد تناوله هؤلاء بالدراسات الجادة الرصينة.   

فالحظ طائر يحط أينما شاء وفي أي وقت يشاء. والحظ في حد ذاته من الأمور الغامضة التي لا تعليل لها ولا وجود مادي لها أيضا. فقط يحط هذا الطائر على إنسان ما. فإذا هو بين عشية وضحها يصبح إنسانا محظوظا وقد يتخلي الحظ عن إنسان كان محظوظا فيصبح إنسانا منكودا.

وأسعد الناس في الدنيا من تكون حياته فيها محاطة بالتوفيق. فبعض الناس قد تكون ظروفه مواتية له، والبعض الآخر قد تكون ظروفه معاكسة له، وليس هذا القول مدعاة إلى الكسل والخمول اعتمادا على مواتاة الظروف أو معاكستها، كلا فإن السعي والاجتهاد من الأمور الواجبة، سواء كانت ظروف الإنسان معاكسة أو مواتية، فإن الكسل يضعف قدرة أصحابه، إذ لا يمكن أن يظفر بالمكانة المرموقة من يجلس في بيته ولا يستغل مواهبه، لكن الواقع المشاهد يخبرنا بأن بعض الناس يرزق من الأمور ما يمكنه من الوصول إلى المكانة المرموقة.

يقول أبو نواس ينعى حظه:

     فثوبي مثل شعري مثل حظي           سواد في سِواد في سواد 

ويقول أبو الطيب المتنبي:

          ويختلف الرزقان والفعل واحد      إلى أن يرى إحسان هذا لذا ذنبا.

ويقول أخر:

  لو كان بالحيل الغني لوجدتني      بنجوم أفلاك السماء تعلقي

            فإذا سمعت بأن محروما أتى        ماء ليشربه فغاض فصدق

           أو أن محظوظا غدا في كفه         عود فأورق في يديه فحقق.

ويقول ثالث:

      سبحان من قسم الحظو          ظ فلا عتاب ولا ملامة

      أعمى وأعشى ثم ذو           بصر وزرقاء اليمامة

       ومسدد أو جائر              أو حائر يشكو ظلامه.

وعن الحظ يقول الشاعر العباسي الطغرائي:

       أهبت بالحظ لو ناديت مستمعا    والحظ عني بالجهال في شغل

       لعله إن بدا فضلي ونقصهم       لعينه نام عنهم.. أو تنبه لي

       أعلل النفس بالآمال أرقبها       ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

       لم أرتض العيش والأيام مقبلة   فكيف أرضي وقد ولت على عجل

      ما كنت أوثر أن يمتد بي زمني   حتى أري دولة الأوغاد والسفل.

      تقدمني أناس كان شوطهم        وراء خطوي لو أمشي على مهل

     هذا جزاء امرئ أقرانه درجوا     من قبله فتمني فسحة الأجل

     وإن علاني من دوني فلا عجب    لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل.

أو كما يقول الشاعر الأندلسي مرج الكحل (محمد بن إدريس بن علي بن إبراهيم أبو عبد اللّه):

               مثلُ الرزق الذي تطلبُهُ      مثلُ الظلِّ الذي يمشي معكْ

              أَنتَ لا تدركهُ مُتبعاً          فإِذا وليت عنهُ تبعكْ.

ولأن التاريخ لا يلتفت إلى الطبقات الدنيا من الناس، وهي – عادة – فقيرة وتعيسة، فلا يسجل لها قيدا في دفاتر المواليد، وكأين من أناس جاءوا وغادروا كأنهم لم يمروا بهذه الدنيا، لكنهم حين تنجلي الدجية والمهانة الأولي يسجل لهم التاريخ وفياتهم، لذا كثرت في لغة العرب “وفيات الأعيان” وما هو من قبيلها.

ومن العجيب أن يجهل المحيطين مكانة هؤلاء الرجال وربما يجهلونها هم أيضا إلاَّ قليلاً أو يتجاهلونها.    

وفي ديوان الشعر العربي عبر عصوره المختلفة كما في الحياة لمع نجم شعراء وأفل نجم آخرون فسار الأقل حظاً في ركاب أقرانهم الشعراء أصحاب المكانة والحظوة وعاشوا في ظلهم وجوارهم وأكلوا فتات موائدهم وباع البعض منهم شعره إليهم. أو لَم يَرضي البعض منهم بمآل حاله ودبت الغيرة والحسد في قلوبهم فحقدوا على أقرانهم الشعراء ذائعي الصيت والمكانة فحقدوا عليهم وحاربوهم وهجوهم بل وصل الأمر إلى أن فرض البعض منهم – جزية – على الشعراء النجوم حتى يكفوا ألسنتهم عنهم.

وقد صوّر لنا شعر الشعراء المكُدين والشحاذين أحوالهم خير تصوير، فقد كانت حياة المتسول تسير على وتيرة واحدة يتوزعها أمران: تطواف مبكر يستجدي فيه الناس وعودة في المساء حيث يكون التعب قد هدَّ جسده وأنهكه، والسعي في عرف المستجدين أمر مهم رغم الضنى والإجهاد اللذين يصيبان المستجدي، وقد أشاد بفضله كبار زعمائهم وشعرائهم فرئي أنه كتب على عصا ساسان: “الحركة بركة، والتواني هلكة، والكسل مشؤوم، والأمل زاد العجزة، وكلب طائف خير من أسد رابض، ومن لم يحترف لم يعتلف”.

وقد افتخر أبو دلف بتطواف أقرانه وتنقلهم بين أصقاع الأرض، تتقاذفهم البلدان والأمصار، وشاطره في افتخاره الأحنف العكبري فقال:

                قطعنا ذلك النهج         بلا سيف ولا غمد.

وقد وصف متسول آخر خروجه المبكر وهو يرتدي ثيابه المهلهلة، ويحمل أدوات سعيه فقال:

          لقد عدوت خلق الثياب      معلق الزنبيل والجراب

         طبا بدق حلق الأبواب       أسمع ذات الخدر والحجاب.

وقد كان المكدون يستجدون ويشحذون الملابس وفضلات الأطعمة والنقود.

وقد ورد على لسان عاذر بن شاكر أنه كان يتخذ دفتراً يدوّن فيه أسماء من يستجديهم، فقال:

           دفتر فيه أسامي         كل قرم وهمام

          وكريم يظهر البشـ      ر لنا عن السلام

          يوجب النصف عليه      حاتما في كل عام

          أو فلوسا كل شهر        لثلاثين تمام.

وفي تراثنا الأدبي كثير من الشعراء المجيدين الذين لم يتح لهم من الشهرة ما أتيح لغيرهم لأسباب لا علاقة لها بجودة شعرهم أو رداءته بل أن هذه الأسباب لا بد أن تكون متعلقة بأشخاصهم لا بأشعارهم، أو لعلها تتعلق بقلة ما أبدعوه أو قلة ما أشتهر من نتاجهم. عرف هؤلاء بالمكُدّيون.

ومن العجيب الظريف أن يكون ذلك – لعلاقة ما – بين سوء حظ الشاعر واسمه الذي عرف به كأبو الشمقمق وابن الأعمى وعين بصل وحيص بيص والزين كتاكت وابن النطاح وعرقله وأبو الرقعمق والسري الرفاء والجزار وأغلبهم من المكدين المحارفين – المحارف بفتح الراء الفقير الذي ضاقت أمامه سبل الرزق والذي إذا طلب لا يرزق- وكذلك أصحاب الصناعة والحرف الذين أدركتهم حرفة الأدب. وغيرهم كثير.

*عضو اتحاد كتاب مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *