المتنبي الشاعر الحكيم الرحالة

إعداد: صلاح عبد الستار محمد الشهاوي*

المتنبي الشاعر الأشهر الذي تجسدت في شخصيته صفات العرب وفي شعره تجسدت مزايا الشعر الأصيل: أحمد بن حسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي (303- 354هـ /915-965 م). الشاعر الحكيم وأحد مفاخر الأدب العربي، له الأمثال السائرة والحكم البالغة والمعاني المبتكرة، وهو شاعر العربية الأكبر، في أصالته واعتزازه بحضارته، في حبه للطموح وغنائه للفروسية والشجاعة، في حثه على مقاومة الظلم ورفع يد الطغيان، في مدائحه وهجائياته، في فخره واعتداده.

ولد بالكوفة، في محلة تسمى كندة وإليها نسبه، ونشأ بالشام ثم تنقل في البادية يطلب الأدب وعلم العربية وأيام الناس.

تميز أبو الطيب منذ نعومة أظفاره بذكاء وقاد، وميل إلى الدرس والتحصيل، وظهرت مواهبه الشعرية في سن مبكرة. حيث تلقى تعليمه الأولى في كُتاب فيه أولاد أشراف الكوفة، فكان تلميذا فقيراً بين رفاق أغنياء.

 

مكانة المتنبي في الشعر العربي.

لا أستطيع أن أضيف جديداً حين أتحدث عما يتمتع به أبو الطيب المتنبي من منزلة رفيعة في نفوس أبناء العربية بمن فيهم الشعراء والأدباء والنقاد.

فلأبي الطيب المتنبي مكانة سامية لم تتح مثلها لغيره من شعراء العربية، فقد كان نادرة زمانه، وأعجوبة عصره، وظل شعره إلى اليوم مصدر إلهام ووحي للشعراء والأدباء يجدون فيه القوة، والتدفق، والشاعرية المرتكزة على الحس والتجربة الصادقة.

أطلق المتنبي الشعر من قيوده التي قيده بها أبو تمام وخرج عن أساليب العرب المخصوصة، فهو إمام الطريقة الإبداعية في الشعر العربي.

وصوت المتنبي الشعري مازال عالياً في عصرنا الراهن تخفي دونه أصوات وأصوات، فنحن قد تأخذنا هزة من طرب ونحن نسمع من يتلو قول المتنبي:

        لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي       وللحب ما لم يتبق مني وما بقي

        وما أنا ممن يملك العشقُ لُبه        ولكن من يبصر جفونك يعشق.

وقد قيل في شعر المتنبي كلام كثير، قاله شراح ديوانه، وقاله المفسرون لشعره، وقاله الدارسون لشاعريته والباحثون عن مواطن العبقرية في كلماته وأبياته والخارجون على إجماع الذوق العرب هجوما على المتنبي الإنسان والمتنبي الشاعر.

كاد هذا الإجماع ينعقد على تفضيل المتنبي وتقديمه ثم ينفرط عقد هذا الإجماع عند البحث في أسباب هذا التفضيل والتقديم، فمن قائل لأنه شاعر الحكمة، يبثها في ثنايا قصائده، وتلتمع أبياته، فتهتز لها نفس مستقبلها اهتزازا عظيما، ومن قائل بل هي صياغته المحكمة، وحسه العربي الأصيل، تجود به طبيعة شربت فصاحة البادية ورضعت لبانها، ومن قائل بل هي معانيه التي تجيش بها قصائده، وتفيض بها أبياته في شتي مجالات إبداعه الشعري، خاصة مجالات الحماسة والفروسية، والحديث عن النفس، والتغني بمكارم الأخلاق، والثناء على الممدوحين الذين رأي فيهم – كما رأي في سيف الدولة الحمداني- نموذج الفارس العربي الشهم الجواد البصير بالشعر وفنونه، والعالي الذوق في نقده وتقييمه:

           عليم بأسرار الديانات واللغة      له خطرات تفضح الناس والكتبا.

غير أن المتأمل في شعر أبي المتنبي، وفيما يتردد منه على ألسنة الناس وأقلامهم- ذاكرين ومستشهدين في مناسبات عديدة مختلفة- سرعان ما يكشف أن وراء هذا الدوران اليومي لشعر المتنبي وذكره الدائم الذي لا يتوقف ولا ينقطع، نجاحه الفذ في التعبير عن النفس الإنسانية، في كل حالاتها، ومواقفها: انقباضاً وبسطاً، تفاءلا وتشاؤما، حزنا وسرورا، سخطاً ورضاً، يأساً وأملاً، ثقة وشكاً، إقداماُ وتراجعاً، ومن هنا كان استدعاء شعره والتمثل بأبياته كلما طرأت حالة أو عنّ موقف أو تفجر شعور أو إحساس، ومن هنا أيضاً كانت هذه العلاقة الحميمة بين الذاكرة العربية وشعر المتنبي، فهي دائمة الإضفاء عليه من مخزونها هالة تتسع وتضيء كلما كان الواقع الشعري من حولنا مجدبا وخاوياً وكئيباً.

المتنبي إذن شاعر النفس الإنسانية التي عذبها طموحها ونشدانها عالماً لا يتحقق وآمالا تناطح المستحيل، وهو عبقري هذه اللغة الجميلة التي هدته فطرته إلى أدق أسرارها وأعمق خفاياها، وهو موسيقارها الفذ الذي شحن تجلياتها الشعرية بألوان موسيقاه الهادرة الصاخبة أحياناً، الحزينة الهادئة أحياناً أخرى.     

 

رحلات المتنبي وجولاته.

المتنبي جواب آفاق، سلخ معظم سنوات عمره متنقلا من بلد إلى آخر لا يقر له قرار، اتخذ من ظهور المطايا مُقاما، ومن رحالها أرضا إذ يقول:

            ألفت ترحلي وجعلت أرضي      قُتُودي والغريري الجُلالا (1)

          فما حاولتُ في أرضٍ مُقاماً        ولا أزمعتُ عن أرضٍ زوالا(2)

         على قلقٍ كأن الريح تحتي         أوجهها جنوباً أو شمالا.

ويقول:

             أخو همم رحالة لا تزال بي        نوى تقطع البيداء أو أقطع العمرا

             ومن كان عزمي بين جنبيه حثهُ   وصير طول الأرض في عينه شبرا.

كما قال في الاعتداد بقدرته على الرحلة:

               ومهمة جُبته على قدمي      تعجز عنه العرامسُ الذللُ (3)

               بصارمي مُرتْد بمخبرتي     مجتزئ بالظلام مُشتمل (4)

يقول الثعالبي في كتابه يتيمة الدهر عن المتنبي: “وكان كثيراً ما يتجشم أسفاراً بعيدة أبعد من آماله، ويمشي في مناكب الأرض، ويطوي المناهل والمراحل، ولا زاد إلاَ من ضرب الحراب على صفحة المحراب (العنق)، ولا مطية إلاّ الخُفَّ والنعل كما قال:

لا ناقتي تقبلُ الرديفَ ولا      بالسوط يوم الرهان أُجهدها (5)

 شِراكُها كورُها ومِشْفرُها     زِمامُها والشسُوعُ مِقْودُها (6)”

غادر الكوفة حيث ولد بصحبة أبيه إلى بادية السماوة، وذلك سنة 313هـ على وجه التقريب، وله من العمر عشر سنين، فأقام فيها نحو سنتين ضيفاً على بني الصابي، وهم بطن من جُشم بن همدان أجداد المتنبي لأمه، حيث أتيح له في هذه الفترة تلقي العربية من منابعها الأكثر أصالة. عاد إلى الكوفة سنة 315هـ بدويا قحا، فأقام فيها نحو سنة. ثم ارتحل إلى بغداد سنة 316هـ فأقام فيها نحو سنتين. غادر بغداد سنة 318هـ متوجهاً إلى الجزيرة وشمالي الشام، فتنقل في بواديها وحواضرها. ومدح عدداً من أعيانها وأُمرائها إلى أن انتهى إلى سيف الدولة ابن حمدان صاحب حلب وعاش في كنفه تسع سنين، شارك خلالها في معظم حروبه وغزواته.

ارتحل من حلب إلى الفسطاط بمصر سنة 346هـ فأقام فيها أربع سنين بضعة أشهر في كنف كافور الإخشيدي وطلب منه أن يوليه فلم يوله كافور فغضب أبو الطيب وانصرف يهجوه.

غادر الفسطاط عائدا إلى الكوفة سنة 350هـ فوصل إليها في ربيع الأول سنة 351هـ واستغرقت رحلة العودة نحو ثلاثة أشهر، ولم تدم إقامته فيها أكثر من سنة. ارتحل إلى بغداد سنة 352هـ، ثم عاد إلى الكوفة في أول شعبان من السنة نفسها.

غادر الكوفة لآخر مرة متوجهاً إلى أرجان من بلاد فارس في شهر محرم سنة 254هـ بدعوة من ابن العميد وزير ركن الدولة، فوافاها في شهر صفر من السنة نفسها، ولبث نحو شهرين في ضيافة الوزير

غادر أرجان متوجهاً إلى شيراز في شهر ربيع الثاني سنة 354هـ تلبية لدعوةٍ من عضد الدولة ابن بويه البويهي، فبلغها في شهر جمادي الأولى سنة 354هـ، غادر شيراز في شهر شعبان من السنة نفسها عائداً إلى العراق يريد بغداد فالكوفة.

وفي الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة 354هـ عرض له فاتك بن أبي جهل الاسدي في الطريق بجماعة من أصحابه ومع المتنبي فريق أيضا فاقتتل الفريقان فقُتل المتنبي وابنه محسد وغلامه مفلح بالنعمانية بالقرب من دير العاقول في الجانب الغربي من سواد بغداد. وفاتك هذا هو خال – ضبة بن يزيد الأسدي العيني- الذي هجاه المتنبي بقصيدته البائية المعروفة والقصيدة من سقطات المتنبي القليلة ولكنها القاتلة.

 

أهمية رحلات المتنبي:

تتميز رحلات المتنبي عن غيرها من الرحلات الأخرى أن المتنبي آثر أنْ يدون رحلات عمره شعراً ضمنه ما كان يعتمل في نفسه من هموم ومشاغل، وما عاينه من أحداث ومشاهد، فالمتنبي في رحلاته لم يستوف ما يُمكن أن تلحظه عينُ الرحالة من أحوال البلدان، وخصائصها، وما يتصف به ناسها من أخلاق، ومآثر، وعادات، ومعتقدات، إلى غير ذلك من الانطباعات التي تستأثرُ عادة باهتمام الرحالة وتدعوهم إلى أعمال النظر في درس الأماكن، وما تتميز به من خصائص ولكنه ترسم المسالك والطرق التي سلكها في تطوافه، واستعاد صور الأمكنة التي ألم بها، أو أقام فيها بقصائد خالدة خلدت تلك الأماكن والشخصيات المتصلة بتلك الأماكن وبذلك جمع بين التاريخ والجغرافية والشعر وهذا ما ميز رحلات المتنبي عن غيرة من رحلات الرحالة.

______________________________

*عضو اتحاد كتاب مصر.

الهوامش:

1- القتود: جمع قتد، وهو خشب الرّحل. والغريري: المنسوب إلى غُرير فحل من الإبل كان في الجاهلية تُنسب إليه كرامُ الإبل. والجُلال: العظيم.

2- أزمع الأمر، وأزمع عليه: مضى فيه، وثبت عليه عزمهُ. يقول: ما طلبت الإقامة في أرض لأني أبدأ على سفر، ولا عزمت الرحيل عنها لأن الرحيل غنما يكون بعد الإقامة، ولا إقامة لي حتى أرحل.

3- المهمة: الفلاة. جبته: قطعته. العرامس: النوق الصلاب الشديدة واحدتها: عرمس. الذلل: المذللة بالعمل.

4- الصارم: السيف. مرتد: متقلد. مجتزئ: مكتفٍ. بمخبرتي: بمعرفتي.

5- المراد بالناقة: نعله. والرديف: الذي يرتدف خلف الراكب. وأجهد الدابة: حملها على السير فوق طاقتها.

6- الشراك: سير النعل، وهو ما يُقد من الجلد مستطيلاً، والكور رحل الناقة، والمشفر من الناقة: بمنزلة الشفة من الإنسان، وزمامُ النعل: ما تُشد إليه شسوعُها وهي السيور التي تكون بين الأصابع.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *