عمر حمد: حبّي للبيئة التّهامية، جعلني شغوفاً بتراثها اللّغوي، والشّعبي.

 

 

 

 

حوار/ عائشة محمد عسيري 

أُطلق عليه لقب (التهامي الفصيح) من متابعيه، ومحبيه. يقول عن نفسه بأنه ذو قلم، قلبه الدواة، ومداده الدّم.
جمع بين الأدب، واللغة العربية الفصيحة، وبين إرثه التّهامي العريق؛ فخرج لنا بشخصية ميّزته عن غيره، حتى لكأنه سفير اللهجة التهامية، خارج محيطها المكاني.

وقبل أن نتبحّر في حوارنا مع ضيفنا الكريم لهذا العدد، نقدم لكم نبذةً موجزةً عن حياته:

ولد عام/ ١٣٩٩ هجري، خريج جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية/ قسم دعوة وإعلام.
باحث في مرحلة الماجستير، بجامعة الملك خالد قسم/ الدعوة وأصول الدين.
عاش سنين طفولته الأولى في مسقط رأسه (مدينة محايل)، ثم انتقل مع والديه للعيش في نجد، وتحديدا مدينة(الخرج)، حيث كان يعمل والده، وبقي هناك لسنوات، حتى قرّر الذهاب لمدينة (أبها) للعمل، ثم عاد لمسقط رأسه مدينة (محايل) للاستقرار بها. محب للغة العربية وآدابها وفنونها. مهتم بالتراث الشعبي في منطقة (تهامة عسير) بشكلٍ خاص.

 

 

* شغفي باللغة العربية الفصحى بدأ مبكراً، ولمعلميَّ دور كبير في ذلك. 

فرقد: حدّثنا عن بداية شغفك باللغة العربية الفصحى، وكيف خطرت لك فكرة مزجها بالأمثال الشعبية، والقصص التراثية في تهامة عسير؟  

عمر حمد: أهلا بالأستاذة عائشة، وسعيد جدا بهذا اللقاء الصحفي المقروء، وأتمنى أن يكون ذا نفع، وفائدة لأحبابنا القراء الأعزاء، ذوي الفكر والأدب، وأن يغفروا الزّلات، والهفوات؛ التي هي حتما ستكون، ويتجاوزها أهل الفضل، وبيضُ القلوب.
سألتني عن شغفي بالفصحى، هو في الحقيقة حب، وشغف بها مذ كنت طالبا بالصفوف الأولى، والابتدائية، ثم بالمتوسطة، والثانوية، و سقى ذلك الشغف معلمويَ الأفاضل، وساعدوني لتنمية هذا الشغف، فبعضهم كان يلحظ اهتمامي، فيشجعني، ويدفعني لإظهار موهبتي، وأن لا أخجل من ذلك.
وكانوا يتغاضون عن الأخطاء، واللحن الواضح، بُغية ألاَّ أتوقف، وهو ما كان فعلا، ولا أنسى لهم هذا الفضل.
واستمر هذا الشغف إلى أن ترجلت عن الكرسي بحثا عن عمل، وابتعدت كثيرا عن التّحصيل، والصقل، ولكني في كل مرة، أقف أمام نص أدبي جميل، أشعر بشيءٍ من الحنين، والحماس، لقراءة هذا النص، والاستمتاع بتذوق معانيه، والرّقص على سطوره مع الكلمات.

 

 

* الاغتراب عن مسقط رأسي، ولّد لديّ الحنين لكل ماهو تهامي. 

فرقد: ذكرت في سيرتك الذاتية، بأنك عشت الشطر الأول من حياتك في منطقة نجد. هل تعتقد أن الاغتراب عن ديار الأباء، والأجداد، زرع في نفسك الشغف -لاحقاً- بكل ما هو تهامي؟

عمر حمد: هو كذلك فعلا، ففي غربتي مع والداي، كنت محروما من ملاصقة الأجداد، والنظر، والتأمل في طباعهم، والاستماع لحديثهم، ولهجتهم المميزة، ومن العيش في بيئتهم؛ التي كانت تمتاز بالبساطة، وبالتماحك مع الطبيعة.
تلك البيئة الجميلة، المفعمة بالصفاء، والخضرة، والماء. بيئة الفلاحين، والمزارعين؛ الذين اَفتخر كثيرا، بأنّي من نسلهم، وأستلهم منهم طباعهم؛ التي تجري بدمي.
هذا الحرمان، جعلني في كل مرّة أزور موطني الصغير، ومسقط رأسي(محايل عسير)، آتي إليه فرحا، مستبشرا، وأخرج منه باكيا، مكتظا بأمنيات العودة، وأقتات الحنين في بُعدي.
كنت أشعر أنني مع كل زيارة، لم أرتوِ بعد، ولم أبلغ الشِبع. كنت أودّعهم بدمع العين، واَلتقيهم بها كذلك حين معاد.
حُبي لتلك البيئة، وأولئك القوم، جعلني أكثر اهتماما بهم، وملاصقة لهم عندما تتاح لي الفرصة.
وأخيرا عند عودتي من الغربة، وقبل أن أفرغ حقائبي وأعلن الاستقرار؛ وجدتني أكفّر عن ذلك البعد،  بأن أنقل هذه الثقافة بطريقتي الخاصة، وأسلوبي الخاص للعالم أجمع، وأريهم ما أرى، وأحاول أن ألفت انتباههم لهذا الجمال؛ الذي أراه وأشعر به، واَستغرب السكوت عنه وتجاهله.
فكانت محاولاتي هذه؛ التي وصلت إليكم، وبحبكة ممزوجة بالحب، ولغة محببة، بسيطة، مفهومة، تعمدت بها الابتعاد عن نخبوية الطرح والحديث.
فالمستهدفة، هي القلوب؛ التي حُببت لها العفوية والبساطة، والتي تنفر من التقعر والتفيْقه، و أحاول أن أجعل قلبي يتحدّث، ويصف، وينقل ما يشعر به، ليصل سائغاً، مُستلذاً للسامعين، والمشاهدين.
وأكثر شيء حببني بفعلي هذا، هو أنني أجد حلاوة لا تقاوم؛ حين استشعر أن الكثير ممن يصلهم حديثي، يؤيّدونني فيما أطرح، ويطربني كثيرا تفاعلهم الجميل،
ولعل السرّ، أن لكل واحد منا حنين بداخله للماضي الجميل، ولزمن الأجداد، و تغذيه وتُسَّعره مثل هذه الحكايات، والأطروحات الخفيفة . 

 

 

*تأثرت بكبار السن من أقاربي ومعارفي، في الشغف باللهجة التهامية، وتراثها الجميل.

فرقد: هل هناك شخص سواءً من كبار السن في عائلتك، أو غير ذلك، أو كتاب معينٌ حبّبك في الموروث اللغوي، والشعبي في منطقة تهامة عسير، وكان سبباً في تعمقك فيه بالبحث، والاطلاع؟ 

عمر حمد: نعم، هم كُثر، أحبابي، وأقاربي، وأجدادي لا استطيع عدهم، وأجدهم في كل جانب جميل في هذه الحياة. أجدهم واقعا ملموسا، وخيالا، وطيفا، بعد غيابهم. عندما اَستذكر أحاديثهم العطرة، وضحكاتهم الحلوة؛ التي طاب لي معها السمر، تحت ضوء المصابيح، أو بأوقات المقيل، بأطراف الأودية، وتحت أشجار السّدر بتهامة الحبيبة، وفي سويعات الأصيل.
في كل مرة، تخرج من أفواههم الطاهرة حكمة، أو مثلا أو قصة عابرة، كنت أدوّنها بقلبي، وأركنها بالذاكرة، وأتفحّصها بين الحين، والآخر، وأشبعها تأملا، وتقليبا؛ لاَستخرج مواطن الجمال بها، وخلاصة التجارب، ثم إذا فرغت منها خَرَجْتُ بعدة فوائد، و قراءات، فأمررها عبر منصة التواصل (تويتر)، لمحبي الموروث اللغوي الشعبي، وأشاركهم لذة التأمل، ولذة الانتقاء، وأطايب الحديث عن (الأولين).
أما الكتب، فقليلة تلك التي تناقش موضوعا؛ كالذي أهتم به، خاصة بالتدوين، والكتابة عن هذا الموطن؛ الذي أعشقه ( تهامة عسير )، وعن التاريخ الاجتماعي لها، ولسانيات هذا المكان المبارك. 

 

 

* البساطة وعدم التكلّف، جذبت المتابعين لطرحي. 

فرقد: نعرف بأن لكل منطقة لهجتها الخاصة، ولكنك استطعت جذب متابعين لك، ومتفاعلين معك من كافة المناطق، وبمختلف اللهجات. كيف تفسّر ذلك ؟ 

عمر حمد: السّبب يعود إلى  البساطة، والاختصار، وعدم التكلف؛ الذي جعلته سياسةً لطرحي الأدبي، وكذا شغف الناس المحبّين للماضي الجميل، وأننا نتقارب مهما تعددت مواطننا في الجزيرة العربية. نتقارب في كثير من الطباع، والكلمات واللهجات، ومشربنا واحد، فلكل مثلٍ، أو حكايةٍ، أو مرويةٍ شعبيةٍ، هناك أخرى مشابهة لها، وبلهجة قريبةً كانت أو بعيدةً، لكن المعنى واحد، وإن اختلف السند والمتن.

 

 

* الطريق كان صعباً في بدايته، ولكني اَستشرف الوصول.

فرقد: في بداياتك هل واجهتك عوائق، ماهي، وكيف تجاوزتها إن وجدت؟ 

عمر حمد: في الحقيقة، لم يكن الطريق ممهدا أبداً، ولا مُضاءً، أو مرصوفا، بل تحفّه الكثير، والكثير من العقبات. ولا أخالني وصلت بعد، ولكنني أرجو أن أكون سلكت الطريق الصحيح، بالوسيلة والطريقة الصحيحة، وأن الهدف الجميل، والغاية النبيلة باقية، وهي ربط الماضي بالحاضر.
أما المعوقات؛ فهي الظهور الإعلامي المرئي على مواقع التواصل، بشكل لبق، ولطيف، والمنافسة بطرح هادف، في زمن الأطروحات اللاهادفة، وفي زمن قلت فيه جدية الطرح، والفائدة، وميل الشباب لذلك التهريج، وآنفهم من المفيد. لذلك فالتحدي كان صعبا جدا، والمطلوب هو أن تنجح في جعل المشاهد ينصت لك حين تتحدث، أو تظهر بمقطع فيديو، وأن تجعله يستمع إليك، حتى تنتهي من مادتك قبل أن ينصرف عنك، أو قبل أن يخطفه عابث، أو مهرج بلا هدفٍ في موقعٍ آخر.
كذلك أن تجعل لمادتك صدىً، وتفاعلاً، ورنيناً يبقى في أركان ذاكرته، وعقله فترة من الزمن.
كان ذلك -والله- صعبا جدا جدا، ولكن -الحمد للّه- استطعت نوعا ما، أن أفوز ببعض المشاهدات، والتفاعل، ورجع الصدى، وقيل لي من الأحباب والمتابعين بأن بعض ما قلته، انتقل بعد التأمل إلى سلوك سوي، متزن، مفعم بالأصالة لديهم، فسرني ذلك كثيراً والله، وشعرت بأنني استشرفت الوصول للهدف، وبدأت تلوح لي الغاية.

 

 

* يسرني أن أجد من يسلك طريقي.

فرقد: نرى أن هناك من بات يحذو حذوك فيما تطرحه. هل ترى أنك بتَّ قدوةً، أو مدرسةً لهؤلاء؟  

عمر حمد: يا حبذا لو يكون هناك من يحمل معي هذا الهم، ويسلك الطريق بأي وسيلة شاء فـوالله إنه المنى، أن نعود سوياً لأصلنا الطيب، ونستحضر، وننقل تلك القيم الجميلة؛ التي بتنا نفتقدها مع التمدّن، والزحف السريع للعمران، والحوائط؛ التي بدأت بفصل الناس عن بعضهم، وصاروا في عزلة حتى عن  ذواتهم،
وأوشكوا أن يقطعوا الصّلة بأخلاقهم وأصالتهم، كما كان لهذه التقنيات؛ التي تطير بنا شرقا وغربا، دورٌ سلبيٌ أحياناً، إذ توشك أن تبعدنا عن هويتنا، أو تنسينا ما كنا به من طباعٍ، وإنسانيةٍ أصيلةٍ في زمن الأجداد.
أما كوني قدوةً، فمن ادّعى ذلك لنفسه، فقد حمّلها حملا ثقيلا، قد لا يستطيع حمله، وقد يأنف النقد والتغيير والتعديل، وقد يشعر بالاستعلاء؛ الذي يحرمه لذة التحول، والتصحيح.
ولا أراني قدوة، كما كان سؤالك، إنما أنا واحد من محبّي التراث، الذين يقدمونه للجيل الحالي بقالبٍ جاذبٍ، ويحاولون ربط الحاضر بالماضي، ومحاولة تسليط الضوء على منظومة القيم، والشيم الأصيلة القديمة، واستحضارها في هذا الزمن المزدحم بعاداتٍ غريبة، لا تليق بنا كعرب، ولا كمسلمين، وسببها واضح؛ وهو التأثر بالانفتاح المعلوماتي والتقني، والعزلة أيضا عن الآباء والأجداد والابتعاد عن مجالسهم، ومنتدياتهم الفعلية، والانصراف لمنتديات ومجالس افتراضية، قد تكون مشبوهة الطرح، أو ساذجة لدرجة الإسفاف.

 

 

*اَعتز بلهجتي، ولمن يخجل منها مبرراته. 

فرقد : بعض الشباب يخجل من التّحدّث بلهجته الخاصة مع من لا يعرفها، ويتنكر للهجته الحقيقية، لكنك كسرت هذا الحاجز وبطريقة إبداعية. كيف نجحت في ذلك؟  

عمر حمد: اعتزازي بلهجتي الأصلية، وبموطني الصّغير، وبانتمائي، جعلني أتجاوز كل خجل. وسبب الخجل، قد يكون مبررا للبعض، خاصة عندما يعلم الشخص، بأنه محط تهكّم، أو تنمّر من شخص غير سوي الأخلاق، فينأى بنفسه عن التحدّث بلهجته الصّرفة درءً لذلك.
لكن مهما يكون، فاعتزاز الإنسان بأصله، ومنشأه، قد يجعله يتجاوز هذا الخجل، وذلك عندما يكون موقنا بأن لكل منطقة في وطننا الغالي لهجة خاصة، يعتز بها أهل تلك المنطقة، ويقبلها بكل حبّ أهل المناطق الأخرى من الأسوياء، وذوي الأخلاق، والمواطنة العالية.
وهناك أيضا سبب قد يخفى على الكثير، وهو أن اللهجات الجنوبية بالذات، كانت -وللأسف-  تطرح في الإعلام الشّعبي، والمسلسلات في فترة من الزمن من باب التفكّه، والإضحاك فقط. فأحدثت تلك الأخطاء خجلا كبيرا، ونفورا من أبناء المنطقة الجنوبية، ومنعتهم من التحدث بلهجاتهم، بل أصبح البعض منهم يتنكّر لها، ويتلسَّن بلهجة غيره، كي لا يقع في موقع تفكه، وتنمّر الآخرين .
أيضا هناك لهجة بيضاء؛ هي الدارجة في الأطروحات الإعلامية مؤخرا، بدأت تغزو الألسن، والحناجر، وتدفن لهجات الماضي القريب، وصار من أبناء البيئات القروية والريفية من لا يحسن الحديث بلهجة بيئته، فكيف بمن هو بعيد أصلا عن الموطن والقرية.
ولهؤلاء أقول: الاعتزاز بلهجتك، وبموطنك، وأصلك، سيجعلك تتجاوز كل هذه الإشكالات والعقبات، وتتحدث بكل فخر، وتجعل من يستمع إليك يتلذذ بحديثك. بل ويقلدك، ويتحدث بلهجتك إعجابا بها وبك.

 

 

* رغم إيماني بما أقدّم، لم أتوقع أنه سيحظى بكل هذا القبول. 

فرقد: هل كنت تتوقع يوماً أنك ستحقق كل هذا النجاح، وأنك ستصبح أحد نجوم وسائل التّواصل الاجتماعي من خلال ماكنت تقدّمه لمتابعيك؟ 

عمر حمد: كنت أسعى أن أوصل صوتي، وافتخاري واعتزازي بموطني، وأصلي التهامي، وكنت مؤمنا بأن لدي ما أقوله، وأنه يستحق الاستماع، وكنت أعلم بأن الساحة متعطشة جدا لمن يعيدها للوراء قليلا، ويكبح جماع التّسارع نحو المجهول، ونحو الأمواج المتلاطمة، من المنقولات، والمرئيات من العالم الغربي والشرقي، الذي يكاد يفصمنا عن تراثنا الشعبي.
لكن لم أكن متأكدا تماما، بأنني سأجد كل هذا الاحتفاء والتشجيع، والالتفاف والتأييد، وحصل بتوفيق الله ما كنت آمله، وأرجوه، وأسعدني ذلك جدا، وشجعني لتقديم المزيد، وأرجو أن أكون قد قدمت ما هو مفيد فعلا، وحقيقي، بعيداً عن المبالغة، يلامس القلوب والعواطف والعقول، ويستحق التأمل والمشاهدة . 

 

 

* لا أسعى للشهرة، و يسعدني تفاعل الناس مع ما أقدمه.

فرقد: أستاذ عمر -بصراحة- هل تهمك الشهرة؟ وكيف ترى تأثيرها على حياتك العامة والخاصة؟ 

عمر حمد: لا تهمني الشهرة كثيرا، لكن لا أخفيك والقراء الكرام، أنني في الحقيقة أجد لذةً بالتفاعل، ومشاركة الناس لما أطرح في مواقع التواصل، وأجد سعادةً حين أجدني حرّكت راكداً بدواخلهم، وبعثرت رفوف ذاكرتهم، وأشعلت الحنين بصدورهم للماضي..
أما الشهرة والبحث عن مشاهدات، أو مردوديات مادية، أو استغلال لعقول الناس وأموالهم، فهذا الشيء لم يتطرق له عقلي يوما، ويعرف ذلك الملاصقون لي، ومن هم بالقرب، وهو ملحوظ من خلال ما أطرح، ومن خلال المناسبات؛ التي أظهر بها. فإنني أتجنب استغلال المتابعين، والمحبين، وترويج سلعة لهم، أو خطف ما في جيوبهم، رغم أنه حق مشروع، محفوظ لكل مُعلن، أو من يرغب بأن يستغل تواجد الأعين، ويعرض منتجا ما؛ لكن عمر حمد لم يخض هذه التجربة أبدا، ولا يرغب فيها. الهدف أسمى من كل ذلك بالنسبة لي، وشهرتي؛ التي اكتسبتها من خلال ما أطرح بالطبع لها تأثير، فكل مشهور مُشاهد، أو مرئي، وبات شكله، وصورته مألوفة، و لا تنكره الأعين، يجد نفسه محاطاً بالنظرات، والكاميرات في كل مكان يذهب إليه، وكلما كانت شهرتك أوسع، اقتُحمت خصوصيتك في أماكن تتمنى بأن لا يعرفك بها أحد، ولكنها الضريبة، لكن الحمد لله غالب أحبابي، وجمهور المتابعين، والمتداولين لاطروحاتي المرئية، والفديوهات القصيرة غالبهم من الفئة الراشدة ومن ( الطيّبين ) أسعد الله قلوبهم أينما كانوا، فلا يأت منهم أذى، وأسعد كثيرا والله بلقاءاتهم العابرة، وضحكاتهم الحلوة في كل مكان اَلتقيهم فيه. 

 

 

* اَنتظر تجميع مادةٍ دسمة، لأحوّل ما قدمته مرئيا، على هيئة كتاب. 

فرقد: ألا تفكر مستقبلاً  في جمع ما نشرته من أمثال، وقصصٍ شعبيةٍ مشروحةً بالفصحى، في كتابٍ يوثقها، ويحفظها للأجيال القادمة؟ 

عمر حمد: نعم أفكّر بذلك، وبشكل جدي، لكني أنتظر فقط بأن تتكون لدي المادة الدسمة؛ والتي تستحق العكف على تحريرها، وجمعها بكتاب، وأن تأخذ حقها من المشاهدة المتلفزة أولا. ثم تنتقل للأوراق من باب التدوين، فالمشاهدة، والمادة المرئية القصيرة، هي الوسيلة الأولى، لنقل الثقافة، وإيصالها في هذا الزمن.
أما الحفظ، والاستبقاء، فالمجد للتدوين بكل زمان.
الكثير مما أعرضه على متابعي أستمده من الواقع القريب مني.

 

 

* أستلهم بعض ما أقدمه من حوادث عايشتها.

فرقد: هل سبق وحصلت معك حادثة معيّنة، كانت سبباً في عرض قصة، أو مثل معينٍ على متابعيك؟  

عمر حمد: نعم حصلت حوادث كثيرة، كانت إلهاما، وأصبحت-فيما بعد- مادة حلوة تستحق الطرح، وحدث يوما ما  بأن سمعت كهلا لطيفا، يقول لحفيده ملبيا لطلب الحفيد:
(أبشر وآنا دخن من دخن تيه)
وهذه التلبية معروفة، مشهورة، مسموعة في تهامة الحبيبة.
وهي تقال من باب الفداء للمحبوب، وتلبية طلبه على الفور. فمباشرة مرّرت القصة بكل حب لأحبابي، عبر منصة التواصل تويتر، وكان التفاعل كبيرا جدا،
وأخرى كنت أتأمل انتقال الماء، والسيل من مزرعة للأخرى، فاستحضرت مثلا تهاميا، يناسب المشهد، وقمت بالتصوير مباشرة، وكانت مادة غنية بالحكمة، واللطف، وكان التفاعل معها كبير جدا أيضا، إذ يجدها القارئ، والمشاهد بصفحتي على تويتر ،بعنوان (ما إلا زهبن، فاض في أخوه )، وهو مثل تهامي مسموع، معروف.
وغير ذلك كثير، وتراثنا التهامي مليء بما يستحق التفحص والتأمل، والكثير الكثير من الجوانب المضيئة،  والكنوز؛ التي تحتاج إلى التنقيب. وكذلك هو تراث الأجداد، ببقية مناطق المملكة العربية السعودية الحبيبة، فلا يخلو من أحداث، وحكايات، تختصر لنا خبرة الأجداد، وتجاربهم في الحياة، وتوصينا بالتّمسك بالخصال الحميدة، والقيم الأصيلة، وتُقدم لنا مثلا، أو قصة، أو حكاية مليئة بالعبر، وتستحق التأمل، والاستحضار بوقتنا الحالي.

 

 

*لا غرابة تطابق بين بعض الأمثال الشعبية مع أحداث وقصص تاريخية قديمة.

فرقد: الموروث الشّعبي في تهامة غني بالقصص، والأساطير، والأمثلة؛ التي تلامس واقع الناس هناك، وقد يكون لها مقابل، أو مشابه في كتب الأدب العربي والسير. فهلا أوردت لنا بعضاً منها؟

عمر حمد: نعم هناك مثل نقوله في تهامة عسير، وهو: (بعض النساء منايح، وبعضهن روايح).
ومعناه، أن بعض النّساء، قد تكون خيراً على زوجها، وبركةً في بيته، وحياته، فهي منحة ربانية، طيبة لزوجها، وبعضهن سيئات، وقدم سوء على زوجها، فتحيل حياته إلى جحيم، وعذاب، تنتقص عطاءه، وتكثر التذمر من أوضاعه الصعبة، وتزيده شقاءً فوق شقائه، فتصبح عذاباً وعقاباً له.
ولو راجعنا كتب السير والأثر، لوجدنا هذا المثل يتطابق مع معنى القصة؛ التي تذكر عن إبراهيم عليه السلام، وزوجتي ابنه إسماعيل عليه السلام. وذلك عندما زار إبراهيم عليه السلام ابنه إسماعيل، ولكنه لم يجد إلا زوجته، فسألها عن حالهم، فأخبرته أنهم بشر حال، فقال لها، إذا عاد زوجك، فأبلغيه بأن أباه يقول له: أن غيّر عتبة بابك. فطلقها إسماعيل عليه السلام، وتزوج أخرى، ثم عاد إبراهيم عليه السلام لزيارته، فلم يجد إلا زوجته فسألها عن حالهم، فأخبرته بأنهم بأحسن حال، فقال لها:
إذا عاد زوجك فأبلغيه بأن يثبت عتبة الباب.
فلا غرابة إذا وجدنا تطابقاً، أو تشابهاً بين بعض الأمثال الشعبية في منطقة تهامة، وبين أحداث، وقصص تاريخية قديمة.
فعلا مورثنا الشعبي التّهامي لايخلو من التشابه -في كثير من أمثاله وحكاياته- مع أمثال وحكايات من تاريخنا الأدبي القديم.   

وهذا هو ما أحاول أن أفعله بأعمالي الخاصة بمنصتي الخاصة، ومنبري الخاص، وصفحتي على تويتر، من ربطه بالأدب العربي القديم، واحياء لهذا الموروث، وتسليط الضوء عليه. 

 

 

*الأدب العربي، والشعبي كلٌّ متكامل. 

فرقد: كليلة ودمنة القائمة على تقديم القصص ذات المغزى العميق، والمتضمنة للأمثلة كمساعد في إيصال المعنى، بطريقة غير مباشرة، هل استفاد عمر حمد من هذا النهج؟ وكيف؟  

عمر حمد: ربما، ولقد وجدت من خلال التأمل في مرويات الأجداد، وأقوالهم، وأمثالهم، وحكمهم ما يكون صالحا للتطبيق، والمشابهة لكثير من الأحداث في زمننا هذا، حتى وإن كان مثلا به تورية، أو ترميز غامض، كما هو الحال في مرويات كليلة ودمنة، وما فيها من معان تعتمد على التورية والرمز. وهذا دليل على أن الأدب العربي، والشعبي، كلٌّ متكامل، وبعضه من بعض، و بأن التاريخ قد يتكرر، وربما كانت تجاربهم؛ التي انتقلت لنا كأمثال، وأقوال؛ هي فعلا تجارب كاملة، وحقيقية، والنتائج كانت فعلا مؤكدة، لكل حدث وصفوا نهايته قبل بدايته، بزمننا هذا، وهذه هي الفائدة العظيمة؛ التي نجنيها من خلال تأملاتنا لأمثالهم، وحكمهم، وخلاصة تجاربهم.
في بعض المرّات، عندما أحلّل مثلا قديما، وحكمة قديمة مسموعة، ثم أسقطه على بعض الأحداث بزمننا هذا، أجده فعلا مطابقاً للواقع، ويتنبأ بالنهاية. فأتلذذ مع أحبابي، والمتابعين حين أطرق هذا المثل، أو هذه المروية، ونتبادل التحليل.

 

 

* الأمثال -دائما- مرتبطة بحدثٍ معين، أو قصة ما.

‏فرقد: ما دور الأمثال في توثيق الحياة قديماً؟ هل تذكر لنا شيئاً يعبر عن ذلك؟

عمر حمد: الأمثال، والتراكيب اللغوية للأمثال العربية والشعبية، تكون غالبا مسجوعة، وسهل حفظها، وانتقالها على الألسن، ودائما هي مرتبطة بقصة، أو حدث معين حصل بحينه، وكان عبرة، وتستحق فعلا أن تنتقل من جيل لآخر، فبها دروس، وعبر بأقل الألفاظ، وسهلة الحفظ والتناقل. ومن هذه القصص؛ التي حُفظت عن طريق مثل بسيط، سهل، ارتبط بقصة بها عبرة
المثل التهامي المعروف القائل :
(امهدة ويلا امجلايب)
وامهدة تعني : الشّجار.
ويلا امجلايب تعني : باتجاه ونحو الأغنام.
والقصة هي : يحكى أنه قديما، حصل شجار عنيف في سوق الماشية (أحد أسواق تهامة)، وحمي الوطيس، وتبادل الخصوم الضرب بالحجارة، والهراوات. وكان بزاوية السوق مُسن؛ يرمق ما يحدث بعين، وبالأخرى يراقب أغنامه دون أن ينطق بحرف، ولا يحرك ساكنا.
وازداد الشّجار، واقتربت المعركة من هذا المسن، وهو لم يفصل بين المتشاجرين، ولم يتدخّل بينهم وسيط خير، أو مُحكما أبدا، بل أخذ أغنامه، وانزوى، ونأى بنفسه عن ما يحدث، فلامه النّاس، لعدم تدخله، وعدم مشاركته في فض النزاع. فأجابهم -بخبرة السّنين- مبتسما قائلا:
أي هها، ولو أني قد عرفت إن (إمهدة ويلا امجلايب).
يقصد أن الشّجار مفتعل، والخصوم أصدقاء، و هي حيلة منهم ليصلوا لأغنامه، ويسرقوها وسط المعمعة.
هذه القصة، قد تتكرر بحياتنا، فيحدث أن يتدخل الانسان بحسن نية بين خصمين خبيثين، فيناله الشّقاء والضرر، وينالان هما الغنيمة والظفر.
وسيلاحظون بأن هناك الكثير من الأمثلة، والأمثال القديمة؛ التي هي فعلا  توثيق لتجارب السابقين من أجدادنا، واختصارا لخلاصة تعاملهم مع الأحداث.

 

 

* الموروث الشعبي بين الشغف، والعزوف.  

فرقد: هل تعتقد أن الجيل الحالي لديه الشغف حقاً بتراث أبائه وأجداده، في ظل هذا الانفتاح المهول، والمتسارع على ثقافة، وحضارة الشعوب الأخرى؟ 

عمر حمد: هناك شغف لا بأس به، وهناك أيضا عزوف. ولكن سرعان ما يتبدد هذا العزوف، ويعود الشباب والجيل الحالي للتمسك مجددا بالتراث، ويجدون به سلوة، فائدة، متعة، ودروساً بالمجان، وخلاصةً تكفيهم عناء التجربة، وتكرار الأخطاء، والحكمة ضالة المؤمن.
ربما يجدها بأي ثقافة، ولكن هناك ثقافات لا تتناسب أبدا مع قيمنا الإسلامية، وعروبتنا، وقد تتعارض معها، أو تجعلنا ننسلخ من هويتنا في حال تشربناها تماما، وهنا الإشكال؛ والذي نخافه كـآباء على أبنائنا حفظهم الله، وحفظ الله دينهم، وقيمهم، وأخلاقهم.

 

 

* آمل أن أستفيد من تخصصي، لخدمة الموروث الشعبي في تهامة.

فرقد: تخصصت في مرحلة البكالوريوس في الدعوة والإعلام، بالإضافة إلى كونك الآن باحث في مرحلة الماجستير -قسم الشريعة وأصول الدين/ دعوة. كيف تسعى لتوظيف تخصصك في خدمة الموروث الشعبي في تهامة عسير؟

عمر حمد : لازلت حاليا في مرحلة البحث، والنقد، والتلقي بالنسبة لمرحلة الماجستير، في التخصص؛ الذي أدرسه، وأعشقه، وأحبه. وآمل في أن  يوفقني الله، وأحسن توظيف تخصصي في مرحلة البكالريوس، لخدمة هذا الموروث العظيم في منطقتنا بطريقة أو بأخرى.
فالموروث اللغوي والشعبي؛ هو عشق لا ينتهي بالنسبة لي، وبكل مرة أعود إليه، أجده غنيا وثريا، فيغنيني ويشبعني دهشة، وأجد به متعة لا تضاهيها متعة.
فالمرجع، أفواه الأجداد، وذاكرة الآباء والأمهات، وساعات الصفاء؛ التي نقضيها معهم بِرا، ووصلا، واستخراج درر.

 

 

* هكذا أرى الإعلامي الناجح.

فرقد: برأيك ماهي الصفات؛ التي يجب توافرها في الإعلامي الناجح، والمتميز؟ 

عمر حمد: صِدقه، ومعرفته لما يقال، وما لا يقال، وحبه لوطنه، وثقافته، ومجتمعه، وتأخيره لمصالحه الشخصية، وتقديمه للمصلحة العامة، وأن يتق الله في عقول المشاهدين أو القارئين.
فقد يسلموه عقولهم، فيشكلها كما يطرح، ويشاء. خاصة وأننا بمجتمعنا قد لا ننتقد كثيرا، وقد نسلّم ولا نبحث، ونتحقق فيما نسمع، أو نشاهد دائما، وهذه مشكلة كبيرة. وعندما يكون هدف الإعلامي سامٍ وحق، ويكون واثقا من نفسه، ومما يقول وينقل، يكون طرحه متزنا، ومقبولا ومقنعا، وبالعكس يكون منفرا، مستفزا، مستخفا بعقول الناس، عندما يكون هدفه دنيئا، أو لمصلحة دنيئة، أو سطحيٌا ،فسوف ترفضه ذائقة، ووسطية وإنسانية المشاهد، أو القارئ أو السامع. 

 

 

*اَتّفق، ولا اَتفق.

فرقد: بعض الناس يرفض دخول غير المختصين في مجال الإعلام، ويطالبون بأن يكون محصوراً بخريجي كليات الاختصاص، هل أنت مع، أو ضد هذا الرأي؟ 

عمر حمد: اتفق -نوعا ما- مع هذا الرأي، واَختلف أيضا في بعضه. فليس هذا العمل حكرا على أحد، إذا توافرت أدوات النجاح، والموهبة، والعقل المتزن لدى شخصٍ ما.
لكن أيضا يكون المتخصص متميزا؛ لأنه عالم مدرك بعمق التخصص، وتلقى العديد، والعديد من الساعات العملية، والعلمية في هذا العلم، وأصبح جاهزا للانطلاق، وقد تعب كثيرا في التحصيل ليصل.
وبالجانب الآخر هناك الكثير من الأمثلة غير المتخصصة؛ والتي كانت رموزا يُحتذى بها، ووصلت لقمة الأداء، وحتما، هذه النماذج مرت بمحطات، وتجارب عديدة، حتى بلغت تلك القمة؛ التي لا تأت بسهولة، بل بممارسة طويلة، وتعمق شديدٍ في العمل الإعلامي، واهتمام دقيق به.
الخلاصة، إنّ التّخصص يُحترم، والموهبة أيضا تُحترم.
وعندما تتحد الموهبة، والتخصص، يكون المثال قامة، وهامة إعلامية يشار إليها بالبنان، وعندما تغيب الاثنتين معاً (الموهبة والتخصص)، أو الطرح المتزن، تكون هناك كارثة تلفظها عقولنا، وذائقتنا. 

 

 

* الختام.

فرقد: أستاذ عمر وصلنا لنهاية حوارنا معك، فهل هناك ما تود قوله، أو إضافته؟ 

عمر حمد: ليس هناك سوى الشكر الوافر، والوفير؛ الذي أقدمه لك أختي عائشة، ولقراء مجلتكم النخبوية، وأشكر -بعمق- كل من قرأ هذا اللقاء، ووصل لآخره. وأرحب بكل صدر رحب، وبكل حب تفاعل القراء، وإبداء ملاحظاتهم، ونقدهم على هذا الاسم، والعنوان و( اليوزر ) في كل وسائل التواصل.
 @omarhamd3
وأتمنى أن أكون كنسمة الهواء العليلة على أرواحهم، ولهم ولك كل الود، والاحترام، والامتنان لهذه الفرصة العظيمة بلقائهم عبر مجلتكم العامرة بالأدب والجمال.  

فرقد: للأستاذ عمر حمد وافر الشكر والتقدير، وخالص الدّعوات بالتوفيق والسداد. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

4 thoughts on “عمر حمد: حبّي للبيئة التّهامية، جعلني شغوفاً بتراثها اللّغوي، والشّعبي.

  1. شكرًا للمجلة التي اظهرت هذا الحوار الممتع و الشيّق
    ثم الشكر لكِ أستاذة عائشة على طرحك الرائع الذي لا يمل و الشكر للأستاذ عمر حمد الذي أظهر اللهجة الجنوبية (التهامية) بصورة جميلة و سهلة و محببة للجميل كل الفخر لمن يمثل اللهجة الجنوبية بصورتها الجميلة الممتعة.

  2. كنت مبتدأً خبره إنكار الذات ودائرةً محيطها الحب والإخلاص
    وبضاعةً لن تبور
    لأصحاب العقول ❤️👍

  3. بوركتم وبورك مسعاكم وسدد الله خطاكم.. التهنئة للصحيفة والشكر للضيف والحب لمن أتقن الحوار وأبدع في الاخراج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *