الطائف دهشة الاسم وبهجة المكان

 

عبد الملك الخديدي*

في مساءٍ طائفيٍّ مثير تحركت شجون الشاعر المكي أحمد إبراهيم الغزاوي رحمه الله واستقل ركائب الشعر وقوافيه، فأثارت تلك النسائم الوردية العاطرة الماطرة قريحته بأبياتٍ ناجى فيها معشوقته العروس الباهرة الجمال:

وتهفو بنا النسماتُ حين هبوبها
إلى فرصِ اللذاتِ تحتَ الكواكبِ

بِوِجٍّ وفي وادي العَقِيْقِ ودونِهِ
وفي لِيَّةٍ أو بين قَرْنِ ” الوَهائِبِ”

وفي الوَهَطِ المُخْضَرِّ أو في وُهَيْطِهِ
وفوق الشَّفَا أو في أديم السحائبِ

ولم أنسَ بالمثناة ليلاتِ أنسِنا
وبين الهَدَى أو في جِوارِ الكواكبِ

ولا الجَالُ إذ تجلو كؤوسُ صفائِهِ
كأنَّ بها ما بالثنايا العواذبِ

ولا في شهارٍ والمُلَيساءِ ضحوةٌ
لهونا بها عن طارقاتِ النوائبِ

لقد كنتُ أيم الله أحسبُ أنني
من الأنس في إحدى الجِنان السَّوائبِ

تلك نظرة الشاعر الناطقة بدهشة السحائب وصفاء الكواكب وجنان السوائب، فكم من شاعرٍ مثله تفيأ ظلال عروس المصائف الوارفة وتبادل أطراف القصيد مع ملهمته فطوَّع لها أعذب اللسان وسطر أطيب البيان وتغنى بوديانها وشعابها وثمارها وورودها.
كيف يكون للطائف هذه القدرة العجيبة على امتلاك الأفئدة وكيف تميز منذ القدم بين القرى والحواضر!؟
فكل من زار الطائف من شتى بقاع الأرض من المحبين أو من الرحالة الغربيين الذين كتبوا عنه بدهشة المتأمل يشهدون بأن الطائف المأنوس مختلفٌ تماماً عما عهدوه في رحلاتهم ومواطنهم فهو خليٌّ من البرد القارس ومن الحر الشديد المنفر ، فواكهه عجيبة وحبوبه غريبة وعسله لا مثيل له.
هو الذي يرتقي بارتقاء قامتي الهدا والشفا ويطل ببهائه على سهول تهامة التي تحتضن أم القرى فيرسل لها هدايا الغيم والمطر ونتاج السحاب مما أفاء الله على أوديته وبساتينه من طيبات الرزق ولذائذ الثمار وعبق الورود ونفحات الزهور.
قديماً كان يطوف بسوره الشهير على أفئدة محبيه ويثبُتُ في قلوبهم كثبات جبل غزوان الحاضن لإحدى القريتين ، وبعد السور يطوف بقلوبهم على حاضرةٍ ترفل برداء الغيم والمطر وتتعطر بروح الورد ومذاق الحبق ونكهات الشهد لتثير في عشاقها رغبة المجرور وألحان الجبال وأصوات الرياح حين تداعب أغصان الرمان والخوخ والمشمش وتبشر النحل برحيق العسل في شجيرات السحاء والطبَّاق والضُّرُم لينقله إلى مناحل الشهد.
هو طائفٌ بمتعته يمنح البهجة يرسلها بامتداد بسائطه وأوديته في لِيَّةَ وسَيْسَدَ والقَيْم والحَوِيَّة والعَرْج والوَهَطِ والوُهَيْط ووِج والمثناة ونِخْب وغيرها من تضاريسه الساحرة المجاورة له، يلهم الشعراء في مساجده وآثاره وسدوده وقصوره وحصونه وبساتينه وفي عكاظه، وفي مفاتن الحقول وجريان السيول وعبق الورود وروائح الشيح وقطرات الندى حين تعانق أوراق فواكهه الماتعة ونفحات النسيم المعتدلة بين الزمهرير والقيظ المثير.
هذه الأجواء المطرية الطائفية تداولها الناس على مرِّ التاريخ وكان لها تأثير كبير في ألسنة شعرائه يقول الشاعر الفارس عثمان بن ربيعة الثقفي على سبيل المثال لا الحصر وهو يصف أحد حروبه :
وأبرقَ بارقٌ لما التقينا
وعادت خلَّباً تلك البروق

فكان تأثير البيئة على لسان الفارس يوجهه نحو الجمال مثلما كانت تثير عنترة بن شداد لمعة السيوف وهي تبرق كابتسامة حبيبته.
ولعلنا نقف دهشةً حينما نستمع أو نقرأ تلك الخرافة التي تقول أن الطائف قطعة أرضٍ كبيرةٍ نقلت من الشام إلى الحجاز وهي بلا شك معلومة خرافية لا تدعمها طبيعة جبال السروات الممتدة من اليمن جنوباً إلى شمال الجزيرة العربية عبر سلسلة مدهشة من الجبال الخضراء المتوشحة بأشجار العرعر والطباق والشيح والصوم وتلك المدرجات الزراعية الغنية بالحبوب والثمار، فجبال السروات تعرف بثراء أرضها وخصوبة مزارعها بل أن بعض مواقعها لا يماثلها موقع آخر على وجه البسيطة.
وإذا ما سرت بنا قوافل الشوق بين مدن وقرى السروات ابتداءً من مدينة أبها في عسير ثم النماص والباحة وبني مالك وثقيف وميسان متجهين إلى مدينة الطائف نجد أنها مناطق مدهشة ساحرة الجمال تتميز بتفرد الطبيعة وبالمحاصيل الزراعية التي لا تضاهى مثل الرمان والعنب والخوخ والمشمش والحماط أو التين وكذلك الخضروات المتنوعة ، ومنتج العسل السَّرَوِيّ المشهور الذي كان يعشقه الخلفاء ومن يحيط بهم في الشام والعراق مثل الخليفة سليمان بن عبدالملك الذي طلب عسل الحدابات بالذات، ونجد أن شجيرات العسل الطائفي الشهير لا تختلف عن شجيرات العسل على امتداد جبال السروات والاختلاف فقط في برودة الجو التي تخف في بسائط الطائف وفي شعابه التي تكتنفها الجبال. ولذلك فإن الطائف هو جزءٌ من امتداد جبال سلسلة السروات ورواية نقله من الشام إلى الحجاز والطواف به ثم تم ثبيته في مكانه الحالي فهي خرافة ومعلومة لا قيمة لها وهي ضعفٌ في إدراك ومعرفة من يقول بها ولا تتفق مع جغرافية الحجاز وسلسلة جبال السروات لأن الطائف هو امتداد لطبيعة جميلة خلابة تتميز بها هذه السروات من الجنوب إلى الشمال.
أما التسمية فقد كسبته من سورها ( الطائفِ ) بها ولعلها سميت بذلك لغرابة السور في تلك الحقبة الزمنية في الجزيرة العربية .
ولا يوجد تفسيرٌ أكثر صدقاً وقرباً للواقع من بيت أبي طالبٍ حينما قال لقريش وهم يقاتلون دفاعاً عن البيت الحرام :
حمينا بيتنا من كل شرٍ
كما امتنعت بطائفها ثقيفُ

أتاهم معشرٌ كي يسلبوهم
فحالت دون ذلكم السيوفُ

ولا شك أن هناك أسرارٌ خفيةٌ في أعماق تاريخ هذه المدينة العريقة إذ يوجد فيها جبل جودي أو جودى بلسان آخر وهو من جبال الطائف الشهيرة ، إذ ورد ذكر الطوفان في دراسة علمية للباحث الجزائري الأستاذ محمد ذوق الذي برهن بنصوص توراتية وتاريخية واستنبط أن سفينة نوح عليه السلام رست على جبلٍ قريب من مكة المكرمة ، ولعله يكون ذلك الجبل المسمى جودى في الطائف وهو مبحث قائم يستحق الدراسة والاهتمام.
وفي المجمل قد يسأل زائرٌ على سبيل الخيال وهو يقترب من مسجد الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنه، متى بنيت هذه المدينة العريقة أو القرية كما سمَّاها القرآن الكريم ليرد عليه من واقع آية قرآنية كريمة :
هي ابنة أم القرى تشرُّفاً وليس تعدياً أو أختها الصغرى ورفيقة دربها وانظر العلاقة بينهما تجد تعابير القريتين الحاضرتين على وجه كل من يطوف بهما.
وقد يسأل قادمٌ من مكانٍ بعيد إلى قبة النابغة الذبياني في سوق عكاظ ، أين نُسِج لباس هذه القبة الحمراء؟ ليرد عليه آخر: نُسِج في أحد دكاكين الطائف على بعد فرسخين أو أكثر من هنا ويشير بيده باتجاه وادي وج الشهير، وقد هنا للفرضية المباحة.

إضاءة :
وتطوفُ بي تلك السحابة أينما
أشتاق قالت : هيت لا أتردَّدُ

والطائر النبضيُّ يلهج بالرضا
بين الضلوع لوردها يتودَّدُ

كاتب وشاعر سعودي*

 

One thought on “الطائف دهشة الاسم وبهجة المكان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *