النثيرة بين تذبذب الهوية وأزمة الحضور

إعداد وحوار/ حصة البوحيمد

قصيدة النثر أو ما يُعرف بالنثيرة كونها (تجمع بين النثر والشعر)، هي إحدى الفنون الأدبية، وهي عبارة عن مقطوعة مفتوحة مستقلة لا تلتزم بقافية أو وزن، كلام غير مقفى يعتمد على الصور الشعرية الفنية، والبناء الموسيقي في داخلها، تحتوي الكثير من الإيحاءات، والصور الشعرية لتعوض الانعدام الوزني في قصيدتها، وقد ظهر هذا النوع من القصائد في بدايات القرن العشرين فقد كانت الترجمة الأدبية للنتاج الشعري الغربي محركاً فاعلاً لتعاطي قصيدة النثر ولاسيما أنَّ اللغة العربية تتمتع بقدرة الاحتواء الدلالي لتلك النصوص المترجمة، الأمر الذي يبعث الشعراء على المغامرة مما يجعلهم يحاكون المترجمات للغة شعرية تنفلت من أسر الوزن فضلاً عن التفعيلة التي يلتزم بها الشعر الحر، وقد فرضت قصيدة النثر مصطلحها وشرعيتها وشعريتها في سياق حرب وجدل بين الأشكال الشعرية اختلط فيه حابل المبدع بنابل الناقد حتى انتهت إلى هدنة وتعايش بين الأشكال الشعرية.

وقد اشتهر الشعراء العرب بكتابة مثل هذه القصائد وصدرت أول مجموعة عربية من نوع (الشعر المنثور) عام 1910م, بعنوان (هتاف الأودية) لأمين الريحاني

وحول تباين الأراء ودرجات القبول لهذا النوع المنشق عن صف الشرعية المقننة والتأطير الوزني والمد والجزر لظهوره

 فرقد الإبداعية تفتح باب الحوار حول هذا الفن مع بعض المبدعين والكتاب والنقاد من خلال المحاور التالية:

١عدم وجود الضوابط في قصائد النثر واختلاطها بمفهوم الخواطر أدى إلى تراجع الاعتراف بها أدبياً؛ كيف يعاد لهذا الفن هيبته الأدبية؟

٢المنصات الأدبية مكتظة بمثل هذا النوع من الأدب ولكنها مقلة في التعريف به من حيث أسس الفن وأصول النقد، كيف يتم إعادة النظر في ذلك وتوجيه هذا الأدب لموقعه المأمول؟

               لم أقرأ عن التراجع إلا من خلال آراء متطرفة  

يجيب الشاعرمحمد خضر على طرح فرقد بقوله: قصيدة النثر ذات حضور كبير في المشهد العربي الآن، ولم  أقرأ عن هذا التراجع  ولا عن الخلط بينها وبين فنون أخرى ..إلا ضمن آراء متطرفة أو تقليدية ضد هذا النص، وهي آراء غير مهمة لأنها جاهزة ولديها مطولات محفوظة في رفض هذا النص ومتصادمة بتطرف .. ولاشك أن جزءاً من الإشكالية هي كتابات المتطفلين على هذا الشكل، وأيضا من يستسهلون هذا الفن.
من جهة أخرى لا تزال ذهنية الناقد أو المتلقي التقليدية حاضرة تتساءل عن الضوابط وعن أصولية النقد والأسس الخ من هذه المفردات..
بينما هذا النص نص يتجدد ويجرب مناطق جديدة غير مطروقة ولم تلمس بعد، على الناقد الذي يكتب عنه أن يكتب في نفس هذا الأفق الذي يتساءل ويبتكر بعيداً عن مرجعياته وأدواته الجاهزة، يبحث عن أفق يضيف ويختلف وبعيداً عن التوقع والسائد وبعيداً عن ذهنية الدرس التي توقعنا في كل هذه الإشكاليات.

                     الوزن والقافية قيد لحرية المبدع

ويرى الشاعر الأستاذ محمد الخضري أن:

١- قصيدة النثر هي قطعة نثر غير موزونة وغير مرتبطة بالنسق التقليدي للقصيدة العربية القديمة وتأتي القافية فيها في مناطق مختلفة من الأبيات وأحياناً تكون غير مقفاة، تحمل صورًا ومعاني شاعرية وأغلبها تكون ذات سياق نصي واحد وتأتي إشكالية قصيدة النثر العربية من المصطلح الذي يختلط على الكثيرين بينها وبين الشعر الحر، وفي زعمي أن الشعر الحديث بغض النظر عن مسمياته وتفريعاته يندرج تحت منظومة من القيم الفنية التي تعطي للنص تفسير مفهوم القصيدة إذ أنه ليس بالضرورة أن تكون القصيدة العربية الحديثة منظومة وملتزمة بقافية واحدة ما يقيد حرية المبدع في إنجاز عمل فني يصل إلى ذائقة المتلقى كقطعة موسيقية تشده نغماتها عكس قصيدة النظم التقليدية التي لا تعتمد على الأخيلة والصور الجمالية في اللغة الحديثة والقصيدة الحديثة بدأت الآن تجد المساحة الكافية من الاهتمام وهناك رواد كثر في مجال قصيدة النثر العربية مثل: أدونيس، أنسي الحاج، جبرا إبراهيم جبرا، بول شاوول، سركون بولص، سليم بركات وغيرهم كثر، هؤلاء استطاعوا أن يقدموا قصيدة النثر كعمل فني إبداعي متكامل.

٢- إشكالية القصيدة العربية الحديثة أنها تعاني أستطيع أن أقول سوء فهم من الأكثرية المثقفة ثقافة تقليدية … فهم يرون أنها خروج عن المألوف وكسر للأطر  والقواعد التي بنيت على أساسها قصيدة الشعر التقليدية وحتى الكثيرين يرفضون تعريف قصيدة النثر بأنها نص شعري والبعض يسميها خواطر وهناك فرق شاسع بين من يكتب الخواطر كأي كاتب مبتديء وبين من يملك أدوات اللغة وكيفية تسخيرها لتقديم عمل إبداعي يليق بلغة ووعي العصر.

شخصياً أفضل استخدام مصطلح القصيدة العربية الحديثة عن مصطلح قصيدة النثر أو الشعر الحر أو خلافه من التسميات  لقناعتي أن الشعر هو الشعر والقصيدة هي تلك الساحرة التي تصيبنا بالدهشة كلما أطللنا عليها.

           على قصيدة النثر الابتعاد عن الاستطرادات

ويوجز لنا  د. تركي المغيض من قسم اللغة العربية وآدابها جامعة الكويت عن تاريخ القصيدة بقوله:

 بدأت مسألة “قصيدة النثر” في خريف عام 1957م عندما نشرت مجلة شعر البيروتية في باب ” أخبار وقضايا” ما يأتي:” ولأنس الحاج نتاج شعري من نوع جديد، نشر أنموذجا منه في عدد “الأديب” الأخير وفي صفحة “النهار” الأدبية التي يتولى تحريرها، وهو ينوي محاولة هذا اللون الأدبي الذي يجد راحة في التعبير به عن خلجات نفسه وفكره”نستنتج من ذلك القول غموض مسألة قصيدة النثر” التي سُميت في البداية “نتاجاً شعرياً من نوع جديد” على الرغم من أن أدبنا الحديث عرف عدة مصطلحات قريبة منه، منها: “الشعر المنثور” الذي كان أمين الريحاني أول من استعمله، و“القصيدة المنثورة” التي كان جبران خليل جبران أول من استخدمها، و”الشعر المرسل” و “الشعر المنطلق” و “النثر المركز”  و “النثر المشعور”. ولكن بعد مرور سنتين على نشأة هذا اللون الجديد اهتدى تجمع مجلة شعر إلى المصطلح وهو “قصيدة النثر”.

ويذكر عصام محفوظ أن أدونيس بدأ يكتب هذا اللون الجديد من الكتابة عام 1958م أي بعد أنس الحاج بأشهر، ثم تبعهما في ذلك شوقي أبو شقرة ويوسف الخال وفؤاد رفقة وآخرون. وفي عام 1959م اهتدى أدونيس إلى كتاب “قصيدة النثر من بودلير حتى أيامنا” الذي صدر في فرنسا لمؤلفته الفرنسية سوزان برنار. وبعد صدور هذا الكتاب بأشهر كتب أدونيس مقالة، عنوانها “في قصيدة النثر” نشرت في مجلة شعر عام 1960م. فأدونيس أول من عرّب مصطلح قصيدة النثر واستعمله في اللغة العربية وشرح مفهوم قصيدة النثر ومبررات كتابتها وشروطها مستفيداً من كتاب سوزان برنار باعترافه هو نفسه. وفي العدد نفسه الذي نشر فيه مقالته نشر قصيدة نثر عنوانها “مرثية القرن الأول” فبدت المقالة تقديماً للقصيدة وتبريراً. ولقد لفتت هذه القصيدة انتباه عدد من المحسوبين على تجمع شعر، وكتبوا رسائلاً  إليه يعلقون فيها عليها. وكان في مقدمة هؤلاء: أسعد رزوق ومنير بشور وحليم بركات وجبرا إبراهيم جبرا وبدر شاكرالسياب. وكانت آراؤهم حول هذه القصيدة متفاوتةوفي كانون الأول عام 1960م  صدرت لأنسي الحاج مجموعة من قصائد النثر تحت عنوان “لن”. وقدم أنسي الحاج لمجموعته بمقدمة شبيهة بمقالة أدونيس . وأحيطت مجموعة “لن” بضجة واسعة معها وضدها، وكثرت حولها الكتابات المشجعة في جريدة النهار وفي مجلة شعر نفسها. وبدأت منذ ذلك الحين حملة دعائية واسعة لقصيدة النثر هدفها تزكيتها وتعزيز شرعيتها، والتحفيز على كتابتها. وتأسيساً على ما سبق يجب أن نفهم أن قصيدة النثر بدأت باجتهادات فردية تنبع من قناعات شخصية ومرجعيات ثقافية متعددة؛ لهذا لا بد من الرجوع إلى كتابات الرواد الأوائل في قصيدة النثر والالتزام بالشروط والخصائص التي كتبها أولئك الرواد حول قصيدة النثر وضوابطها وشروطها. كما أنه لا بد من معرفة تاريخ نشأة قصيدة النثر والرجوع إلى كتابات منظري قصيدة النثر لإعادة هيبة هذا الفن الشعري الذي أصبح مصطلحاً يمتلك شرعية الاستعمال والتداول. وقد استقر هذا المصطلح ولم يعد أحد يناقش في شرعيته واستعماله. كما يجب على المنصات الأدبية الاطلاع على أسس كتابة هذا الفن وأصوله، وعلى الشعراء والنقاد الانطلاق من أسس كتابة قصيدة النثر وقواعدها التي وضعها الرواد الأوائل بحيث تكون هذه الأسس تغذية راجعة لهم، والمعروف أنّ قصييدة النثر ليست موزونة بخلاف قصيدة التفعيلة، ولهذا اعتمدت قصيدة النثر على التنوع في الجمل حسب التجربة من مثل الجملة النافرة المتضادة والجملة المفاجئة للحلم والرؤيا والجملة الموجبة للألم والفرح والمشاعر الكثيفة والجملة الغنائية، وهذا يخلق حسب رأي أدونيس إيقاعا جديداً لا يعتمد على أصول الإيقاع في قصيدة التفعيلة، وهو إيقاع متنوع يتجلى في التوازي والتكرار والنبرة والصوت وحروف المد وتزاوج الحروف وغيرها. فحين تخلى شعراء قصيدة النثر عن الوزن والقافية قدموا بديلاً عنه هو “الإيقاع الداخلي”. فالوحدة العضوية ووحدة الجملة والإيقاع قواعد بنائية أساسية في قصيدة النثر، وهناك قواعد أخرى يتحدث عنها كتاب “قصيدة النثر” لسوزان برنار، قواعد يسميها أدونيس “خصائص” ويسميها أنسي الحاج “شروطاً”. وهذه القواعد مقتبسة من كتاب سوزان برنار الذي حددها بثلاث هي:

١- الإيجاز (الكثافة)

٢- التوهج (الإشراق)

٣- المجانية (اللازمنية)

فيجب إذن على قصيدة النثر الابتعاد عن الاستطرادات وكل ما يقودها إلى النثرية الأخرى، فقوتها الشعرية كامنة في تركيبها الإشراقي لا في استطراداتها، ذلك أن قصيدة النثر ليست وصفاً بل هي تأليف من عناصر الواقع المادي والفكري، كما أنها تعرض نفسها ككتلة لا زمنية

وفي ضوء ما تقدم ينبغي على الشعراء وبخاصة الشباب منهم الذين يكتبون قصيدة النثر الاستئناس بتلك القواعد والضوابط التي حددها الرواد الأوائل لقصيدة النثر.  كما يجب على المنصات الأدبية التي تناقش قضايا قصيدة النثر التعريف بها وبنشأتها وبقواعد كتابتها؛ لتصبح قصيدة النثر أكثر فاعلية وقيمة أدبية وفنية وأكثر خيالاً وصوراً مجازية مما هي عليه الآن. كما ينبغي ألا يخفى على أحد بأنه ليس في الشعر ما هو نهائي، فالشعر يخضع لتجربة الشاعر الشعورية، فمن المستحيل إذن وضع قواعد وضوابط تحدد للشاعر المواصفات والمقاييس التي تؤطر كتابة قصيدة النثر وتلزم الشاعر باتباعها. ولكنه يمكن للشاعر الاطلاع على نتاج الرواد وتنظيراتهم والاستئناس بها، مع الانفتاح على التجديد والتنوير الشعري المنسجم مع رحابة الفنون وتطورها وتموجات الثقافة والمعرفة في عصرنا الراهن.

               قصيدة النثر لون باهت بين لونين واضحين 

وتبرر عضو هيئة التدريس بقسم اللغة العربية بجامعة جازان د. علا سعد من مصر عدم قناعتها بنثرية المنظوم بقولها:

الشعر الحر وشعر التفعيلة مصطلحات استحدثت في عالم الشعر العربي أواخر القرن التاسع عشر ولعل أقدم نص لهذا اللون الشعري كتبه توفيق فياض بعنوان: “رفيف الأقحوان” عام ١٨٩٢ ثم عاود هذا الشعر الظهور على فترات متقطعة حتى اشتد عوده على يد مجموعة من الشعراء كان منطلقهم التحرر من قيود القافية فظهر شعر التفعيلة الذي ظل منساقاً للتفعيلات الخليلية يراعي الجانب الموسيقي للشعر الذي يجعله مؤثراً بنغمه في نفس المتلقي ومحركاً لقلبه آخذا له كل مسلك، ثم ارتفع سقف التمرد على قواعد الشعر العربي حتى أزاح التفعيلة وبدأ في نثر المنظوم وظهرت قصيدة النثر كلون باهت بين لونين واضحين فأصبح على شفير الأدب لا هو ذلك الشعر الذي تطرب له الأذن ويرف له القلب ولا هو ذاك النثر بجزالته وتناسق موضوعاته، نافس في ذلك الخاطرة ولَم يتجانسا وبقي لون لا يقره النقاد إلا على استحياء أو تعالٍ واندفاع نحو مسميات الحداثة ولا استطاعت الذائقة العربية في التلقي استساغته كشعر بل بقي تعبيرات هائمة تحط على أبواب التداعي النفسي واستظهار التجربة الذاتية وكل مانخشاه أن تتدنى الذائقة اللغوية لدى المتلقي العربي فلا تستطيع التمييز وتنساق في مسارات القبول فيصبح الشعر نثراً والنثر نثراً وتتوه الهوية الفنية للشعر العربي، ولذلك يتوجب على النقاد ضبط الحدود الفاصلة بين المنظوم والمنثور وإحياء روح الشعر العربي وليس التقعيد لانفتاح الشعر على النثر.

            عقد ورش وندوات للتعريف بقصيدة النثر

ويرى الكاتب والشاعر والروائي والناقد/  الأستاذ عبده الأسمري:
أن هنالك إشكالية كبرى تتعلق باختلاط المفهوم فيما يخص تحديد هوية “القصائد” النثرية  والخواطر “المنثورة” في ظل وجود “متشابهات” ظلت طويلاً في حيز “الاختلاف” التقييمي من قبل النقاد والأدباء والملمين بأسس هذين الفنين الأدبيين.
لذا ظل الاختلاط والتداخل والتشابك عنواناً للقصائد النثرية حتى أن العديد من كتاب الخواطر باتوا يصفون خواطرهم بأنها “قصائد الأمر الذي أدى إلى تراجع الاعتراف بها لوجود هذا الخلل الأدبي في فصل القصيدة عن الخاطرة، ودخول “الشعر الحر” الناشىء “قليل الجودة” على خط “الاشتباه” ليكون الأمر في متاهة ثلاثية.
فالخاطرة كلام وعبارات مسترسلة تعتمد على التواصل اللفظي المستمر وتكون مسرودة وفيها وجهة نظر الكاتب أو أسلوبه الأدبي في سرد يعتمد على لغة الشعور والحس والتجريب، فيما أن قصيدة النثر كلمات مختزلة بشكل أدبي رفيع تقف عباراتها عند نقطة لتبدأ من نقطة متعلقة بسابقتها معتمدة على الأسلوب الشعري في الكتابة والوصف مشفوعة بمفردات مترابطة ومختصرة ومنتصرة في هيئة نص يميل ويأخذ صبغة الأداء الشعري والطريقة القصائدية في الإنتاج منتيهاً بخاتمة احترافية تعطي النص مبتدأه وخبره في جمل متناسقة توحي للمتلقي والناقد وجودها في إطارات “شعرية محضة” بعيداً عن الخاطرة المفتوحة التي تفتح الأبواب في عبارات وصفحات متكدسة ومتتالية في وصف شخصي وسرد متواصل.
وكي نعيد لهذا الفن هيبته يجب أن تعقد ورش عمل وندوات ثقافية متخصصة ودورات للتعريف بقصيدة النثر وأسسها وأصولها ومعاييرها ومؤشرات جودتها ودلائل احترافيتها وأن تعقد ورش مماثلة أيضا ترصد التفريق بين الخاطرة والقصيدة ويقوم على المشاركة فيها نقاد وأدباء منتمين إلى الفنين الأدبيين حتى ترتفع مستويات التثقيف والمعرفة بذلك وعلى دور النشر التي وقعت بعضها في أخطاء من خلال تسميتها لكتب خواطر نثرية بأنها شعر وأنها قصائد نثرية دون وجود تحكيم يوجه المحتويات الأدبية إلى مسارها الصحيح أن تنتبه لما يردها من إنتاج وأن يكون هنالك مهنية ومعايير في الانتقاء والتسمية وفق أصول كل فن.

وعلى المنصات الثقافية أن تستقطب المهتمين بقصائد النثر لتسليط الضوء على العوائق التي يعانيها هذا الفن وكيف تعاد له هيبته والخروج بتوصيات في هذا الجانب. والمسؤولية أيضا تقع على عاتق أقسام اللغة العربية بالجامعات التي يجب أن تهتم بعقد محاضرات في هذا الجانب وأيضا التوصية بعمل دراسات أدبية مستقبلية حول ذلك، وأن يتم تحديد هوية النصوص المطروحة في الأمسيات وتوجيهها باحترافية في مسارات القصيدة النثرية والخاطرة والشعر الحر كلاً وفق شروطه واكتمال معاييره وأدواته.

        الافتقار إلى الخيال الفلسفي  من دواعي التراجع 

وتقرأ الشاعرة/فاطمة عباس حاضر القصيدة كما تراه وأسبابه بقولها:
من وجهة نظري في النقطة الأولى
أرى أن السبب الرئيسي في هذا التراجع الذي أشرتم إليه والمشهود بالفعل هو: الافتقار إلى الخيال الفلسفي والعمق الفكري عند البعض مما يجعلهم يسردون أفكارا سطحية ملتمسين أشياء واقعية والاعتماد على ما يجوب في الخاطر ما يجعل ذلك أقرب ما يكون إلى الخاطرة.
وبذلك لامست شريحة أكبر من المجتمع كونها بسيطة ولها موسيقاها التي تطرب الآذان و تستند على واقع ملموس لديهم فأصبحت أكثر شيوعاً فزحفت على القصيدة النثرية وأخذت مسماها
بينما القصيدة النثرية تعتبر فن إبداعي فريد،  وورد كلام يغوص خارج البحور،
فهو بوح غير قابل للتقليد، يُقتد من نسج الخيال
لا تضبطه قيود، ولا توقفه المسافات، ولا تتسع له أرجاء، 

القصيدة النثرية قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية، موحّدة، مضغوطة، كقطعة من بلّور، خلق حراً  ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجاً عن كلّ تحديد، وشيء مضطرب، إيحاءاته لا نهائية”

أما بالنسبة للنقطة الثانية فيما يخص إعادة النظر وتوجيه هذا الأدب إلى مساره المعهود أو المأمول، أتمنى من كل المنابر الثقافية والصروح الإبداعية المهتمة بموروثنا الأدبي والتاريخي؛
١-إتاحة مجالات تحفيزية وتشجيعية كالمسابقات مثلاً والتي من شأنها جذب أكبر عدد من المشاركين.

٢- إقامة فعاليات دورية، والترويج لها بكل الوسائل المتاحة، فالعالم أصبح قرية صغيرة يمكننا قطعه من أقصاه إلى أدناه ببضع ثوانٍ.
٣- والأهم* فتح قنوات تواصل مُيسَّرة بينها وبين مبدعين حقيقيين تحترق في أعماقهم كنوز ثمينة وتتلاشى عند أول طريق مسدود لإيصال صوتهم.
ومن خلال المطالبة المستمرة بالوقوف ضد منتحلي صفة الشاعر وأناقة الشعراء من خلالكم أنتم أيها السادة العاشقين للشعر والمحبين والمتذوقين للمفردات البليغه.

               الإيجاز والتوهج والمجانية يعيد للقصيدة أوجها 

ويرى عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين الشاعر علي وهبي دهيني من لبنان:

قصيدة النثر هي قطعة نثر، غير موزونة وتأتي القافية فيها في مناطق مختلفة من الأبيات وأحياناً تكون غير مقفاة، تحمل صورًا ومعاني شاعرية وأغلبها تكون ذات موضوع واحد.

الكثير من الشّعراء اتجهوا إلى قصيدة النثر ولكن ضمن شروطها التي تجعلها في مصافي الأنواع الشعرية المبتكرة التي تحافظ على أصالة الشعر العربي وفي الوقت نفسه على حداثة القصيدة العربية. يقول الشاعر اللبناني أنسي الحاج -أحد أهم شعراء قصيدة النثر العربية إن لم يكن أهمهم- عن شروط قصيدة النثر: “لتكون قصيدة النثر قصيدة حقاً لا قطعة نثر فنية، أو محملة بالشعر، شروط ثلاثة: الايجاز والتوهج والمجانية”
ولكن للأسف يتجه الكثيرون إلى كتابة القصيدة النثرية وقد جرّدوها من شروطها التي تؤهلها لتكون فنًّا مبتكرًا وخلّاقًا، وهذا التّحرر من شروط القصيدة النثرية يؤدي بها إلى التهلكة، ويوقعها في شباك الخاطرة، حيث تبدو القصيدة النثرية أشبه بالخاطرة التي لا تلتزم بشروطٍ معيّنة، هذا الخلط أدّى إلى تراجع الاعتراف بالقصيدة النثرية كفنٍّ أدبيٍّ قائمٍ بحدّ ذاته.

ولإنقاذ هذا الفن الأدبي من السّقوط، وجب أن نعود إلى الشروط التي قامت عليها القصيدة النثرية والتي تحدث عنها كثيرون كالشاعر أدونيس، وأنسي الحاج وغيرهم، فقط حين تتقولب القصيدة النثرية ضمن شروطها، نكون قد رفعناها من هوّة السقوط.
فالإيجاز والتوهج والمجانية هذه الشروط من شأنها أن تعيد للقصيدة النثرية أوجها.
كما وتتبنى الكثير من المنابر، هذا النوع من القصائد، ولا توجّه الجمهور إلى هذا النوع الأدبي الذي كدنا نخسره إن لم نحافظ عليه ونسلط الضوء على شروطه وحيثياته، لذا فإن منتدياتنا الشعرية يمكنها أن تلعب دورًا موجّهاً ومحافظًا على هذا النوع الأدبي من خلال إجراء ندوات شعرية تشرح هذا النوع الأدبي وتبين أهم شروطه، وتضع الكثير من القصائد المقدمة، بين أيدي نقاد ضليعين في مفهوم القصيدة النثرية. 

One thought on “النثيرة بين تذبذب الهوية وأزمة الحضور

  1. النثر شكلاً من أشكال البلاغة ، لن يعيش في جلباب أبيه الشعر ولن يبقى حبيس المشاعر ، بل سيكون شكلاً فريدًا من نوعه وفرعًا أخر من فروع الأدب ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *